الناصرة- “القدس العربي”:
يتصدى مؤرخ ومحام فلسطيني للمزاعم الصهيونية التاريخية والمزاعم الإسرائيلية الحالية ويؤكد أن العشائر البدوية سكنت صحراء النقب وزرعت ملايين الدونمات فيها طيلة قرون بل صدرت عن طريق ميناء غزة كميات ضخمة من الشعير إلى بريطانيا يوميا.
ويقول دكتور أحمد أمارة من بلدة كفركنا داخل أراضي 48 في دراسة جديدة إن المقولات الإسرائيلية “جعل الصحراء مزهرة”، “تطوير النقب”، أو “سلطة القانون” – كلها ذرائع تاريخية وحاضرة مستمرة لشرعنة المجهود الصهيوني في استعمار فلسطين. كما يقول أمارة الناشط في مركز “ميزان” القضائي إنه كما جرى في مناطق فلسطينية أخرى، يجري هذا المجهود في السنوات الأخيرة وبوتيرة عالية نسبيا في جنوب فلسطين – بئر السبع، وهي المنطقة التي غدت تُعرف بالنقب.
ويضيف أمارة في دراسته “تقود ذلك المجهود الحكومة الإسرائيلية ومعها ما يعرف بـ”الصندوق القومي اليهودي”، حيث يقومون بتحريش الأراضي ليفتخروا بخُضرة “أرض إسرائيل” وبجعل “صحراء النقب مزهرة”. كيف؟ يقومون بزرع الشجر مكان البشر، يقومون باقتلاع أشجار وعروق الزيتون، يقومون بمصادرة الأراضي ومحاولة محو تاريخها، يقومون بتهجير أناسها، يستمرون في تجريف مساحات شاسعة من المزروعات والحقول الخضراء الخاصة بأصحابها الفلسطينيين، وفوق كل ذلك ينكرون المصادرة ويجادلون بقانونية أعمالهم، وبعضهم يستكفي بوعد الله لهم في أرض الميعاد”.
ويوضح أمارة أنه من أجل شرعنة نشاطها ووجودها، تُنكر إسرائيل فعل المصادرة ويقول إنه من منظورها هي لا تقوم بأي مصادرة للأرض، لأن الأراضي هي “أراضي دولة”، وترتكز بذلك على القانون، وبالأساس القانون العثماني لتجادل بأن الأرض في مناطق بئر السبع أو النقب هي “أرض موات” بحسب القانون العثماني (أرض ميتة خالية ليست بحوزة أحد ولا يزرعها أي شخص ولا حق لأحد عليها غير الدولة). كذلك ترى إسرائيل فيمن سكنها مئات السنين أنهم عابرو سبيل، رُحلٌ مروا من هناك، أو ربما زرعوها لكنهم كانوا مخالفين للقانون مُعتدين على تلك الأراضي حتى ولو سبق ذلك كله “تأسيس الصندوق القومي اليهودي” وسبق الصهيونية بمئات السنين، وأن عمر من فلح تلك الأرض ورعاها أطول من عمر إسرائيل بقرون.
أراض موات وصحراء قاحلة؟
ويتطرق أمارة لمزاعم الرواية التاريخية الصهيونية ويوضح أنه في أقل تقدير وحتى بحسب التقارير السرية للجمعيات الصهيونية، فقد فلحت العشائر البدوية العربية في بئر السبع بين 2.5 و3.5 مليون دونم، غالبيتها من الشعير وغيرها من القمح والبطيخ والذُرة والأشجار.
ويضيف “اشتهر شعير جنوب فلسطين بجودته وكان يتم تصدير أغلبه لأوروبا. كان يصل عدد السفن التي تصل إلى غزة لنقل الشعير الفلسطيني من بئر السبع وتصديره بالأساس لبريطانيا نحو 40 سفينة يوميا منذ نهاية القرن التاسع عشر. حيث كانت ديرة بئر السبع وكانت غزة البوابة الجنوبية لفلسطين، تنسج علاقات في العمق الفلسطيني وفي الحلقات الاقتصادية التجارية العالمية”.
خضرة الأرض
كذلك يشير أمارة لنشر تقرير سري للشركة الصهيونية “هخشرات هييشوف” سنة 1919 يحتوي على تفاصيل المساحات والأراضي التابعة لكل عشيرة، المساحات المزروعة ومساحات الرعي، عدد رؤوس الغنم ونوع الزراعة، العائلات ومشايخها. وردا على المزاعم الإسرائيلية في الأمس واليوم يضيف “يعرفون أكثر من الكل خضرة وجودة الأراضي وأصحابها. وفي سنوات الثلاثينات، عندما بدأت الصهيونية والصندوق القومي اليهودي الاهتمام أكثر بالاستيطان في قضاء بئر السبع، بدأوا بالاهتمام أكثر في شراء الأراضي هناك من أصحابها. في الثلاثينات، اشترى “الصندوق القومي اليهودي” قطع أرض من أصحابها العرب، إما عرب بئر السبع أو عرب غزة أو الخليل أو غيرهم، إذ كان أصحاب الأراضي يحملون السندات القانونية. وفي حال لم يكن في يدهم تلك السندات كانوا يتوجهون لمكتب تسجيل الطابو في غزة وبئر السبع لتسجيلها ومن ثم بيعها إذا ما رغبوا في ذلك”.
تقرير سري
وطبقا لدكتور أمارة وصلت المساحات التي اشتراها “الصندوق القومي اليهودي” وغيره من الأفراد والمؤسسات اليهودية والصهيونية إلى نحو 100 ألف دونم. خلُصت اللجنة في تقريرها المختصر السري في 20 أكتوبر 1952 بشأن الأراضي المفلوحة والمزروعة لبدو النقب الذين بقوا داخل إسرائيل بأن “الحقيقة المعروفة أنه خلال حقبة الانتداب، سُجلت مساحات شاسعة من الأراضي باسم البدو، على أساس الدليل القائل إنهم كانوا يزرعون تلك الأراضي طيلة فترة التقادم، ونُقلت ملكية مساحة معتبرة من هذه الأراضي، بعد تسجيلها، إلى “الصندوق القومي اليهودي”، وإلى شركات يهودية أخرى وإلى أفراد يهود. ولذلك، تنطوي هذه المسألة على المئات من السوابق، ونحن نرى أن حكومة إسرائيل لا تستطيع أن تتجاهلها، وينبغي لها ألا تتجاهلها… فمن الممكن تماما أن البدو يملكون الدليل الذي يثبت حيازتهم لمساحات كبيرة أخرى”.
البلاد لمن يعرفها
وفي الاستنتاجات يقول أمارة إنه ينبغي للمرء ألا يتحاشى الاعتراف بحقوق البدو في ملكية تلك الأراضي التي يستطيعون أن يقيموا الدليل على أنهم كانوا يتعهدونها بالزراعة على مدى فترة طويلة (فترة التقادم). ويؤكد أمارة أن إسرائيل أجلت وراوغت في مسألة الاعتراف بملكية أراضي أهل بئر السبع أو تسجيلها، ونقلت وطردت الأهالي من منطقة لأخرى، واعترفت وحاولت تعويض البعض، وعبرت عن استعدادها في التطوير أو التطهير، ولعبت سياسة “فرق تسُد” وتلاعب بتعيين المشايخ وعزل البعض وضرب العشائر وتقسيمها. كذلك أعلنت في سبعينيات القرن الماضي بداية تسوية الأراضي وتسجيلها، لكنها رفضت القرار في 3220 دعوى ملكية قدمها أهل النقب بين 1970-1979 على مليون دونم زراعي ونصف مليون دونم مراع، عدا عما صادرته إسرائيل كـ”أملاك متروكة” للاجئين السبعاويين.
ويتابع “بدل الاعتراف جمدت إسرائيل الفحص وحاولت الضغط والترهيب والترغيب تجاه المدعين من أجل قبول تعويض بسيط والتنازل عن الدعوى لكنها فشلت ونجحت بإلغاء أقل من 20% من الدعاوى على مدى عشرات السنين وتحت تهديد الطرد والهدم. ومن ثم بدأت بدعاوى مضادة ضد السكان في المحاكم مدعية أن الأرض هي أرض موات وأن زارعي الأرض وأهل السبع ما هم سوى “معتدين على أراضي الدولة”.
ويخلص أمارة للقول “في ظل كل ذلك، وصلت الحكومة الإسرائيلية اليوم إلى مرحلة لا تريد المراوغة أكثر بل تلعب اللعبة بوضوح أكثر، معتبرة أن لها كل القوة والغطرسة، وليست بحاجة إلى مفاوضات أو إرضاء بعض المشايخ. ونتنياهو “أبو يائير” يغير موقفه بحسب الأهداف السياسية. ذهب السياسيون الإسرائيليون ليزرعوا شتلات الشجر في “أرض إسرائيل” تحت حراسة مئات عناصر الشرطة والسلاح والآليات العسكرية والآليات الثقيلة، بعد أن ضربوا واعتقلوا الأطفال الفلسطينيين الذين يعرفون كل ذرة تراب في الصحراء وكل نبتة في قرى سعوة وخشم زنة والعراقيب ووادي النعم ويحفظون رواية كل ديرة بئر السبع أكثر مما يطرحه ويشرحه القانون الإسرائيلي وخرائط الصندوق القومي اليهودي”.