يدعو إلى العناية بالإنسان في محيطه وفي العالم المنظور: المذهب الطبيعي في الأدب

 عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

لقد شهدت العقود المتأخّرة من القرن التاسع عشر في فرنسا نشاطات في التنظير الأدبي، يمثلها عددٌ من الروائيين بالدرجة الأولى، وأوّلهم إيميل زولا ( 1840- 1902) كما نجد في كتابه بعنوان «تيريز راكان» ( 1867) وكذلك في «الرواية التجريبية» ( 1880). والفكرة الرئيسة في الطبيعية أو المذهب الطبيعي هي أن الإنسان يعيش في عالم من الظواهر الطبيعية المفهومة ويخلو من القوى الإرتقائية والماورائية. لذلك يرى أصحاب المذهب الطبيعي أن الأدب يجب أن يُعنى بالإنسان في محيطه في العالم المنظور، لأن حياته وتصرّفه محكومة بعوامل الوراثة والمحيط واللحظة الزمنية. وعلى الأديب والروائي بشكل خاص أن يرسم الحياة عن طريق التحليل كما يفعل الطبيب أو العالم بدون تدخّل العواطف. وبهذا المعنى تكون الطبيعية صورة من الواقعية، وهي حقيقةٌ ساقت في آخر المطاف إلى تفكّك الطبيعية بوصفها نظرية في الكتابة الأدبية. ويُمثل النقاد في القرن التاسع عشر في فرنسا وبعد ذلك إلى ضبابية الفرق بين الواقعية والطبيعية بالإشارة إلى رواية فلوبير (1821-1880) بعنوان» مدام بوفاري»(1857) التي توصف بأنها رواية طبيعة ولكنها في الأساس وصف واقعي لحياة البطلة.
لقد كان لتطوّر العلوم في القرن التاسع عشر أثره الكبير في نشوء فكرة الطبيعية عند زولا وبخاصة عند ظهور كتاب داروين في «أصل الأنواع» والتطور الطبيعي، الذي نشر عام 1859 ومالبث أن تُرجم إلى الفرنسية والألمانية فشاعت أفكار التطوّر في أوروبا جميعا. لكن رأي زولا في وجوب وصف الإنسان والأحداث على طريقة تحليل الطبيب أو العالم دون تدخل العواطف لها ما يسبقها في الآداب العالمية. فهذا الطلب يجعل من العمل واقعيا قبل أن يكون طبيعيا. وهذا ما يؤدي إلى الخلط بين الواقعية والطبيعية. يذكر بوشا في كتابه بعنوان «تاريخ الطبيعية الفرنسية» ( 1949) أن جميع الكتّاب من سقراط إلى ُندريه بريتون هم طبيعيون بهذا المعنى، وهم واقعيون كذلك. فما الذي يميّز الكتابة الواقعية إذن عن الكتابة الطبيعية؟ ورواية فلوبير أفضل مثال على ذلك. يذكر المفكر الألماني ليوبيرك في كتابه بعنوان «الطبيعية»( 1892) أكثر من 20 معنى لكلمة الطبيعية. وبعد ظهور كتاب زولا بعنوان» تيريز راكان» في فرنسا عام 1967 انتشرت فكرة الطبيعية إلى ألمانيا وإيطاليا بعد ذلك بعشر سنوات ثم دخلت إلى إنكلترا على استحياء في حدود عام 1890 ثم إلى أمريكا بين الحربين العالميتين، حتى انتهت مظاهرها في كتاب شتاينبيك «عناقيد الغضب» عام 1919. وقد تعرّضت الطبيعية إلى هجوم من جانب عدد من كبار الكُتّاب في أمريكا مثل هنري جيمس وجورج مور الذي قال إن «الطبيعية مثال صارخ لجنون العقل… طفولي غرير بشكل لا يُصدَّق».
بعد هذا العرض لأصحاب النظريات الأدبية والنقدية في بلاد الغرب، قد يتساءل بعض المتأدبين العرب عن قيمة هذه المعرفة بالنسبة للكاتب العربي والروائي بخاصة. بلى، لقد أفاد الشاعر العربي في العصور الحديثة من تطوّر الشعر في بلاد الغرب، سواء كان اطّلاعه عن طريق الترجمة أو إن كان قد قرأ تلك الأعمال الشعرية بلغاتها الأصلية، وتلك نعمةٌ لا يُلقّاها إلا ّالذين صبروا، ثم لم يتفَرنَجوا في ما عادوا يكتبون من شعر. ويبقى أصحاب الموهبة الأصيلة من شعراء الحداثة شعراء عرباً لم ينزعوا ما على رؤوسهم من أغطية تراثية لكي يعتمروا البرانيط! بلى، لقد تنبّه شعراء الحداثة العرب إلى أهمية الأسطورة والرمز في الشعر مما وجدوه في بعض الشعر الغربي، فانقلبوا إلى تراثهم العربي المشرقي ليختاروا منه
أمثلةً ليست قليلة، سواءً من تراث العرب أيام الجاهلية أو من تراث آشور وبابل، فاغتنت بذلك قصائد السياب والبياتي ومن اتّبع هُداهُم من الأجيال اللاحقة.
وإذ وجدنا من استعراض مذهب الطبيعية في الأدب الفرنسي وبعض من تبعه في الآداب الأوروبية، حيناً أو بعض حين، أن الأصل في ذلك المذهب كان الواقعية، كما اعترف بعض اللاحقين من أصحاب المذهب الطبيعي الذين قالوا نحن الجيل الثاني من الواقعيين. وبهذا المعنى يكون الشاعر الجاهلي، المُنَخَّل اليَشكُري (509م؟) في وصف لقائه بالحبيبة طبيعياً لأنه واقعي:

ولقد دخلتُ على الفتاه الخِدرَ في اليوم المطير.
الكاعبُ الحسناء تَرفلُ بالدِمَقس وبالحرير.
ودَفعتُها فتدافَعت مَشيَ القطاةِ إلى الغدير.
وأحبُّها وتُحِبُّني ويُحبّ ناقَتها بَعيري..
ومثل ذلك يكون الشاعر العربي المعاصر الكبير نزار قباني طبيعيا ًلأنه واقعي، ففي لقائه الحبيبة التي ما تزال «ترفل بالدِمَقس وبالحرير» نجدها تخبرنا «حتى فساتيني التي أهملتُها/ فرِحت به، رقصت على قدميه». ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة!
أما في الكتابات الروائية في العربية فلدينا الكثير من الأمثلة التي قد تُصنَّف على أنها على المذهب الطبيعي لأنها في الأساس واقعية في عَرض أحداثها وشخصياتها. وقد يكون أبرز مثال على ذلك روايات حنا مينة كما في رواية
«الشراع والعاصفة». فهذا الكاتب قد عرف البحر والشواطئ والعواصف، لأنه قد اشتغل في الموانئ السورية وشاهد بالواقع معاناة عُمّال الموانئ وحياة الملاّحين على ظهور السفائن. لذلك نجد الصوَر التي يقدِّمها لنا تكاد تكون ملموسةً ومحسوسةً كأنها تُعرض في فيلم سينما. وغيابُ المشاعر العاطفية للكاتب في أوضاع مثل هذه يجعل من الرواية عملاً طبيعيا لأنه يقوم على ملاحظة أحداث واقعية.
ومن أعمال الروائي الكبير عبد الرحمن منيف تبرز رواية «حين تركنا الجسر» وأكثر من ذلك ما نجده في «مدن الملح» من أوصاف كاتب عرف الصحراء وأهلها فكان هذا الأسلوب بسخريته المُقنّعة بهجاء اجتماعي- سياسي، لا نكاد نتبيَّن فيه شخصية الكاتب القابعة وراء كلماته، فتكون واقعية ُالخبرة في اللُّبّ من طبيعية الأسلوب.
وقد نختم بالإشارة إلى تلك الرواية العجيبة «عالم بلا خرائط» التي اشترك فيها اثنان من كبار الروائيين العرب المعاصرين، جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف. إن معرفتي الشخصية بهذين الكاتبين الكبيرين تجعلني، ربّما، أكثر من غيري من القرّاء قادراً على تبيّن أي الكاتبين يتحدث في هذا الموضع أو ذاك، لأن خبرة هذا الكاتب أو ذاك يكشف عنها أسلوبه.
لكن أحداً من كُتّابنا العرب، على حدود عِلمي، لم يتبجّح بالقول إنه يكتب بالأسلوب الطبيعي أو الواقعي الأوروبيَّين، لأن «عقدة الخواجه» لم تطرق أبوابنا إلى اليوم. وكأني بالكاتب العربي يردِّد قول نزار «شَعَرتُ بشَيءٍ فكوّنتُ شيئاً بعفويّةٍ دون أن أقصدا».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية