رسائل ما بعد نهر الفرات: دور ميليشيا «فاطميون» الأفغانية في سوريا

منهل باريش
حجم الخط
0

كرر عناصر من ميليشيا «فاطميون» و«الحرس الثوري» عملية قصف حقل العمر أهم قواعد القوات الأمريكية، لم تسفر عن وقوع خسائر وقام طيران التحالف الدولي باستهداف مواقع الميليشيات بعدة غارات جوية.

تراجعت حدة التوتر التي شهدتها مناطق ضفتي نهر الفرات، الأسبوع الماضي، وتزامنت مع الذكرى الثانية لمقتل قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، ونائب قائد «الحشد الشعبي» الشيعي العراقي، أبو مهدي المهندس في غارة أمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) 2020 بعد دقائق من خروجهم من مطار بغداد الدولي قادمين من دمشق.
ورغم الاستنفار الكبير للمليشيات الإيرانية في عموم المناطق السورية وخصوصا منطقة غرب نهر الفرات، شهد الشريط النهري حذرا أكبر وترقبا من كل الأطراف المحلية والدولية، عسكرية رسمية وشبه عسكرية وميليشياتية، ومن الواضح أن ميليشيا «فاطميون» الإيرانية لعبت الدور الأبرز في التصعيد ضد القوات الأمريكية المتمركز في حقل كونيكو للغاز وحقل العمر النفطي، وعلى اعتبار ان الأول هو الأقرب لمدينة دير الزور ولبلدة حطلة التي عملت إيران على تركيز جهودها في تشييع أهلها منذ نحو عشرين عاما وزادت خلال في السنوات الأربع الماضية بعد أن استعاد النظام السيطرة على المنطقة مرة أخرى.
وفي اليوم التالي لذكرى مقتل سليماني، تعرضت عدة مواقع للميليشيات للقصف من الطيران الأمريكي، ونشرت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» شريطا مسجلا يظهر القصف الدقيق لمصادر نيران مدافع الهاون وراجمات الصواريخ التي قصف معسكرات «التحالف الدولي لمحاربة داعش» شرقي الفرات. وأخلت الميليشيات الإيرانية مقراتها مع بدء القصف وتوزعت في الطرقات والمناطق السكنية والبيوت في كامل المنطقة الممتدة من الحدود العراقية-السورية وصولا إلى مطار دير الزور العسكري الواقع شرق المدينة والمحاذي لطريق دير الزور- الميادين. وعلمت «القدس العربي» من مصادر محلية متطابقة أن القصف تركز على نقاط تابعة للميليشيات في باديتي القورية والعشارة على الضفة اليمنى لنهر الفرات والمسماة «الشامية» باعتبارها امتدادا لبادية الشام، وهي المناطق المتوقعة لقصف حقل العمر النفطي الواقع على ضفة النهر اليسرى، المقابلة والمعروفة محليا باسم «الجزيرة».
وفي سياق التصعيد، دعا زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله إلى «المقاومة الشعبية» في منطقة شرق نهر الفرات ضد القوات الأمريكية. واعتبر أنها الخيار الصحيح الذي سيطرد الأمريكان من سوريا، واتهم في خطاب مصور بث على قناة «المنار» التابعة للحزب، مساء يوم 4 كانون الثاني (يناير) الجاري، بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لمقتل قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، اتهم أمريكا بانها تجعل من قاعدة التنف في سوريا (معبرا حدوديا على طريق بغداد- دمشق) محمية لتنظيم «الدولة الإسلامية» بهدف تهديد النظام السوري.
مع القصف الأمريكي لمقار الميليشيات، عادت ميليشيا «فاطميون» لقصف حقل كونيكو مرة أخرى، ولكن انطلاقا من جنوب غرب الميادين هذه المرة، وقصفت الحقل بقذائف صاروخية بسبب بعد المسافة وعدم مقدرة مدافع الهاون من بلوغ الهدف. الأمر الذي دفع القوات الأمريكية للرد على مصادر النيران ونقاط أخرى بالمدافع الأمريكية الثقيلة، إضافة إلى شن غارات من الطائرات دون طيار التي كانت ملأت سماء الشريط النهري قبل يومين تحسبا للانتقام المحتمل لسليماني.
وخلف القصف الأمريكي مقتل عدد من العناصر إضافة إلى تدمير مرابض المدفعية وراجمات الصواريخ في منطقة صحراوية، وتناقلت مصادر محلية خبر توجه سيارات الإسعاف إلى المنطقة وإسعاف بعض العناصر إلى النقطة الطبية في مدينة الميادين. كما أفرغت الميليشيات الشوارع ومنعت السيارات الخاصة من السير حتى مرور سيارات الإسعاف. وفي سياق التوتر، أجرت الميليشيات الإيرانية المتمركزة بالقرب من قلعة الرحبة بمدينة الميادين تدريبات عسكرية، استخدمت فيها القذائف الصاروخية ضد أهداف مفترضة في عمق بادية «الشامية» جنوبا، عكس منطقة النفوذ الأمريكي.
وعلق «البنتاغون» في بيان مقتضب أن قصف المواقع في سوريا هو بسبب «اعتقادنا أنها كانت ستستخدم لشن هجمات ضدنا، جنودنا لا يزالون عرضة للخطر وعلينا أن نتعامل مع هذا التهديد على محمل الجد». محذرة «مستعدون للتصعيد في سوريا والعراق ضد ميليشيات إيران». فيما أشار التحالف الدولي إلى تعرض القاعدة إلى 8 عمليات قصف على قاعدة تابعة لـ «قسد» في شمال سوريا، ولفت إلى أن «القاعدة التي استهدفت في سوريا تضم تواجدا استشاريا صغيرا تابعا لنا».
بعد ثلاثة أيام على القصف الأمريكي، كرر عناصر من ميليشيا «فاطميون» و«الحرس الثوري» عملية قصف حقل العمر والذي يعتبر أهم قواعد القوات الأمريكية، بأكثر من 3 صواريخ مصدرها بادية الميادين أيضاً، ولم تسفر عن وقوع خسائر أو أضرار، وقام طيران التحالف الدولي باستهداف مواقع الميليشيات بعدة غارات جوية.
إلى ذلك أحيت الميليشيات الإيرانية والمراكز الثقافية والمناطق الدينية الشيعية الذكرى الثانية لمقتل سليماني، وعلقت صوره إلى جانب صور المهندس في مناطق جنوب دمشق والسيدة زينب، كما قامت المراكز الثقافية في محافظة دير الزور بإقامة عدة احتفاليات ووزعت سلل إغاثية على أنصارها والمدنيين المحسوبين عليها، ولم يقتصر الاحتفال بالذكرى على شرق سوريا بل انتقل إلى مدينة حلب وريفها، حيث أقام المركز الثقافي احتفالا في حي المشهد، ورفعت الميليشيات المحلية في بلدتي نبل والزهراء، شمال حلب نصبا تذكارياً لقائد «فيلق القدس» القتيل.
ويلاحظ في التصعيد الأخير، إيلاء دور غير عادي لميليشيا «فاطميون» وهي مؤلفة من مقاتلين أفغان شيعة، يقيمون في مخيمات لجوء في إيران، أسسها علي رضا توسلي، الملقب «أبو حامد توسلي» عام 2014 ويقدم الحرس الثوري الإيراني رواتب جيدة، كما يقوم الحرس بإعطاء ضمانات لأسر المقاتلين بتجنسيهم في حال مقتل رب الأسرة في الحرب بسوريا، وإخراجهم من المخيم وتأمين مسكن وراتب تقاعدي لأسرته والاهتمام بتعليم أولاده.
ومما لا شك فيه، أن الحرس الثوري يرغب بإظهار دور كبير للمقاتلين الأفغان، كورقة ضغط على طالبان في المفاوضات الجارية بهدف اعتراف إيران بحكومة الحركة وتطبيع العلاقات الدبلوماسية المقطوعة. وتسعى إيران لإرسال رسالة أخرى، مفادها أنها أصبحت أكثر تحكما وسيطرة على المنطقة، وأن أذرعا في المنطقة لا تصل إلى اليمن ولبنان وسوريا والخليج العربي فقط، وإنما لديها مصالح شرق إيران وأذرع طويلة تهدد بها استقرار الآخرين في حال عدم الحفاظ على تلك المصالح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية