حماقات داخل النص وخارجه

سنتعمد في تناولنا لـ«حماقات» الإبداع، استبعاد أي إطار مدرسي جاهز، من شأنه التعامل مع الظاهرة، على ضوء ما تمدنا به التيارات الفنية والجماليات من إضاءات مفاهيمية، والتي يتوقع منها القارئ المهتم، أن تفيده في استيعاب المقصود، من توصيف عوالم الإبداع بالحماقات. وهو توقع موضوعي باعتبار أن الحماقة، بما تتضمنه سلوكيا من تحييد تام للعقل والعقلانية، تعني الخروج الصريح عن كل منهجية تعاقدية، عامة ومشتركة. عدا أننا، وفور إدراجنا لها في نسق جمالي بحت، سنلاحظ أنها لا تلبث أن تحجب عن أعيننا معادلة العقل واللاعقل، كي ينفتح الباب على مصراعيه، لاشتغال مقاربات متعددة ومتنوعة المشارب، تضعنا رأسا في قلب مسالك ومسارات فلسفية وفكرية، يستقل كل منها بمنظوماته النظرية، التي تسعى كل من جهتها، إلى تقييد دلالات الحماقة وأبعادها، على أساس ما تستأنس به من قناعات نظرية، ومفاهيم إجرائية.
وكما هو معلوم، فإن أغلب الخطابات التي أفرزتها الحضارات الإنسانية، تشتغل في هذا الإطار، الذي يجدد إوالياته بتجدد عامل الفصل ما بين العقلانية ونقيضتها، التي لا تلبث أن تأخذ شكل حماقة، كلما أوغلت في تطرفها، وإذا كانت إمكانية الفصل بين النقيضين متيسرة إلى حد ما في الخطابات الفكرية والعملية، إلا أنها تصبح معضلة حقيقية، حال انتقالها من الحقل الفكري إلى الحقل الجمالي، بحكم تباين القوانين الفاصلة بين الحقلين.
فمن خلال هذه الإضاءة، سنكتفي في تناولنا لثنائية العقلانية وضدها، على هذا الضد «الفني» و«السلوكي» الذي يتطرف في انزياحه كي يتحول إلى «حماقة» بما يعنيه التوصيف من طرافة هي مزيج من حالات الاستغراب، الإدهاش والإمتاع، الناتجة إما عن الخرق المبيت للثوابت الفنية والمعرفية، أو التنكر المتعمد للقيم المجتمعية المتداولة. بمعنى أن الأمر يتعلق بحماقة مزدوجة الحدين، يشتغل أحدهما داخل النص، فيما يشتغل الثاني بين رحاب المعيش. وسيكون من الضروري في هذا السياق، التأكيد على أهمية الحضور الجمالي للحماقة داخل النص، من أجل إضفائها لأكبر قدر من الخصوصية عليه. ذلك أن الأهمية التي يحظى بها النص من قبل قرائه، تستند أساسا إلى مدى ما يتميز به من خصوصية، هي نتاج التصعيد الجمالي لآلية اشتغال عامل الانزياح المفضي حتما إلى الحماقة بالمعنى الإيجابي والفني للكلمة.
والحديث هنا كما هو واضح، يتمحور مبدئيا حول تجارب الأعمال المستقبلية، التي تمتلك رؤية تحديثية لإواليات المنجز الفني والإبداعي. مع العلم أن اقترانها بهذه الرؤية، لا يعني مطلقا أنها متشابهة وموجودة داخل خانة معلومة ومغلقة تعرف بها، بل عكس ذلك، إنها تحرص على تعددها واختلافها، حيث ما من أثر ثابت يوحي بتماهيها التام مع غيرها، ولو كان هذا الغير هو أيضا منتميا إلى فضاءات التجريب الحداثي، ولأنها كذلك، فستظل بحاجة إلى شحنات مستدامة من جمالية ذلك الجموح الذي يضاعف من انزياحها، حتى بالنسبة للأنساق المحايثة لها، كشرط أساسي من شروط استقلالها بهويتها. وليست شحنة الجموح هذه، سوى التسريب المباغت لأطياف الحماقة داخل فضاء العمل، والكفيلة بانتزاعه من رتابة الإقامة المشتركة، في أفق الارتقاء به إلى مقامات التفرد، التي يتحقق بها شرط الخصوصية الفنية والإبداعية. فبالنظر إلى طوفان النصوص التي لا تتوقف تفريعاتها عن التدفق في مختلف الجهات، والتي تتعذر معها أحيانا، إمكانية الفصل والتمييز بين بنيات مساراتها، فسيكون من الضروري زرع مقومات «شطح تخييلي» ما في جسد النص، كي يعلن عن اختلافه وتميزه.

حماقات، تشتغل على مستوى تصنيع وحدات الحكي، واللعب بشطحات التخييل، بقوة اشتغالها نفسها على مستوى البنيات التعبيرية، في اللغة كما في المعمار، التشكيل، الموسيقى أو الرقص، وطبعا ضمن رؤية متطرفة، من حيث انزياحها عما هو منزاح سلفا.

إن الأمر شبيه بالوشم الناطق بهوية الجسد، في مهرجانات التماهي والتطابق الأعمى، ما دام المطلوب أساسا هو تأكيد الخصوصية التي يستقل بها النص عن غيره من النصوص، بصرف النظر عن الأبعاد الدلالية والجمالية، التي يحيل عليها.
ومن المؤكد أن فقدان الخصوصية النصية، بما هي مؤشر ضمني على امتلاك النص لهوية ما، تعني انمحاءه القسري، وزواله الرمزي من المشهد، باعتبار أن الحياة الفعلية للعمل الإبداعي والفني ككل، تتمثل في امتلاكه لما يكفي من إواليات الإثارة، التي تضفي عليه نسبة وافية ومقنعة من المغايرة. وبالتالي، فإن ارتكاب متعة «الحماقة النصية» هو بحق أحد المسالك الأساسية المفضية إلى حظوة الخصوصية والتفرد. لكن قبل ذلك، تجدر الإشارة إلى أن ابتكار الحماقة النصية، مشروط بتوافر كفاية إبداعية جد متقدمة، تفاديا للخلط بينها وبين أي افتعال أرعن لواقع مجاني يمجه التلقي. فقد تكون بمثابة النواة المركزية التي يستند عليها العمل في انبنائه، كما يمكن أن تكون عبارة عن مؤثث جمالي، ينضاف إلى غيره من المؤثثات النصية. فعلى أرضية هذا المعطى، تستقل النصوص الأساسية بحماقاتها الصغرى أو الكبرى، التي تكون علامة دالة على هوية مبدعيها. إنها وبأكبر قدر من الإيجاز، الحماقات المخلة بتوازن الأنساق ورصانتها، والتي تكون عادة موضوع تحفظ وإدانة، من قبل حراس الثوابت والأعراف.
حماقات، تشتغل على مستوى تصنيع وحدات الحكي، واللعب بشطحات التخييل، بقوة اشتغالها نفسها على مستوى البنيات التعبيرية، في اللغة كما في المعمار، التشكيل، الموسيقى أو الرقص، وطبعا ضمن رؤية متطرفة، من حيث انزياحها عما هو منزاح سلفا. علما بأن ركوب مغامرة التطرف الإبداعي هذه، يقتضي الإلمام بمجموع الإواليات النظرية والإبداعية، الكفيلة بصهر سحرية الحماقة في أجواء أنساقها.
إنها البؤرة الأكثر إشعاعا في بنية العمل، التي تستدرج بنشاز حضورها الخلاق فضول القراءة. تماما كما تستدرج الشعلة الفراشات لشهوة احتراقها، وإذا كنا قد اعتبرناها ضربا من المغامرة، فلأنها صادرة عن قناعة معززة، بما يكفي من الجرأة لارتكاب بدعة المحظور، ذلك أن مغامرة المبدع بتوريط عمله في ممارسة حماقات الشطح، لا تكون مبررة إلا على ضوء خبرة جمالية وفكرية جد متطورة، وجد عالية، باعتبار أنها نتاج وعي استثنائي، قوامه المعرفة المتمكنة بأسرار البناء الفني والإبداعي، خاصة منه الجانب المتعلق بمقومات الانزياح عن السائد، والخروج عن المألوف.
وفي السياق ذاته، ينبغي استحضار ظاهرة نقل هذه الحماقات من مجالها النصي، إلى مجال الواقع المعيش، وهي الحالة التي يكون فيها المبدع غير متأكد من قدرة حماقاته النصية على إحداث الإثارة المرجوة، والكفيلة باستقطاب فضول التلقي. حيث يتعمد تكريس صورة مهزوزة عنه، تكون من حيث غرائبيتها امتدادا طبيعيا لغرائبية عوالمه الفنية أو الإبداعية، وإذا كانت الصورة المهزوزة للكائن، تعكس بشكل مباشر اختلاله السيكولوجي أو العقلي، فإنها تتحول بالنسبة للمبدع، إلى «مكسب مهم!» بوصفها مصدرا استثنائيا من مصادر توليد الإثارة وتفجيرها، بفعل قدرتها على تأجيج نسبة الفضول لدى الخاصة، كما لدى العامة. وهي الحالة التي يتحول فيها المبدع إلى «عمل فني قائم الذات!» بصلاحية مضاعفة تتجاوز صلاحية إنتاجاته الفنية والأدبية، حيث تتضخم ملامح صورته، كي تحتل ملامحها تفاصيل الإطار المشهدي، مؤثرة بذلك في الاحتجاب التام للعمل، على حساب هيمنة حماقات السيرة الذاتية لصاحب الصورة. وبالنظر لما توليه بعض المناهج من اهتمام مبالغ فيه، بأولوية حماقات السيرة على حماقات النص، فسيكون من الطبيعي أن تكون نقطة جذب واستقطاب، لقراءات لا تقل هي أيضا حماقة عنها.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية