ثلاث مئويات مُتزامنة

حجم الخط
1

تزامن دراماتيكي بين ثلاث مئويات، كانت الثقافة اقنوما رابعا خارج مدار الرّصد، رغم أنها مارست نفوذها عبر التّسلل، وأوشك الاستشراق أن ينوب عنها، بحيث يتحقق ما تنبأ به مالك بن نبي حول تبني الضحية ما قاله الجلاد عنها، فالاستعمار قد يرحل بالمعنى المادي ويسحب جيوشه ويستبدل الخوذة بقبّعة أنيقة، لكن ما صاغه من وعي سالب يبقى من بعده.
الحرب العالمية الأولى وسايكس بيكو ووعد بلفور هي محاور هذه المئويات، والعلاقة بين أطراف هذا الثالوث جدلية، رغم أن المئويتين اللتين تخصّان العرب وثقافتهم لم تظفرا بما ظفرت به الحرب العالمية الأولى، التي باعدت بيننا وبينها قطيعتان، الأولى هي الحرب العالمية الثانية التي أعقبتها بعد ربع قرن، والثانية زمانية لأن جيل تلك الحرب لم يعد على قيد الحياة، لهذا فالفوبيا التي عاشها العالم وبالتحديد أوروبا هي ابنة الحرب العالمية الثانية بكل ما أسفرت عنه من إعادة إنتاج مفاهيم وما أعادت رسمه من تضاريس سياسية، وما ميّز الحربين معا ليس عبورهما للحدود، وتوريط شعوب لا ناقة لها ولا جمل، رغم أن أرضها تحولت إلى ساحات حرب. والحربان العالميتان كانتا في نطاق غربي، تمدد من أوروبا إلى الولايات المتحدة التي تعتبر شهادة ميلادها الإمبراطورية قد صدرت بعد الحرب العالمية الثانية، عندما شهرت شعارا اتضح أنه مُضلل وهو تصفية الاستعمار، أو مرحلة ما بعده، رغم أن عبارة واحدة لروزفلت تختصر الأطروحة المضادة لذلك الشعار حين قال بالحرف الواحد إن قدر بلاده أن تؤمرك العالم.
ظفرت مئوية الحرب الأولى بصخب إعلامي بلغ حدّ التخمة، لكن ما نحن بصدده الآن مئوية سايكس بيكو وتوأمها بلفور، يجري الاحتفال بذكراها على نحو مغاير، فالعرب بسبب ما يستغرقهم من حروب الطوائف ومعارك الإخوة الأعداء يجدون حرجا في استذكار سايكس ـ بيكو لأنها كانت لقرن من الزمن موضوع هجاء سياسي، فهي التي حملت أعباء تشطير الوطن العربي، لكنها الآن غير ذلك، فقد تحولت إلى مطلب قومي رغم أن أحدا من العرب لا يجهر بذلك، فالنضال الآن ليس من أجل وحدة عربية، بل من أجل وحدة البلد الواحد، كي لا يخضع ما يقارب النصف مليار عربي لمتتالية التذرر التي حولت اليمن إلى ستة، والسودان إلى اثنين وهو مرشح لإفراز شرق وغرب، إضافة إلى الشمال والجنوب كي تكتمل جهات البوصلة.
ومئوية بلفور رغم أنها تبتعد عنا عامين إلا أنها ولدت قبل ذلك، وتأخر إصدار شهادة ميلادها عامين!

* * *

لم تكن الثقافة العربية بمعزل عن هذه الجاذبيات الثلاث، وخاضت حربها لكن بأسلحة بدائية مقابل طائرات وبأشواق وطنية جريحة وهوية ناقصة، لأن الضحية كما قال مالك بن نبي عانت من اغتراب حتى عن ذاتها، وأعطب الوعي السالب بوصلتها، فكان هناك من يدعو إلى الأوربة، أو الفرانكفونية في بُعدها السياسي وليس اللغوي فقط، أما الإنتلجنسيا العربية فقد كانت رهينة ثقافة تراوح بين التقليد والبكاء على الأطلال، وهو ما سمي بعد ذلك ثنائية الأصالة والمعاصرة، ولأن غياب الرؤى والمنهج حولا الواقع العربي إلى فيل حسب الحكاية الهندية، والذي سقط عليه ستة عميان، فقد وصف كل واحد منهم العضو الذي ارتطم به من جسد الفيل، أما حاصل جمع أعضاء الفيل فقد تطلب مسحا شاملا لم يكن مُتاحا، لهذا انتهت ثنائية الأصالة والمعاصرة إلى مصير المُنبتّ الذي لا أصالة أبقى ولا معاصرة قطع! وكان الانتقال من قرون العثمنة بكل ما أفرزته وبين قرون الأوربة والأمركة والتغريب بكل ما يفرزه الآن قد أصاب العربي بالدوار فوجد نفسه دائخا وتائها ومنشغلا في شجون محلية وذاتية واصابته شهوة السلطة حتى لو كانت على خازوق بالعمى.
مئوية الحرب الأولى تقترن ذكراها بسقوط امبراطورية وتفكيكها، ووراثة أوروبا للغنائم، هكذا وجد العربي نفسه ليس هنا وليس هناك، فأصبحت قامته كعربي أقصر من قامته كإنسان كما يقول انطون المقدسي، بينما كانت قامته حتى في الجاهلية تعادل قامته كإنسان، لأنه لم يكن يشعر بأي نقص يدفعه إلى ترميم المسافة بين كونه عربيا وإنسانا.
مئوية سايكس ـ بيكو، ذكرى أو مناسبة ملتبسة، لهذا فهي تستحق حفلة تنكرية لأن من رفضها وهجاها ونسب اليها تمزّق بلاده يعود الآن كي يتسول ما تبقى منها!
اما المئوية الثالثة، وهي وعد بلفور فالتناسي وليس النسيان بدأ يهيل عليها التراب منذ عقود، وتم التخلي عن حقوق تاريخية أهم بكثير من وعد انجلوساكسوني ليهود العالم. والعبارة التي سادت قبل أن يصبح التفريط بالحق التاريخي في فلسطين، هي أن من لا يملك أعطى من لا يستحق لم تعد كذلك، فهي في مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد العروبة وما بعد العولمة، أصبحت أن من قِبَلِ بذلك الوعد وتأقلم معه هو الذي لا يستحق إذ لم يحدث من قبل ان امتدحت الضحية جلادها وشكرته على ما أبقى، متسامحة تماما مع كل ما استحوذ عليه بالقوة !
وما جرى عربيا منذ بدأ التأقلم مع الأمر الواقع، هو أن الثقافة العربية استقالت من ذلك الموقع الذي طالما مارست دورها فيه كاحتياطي استراتيجي وقوة شاحنة لأنها ليست فن الممكن كما هو الحال في السياسة، انها فن الاجتراح والامتناع وبسالة الإرادة .
ربما لهذه الأسباب أصبحت ذكرى وعد بلفور مجرد يوم آخر في تقاويم داجنة، فالاختلاف الآن ليس مع الوعد بل مع أحد هوامشه أو حتى ضواحيه النائية، والعام الفاصل بين سايكس بيكو وبلفور كان أشبه بسوق مقايضات سياسية، فمن نجح في تحويل وطن بسعة قارة إلى اسلاب وغنائم، لم يجد صعوبة تُذكر في حذف شعب من المعادلة، إنها مئويات ثقافية بقدر ما هي سياسية لكن محاولة تناسيها هي التعبير الدقيق عن خجل الضحية من نفسها.

كاتب أردني

خيري منصور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية