بيروت ـ «القدس العربي»: للحكاية سحرها، وللراوي أسلوبه في استدراج السامع إلى منطقة الترقّب لمعرفة الخاتمة. عالم الحكاية قديم في حياة البشر حيث لكل شعب حكاياته. في عالمنا المعاصر باتت لأدب الأطفال مساحته المميزة، ولكتبهم ركنها المنظور.
سمر محفوظ برّاج كاتبة لبنانية خطّت ما يقارب الـ60 عنواناً في أدب الأطفال، بعضها يحمل صفة الريادة. منها على سبيل المثال لا الحصر «خط أحمر» الذي سجّل طبعته الـ12. وصدرت بعض كتبها مترجمة إلى لغات أجنبية.
الصدفة ساهمت بالخطوة الأولى التي أخذت بيد سمر محفوظ برّاج نحو شغفها بالكتابة للأطفال، ومن حينها وهي تواصل مشوارها بمسؤولية ومثابرة. فهي حريصة على الكتابة بحب عن موضوعات جديدة ومثيرة لاهتمام الأطفال. تبحث دائماً لتقديم الكتاب الجذاب مضموناً وشكلاً، والمساهمة تالياً في خلق جيل يحب القراءة، ولغته الأم.
مع سمر محفوظ برّاج هذا الحوار:
□ مكانتك مميزة في عالم قصة الطفل، فكيف كانت البداية؟
■ أحببت القراءة والكتابة منذ الصّغر. لكنّني لم أفكّر أبداً أننّي سأصبح يوماً كاتبة. دخلت الجامعة وحصلت على شهادة في الإدارة العامة. بعد التخرّج، تعيّنت في وظيفة إداريّة في شركة ومن ثمّ تسلّمت عملًا خاصاً بالعائلة قبل أن أقرّر التوجّه إلى مهنة تعليم اللّغة العربيّة التي لطالما أحببتها.
دخلت مجدّداً إلى الجامعة حيث نلت شهادة تعليمية. بدأت التعليم في قسم الروضات في مدرسة خاصة. مرّة، طُلب من المعلمات كتابة نص للأطفال لإحدى المناسبات. كتبتُ مسرحية لفتت رئيسة القسم ووجدتُ التشجيع منها لمواصلة الكتابة للأطفال.
بعد فترة بدأت التعليم في الصفوف الابتدائية. لاحظت أن الأطفال لا يحبّون اللغة العربية ويفضّلون عليها اللّغة الأجنبيّة. حاولت أن أحبّبهم باللّغة من خلال إحضار قصص تتناسب مع مواضيع الدرس وقراءتها في الصّف. في إحدى المرّات كنت أعدّ درساً عن المهن، وعندما لم أجد قصّة مناسبة تجذب الأطفال، كتبتُ نص «لم أكن أقصِد» الذي أصبح فيما بعد كتابي الأول مع دار أصالة. هكذا بدأ مشواري مع قصص الأطفال.
□ كيف نبني علاقة بين الطفل والكتاب؟
■ إنها مهمة الاهل التي تبدأ مع الطفولة المبكرة، فيعتاد الطفل وجود الكتاب في حياته ويدرك أنّه يتضمن ما هو جميل، فإن لم يكن الطفل يفهم الكلام، فهو سيسمعه كموسيقى عندما يُحسن القارئ تقديمه. كذلك يفرح الطفل بالوقت المخصص له من قبل الأهل، وعادة ما يكون في سريره وقبل النوم. هكذا يتعلّق الطفل بهذا الوقت وينتظره، وينمو لديه حب القراءة بالتدريج، وعندما يُحسن القراءة منفرداً سيفعل.
□ هل تتحول الكتابة للأطفال إلى مهنة؟
■ قبل قصتي الأولى كنت اكتب لتلامذتي مسرحيّات وأغاني وأشعارا وذلك بدءاً من سنة 2002. وبين سنة 2007 و2012 كنت ما أزال أحاول التوفيق بين الكتابة ومهنة التعليم. سنة 2012 اخترت التفرّغ للكتابة، مع أنّها قد لا تعتبر للبعض مهنة أساسيّة. برأيي من يودّ كتابة القصص للأطفال عليه أن يفعل ذلك بداعي الشّغف وحب الكتابة فيعتبرها هواية وليس مهنة لأنّها قد لا تؤمن له دخلاً ثابتاً. قد يحقق الكاتب دخلاً مقبولاً من كتاب ناجح، أو من خلال الجوائز.
الجوائز من نصيبك منذ بداياتك وآخرها جائزة «اتصالات» عن كتاب «ألف، باء… ياء» من الشارقة. ماذا تعني لك الجوائز؟
■ ثلاثة من كتبي حصلتْ على جائزة كتابي من تنظيم مؤسّسة الفكر العربي، وحصلتُ مؤخراً على جائزة اتصالات لفئة الطّفولة المبكرة عن كتاب «ألف، باء… ياء» مع دار السّاقي ورسوم سنان حلّاق. هي جائزة عربية رفيعة المستوى، تُعلَن نتائجها بالتزامن مع معرض الشارقة للكتاب. بلا شكّ انّ الجوائز تدعم كلّ العاملين في مجال صناعة الكتاب وتساهم في رفع مستوى إنتاج الكتاب. من المؤكّد أن الحصول على جائزة أمر مفرح جداً، لكن الجائزة لا يجب أن تكون هي الهدف. فالهدف الأول هو حب الكتابة، وتقديم نصّ مميّز يصل إلى الأطفال ويساهم في جذبهم إلى القراءة والاستمتاع بها. وتالياً تأتي الجائزة كتقدير للعمل، وتشكل حافزاً مهماً للمتابعة.
□ وهل تسوّق للكتاب؟
■ أكيد. تضيء على الكتاب وتزيد من فرص نجاحه. ستة من كتبي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة اتصالات دون تحقيق الفوز، لكن ذلك ساهم في تعريف القرّاء بها. «ألف، باء… ياء» هو السابع الذي وصل إلى القائمة القصيرة واجتازها إلى الجائزة. كقارئة اشعر برغبة في الاطّلاع على كافة الكتب التي تصل إلى القائمة القصيرة.
□ إلى أي من كتبك التي نالت جوائز تنحازين؟
■ من الصعب التمييز. لكل من كتبي قيمته الخاصة والمحددة حتّى لو لم يحصل على جائزة. «لم أكن أقصد» لم ينل جائزة لكنّ الأطفال يحبّونه وأعيدت طباعته عدّة مرّات. لديه مكانة خاصة كونه أوّل كتاب نشر لي. ومن الكتب الفائزة «جدتي ستتذكرني» وهو يتكلّم عن علاقة بين جدّة مصابة بالزهايمر وحفيدتها التي تقرّر أن تمضي أوقاتاً أكثر مع جدّتها كي لا تنساها. هذا الكتاب مميز لدي وقد استوحيت ما جاء فيه من فترة الطفولة التي أمضيتها عند جدّتي بسبب وجود والديَ خارج لبنان. جدتي لم تصب بالزهايمر، لكن معظم ما ذكرته في القصّة كنّا نفعله معاً. أمّا كتاب «عندما مرضت صديقتي» فأهميّته تكمن في كونه الكتاب الأول عن مرض سرطان الأطفال، وقد نال أوّل جائزة أفوز بها.
□ كم مدّتك أمومتك بأفكار لتكون قصصاً؟
■ أكثرية كتبي استوحيتها من تجارب طفولتي وحياتي مع اخوتي، وعلاقتي بأصدقائي، وبالتأكيد استوحيت من أمومتي، وأسئلة اطفالي. نحوّل احداث طفولتنا لقصص، مع لمسة خيال، ورسائل غير مباشرة للطفل. فالطفل يبحث عن القصة الممتعة والمسلية، وله أن يستنتج.
□ما هو الأثر الذي تركه الحجر الصحي وانصراف الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي عبر هواتف الأهل والآي باد؟
■ حين ينصرف الكبار إلى وسائل التواصل بكليتهم ليس لنا توجيه اللوم للأطفال. لا شك بالأثر السلبي لوسائل التواصل حين تحدث بعيداً عن توجيه الأهل. الانصراف الكلّي نحو الألعاب ليس مفيداً للأطفال. ولا نلغي دور المدرسة في توجيههم نحو المهم الذي يمكن إن تقدمه لهم وسائل التواصل.
□ ضبط علاقة الطفل بوسائل التواصل أمر متاح؟
■ بالتأكيد. فليس صحياً أن نشتري هاتف أو آي باد لطفل صغير. قد نزوّده بهاتف للاطمئنان عنه عندما يكون خارج البيت، مع حجب إمكانية دخول شبكة الإنترنت بعيداً عن الرقابة. نمنع الأطفال من تلك الوسائل، وفي المقابل نعوّض عليهم بالمطالعة وبالنشاطات الرياضية والثقافية. حتى مشاهدة التلفزيون في عمر صغير تحتاج لوقت مضبوط وليس مفتوحاً دون حدود.
□ هل ستكتبين عن علاقة الطفل بوسائل التواصل؟
■ كُثر كتبوا عن الموضوع، وقد افعل حين أجد المقاربة المناسبة والجديدة. عندما أكون بصدد عنوان معين، أفضل عدم قراءة ما كتب للأطفال عن الموضوع وأركز على إجراء بحث حوله. أقرأ ما نشر بعد الانتهاء من الكتابة، وإن وجدت وجه شبه بين المنشور وما كتبته أجري التعديلات اللّازمة منعاً لتكرار الفكرة.
□ وماذا عن الوسائل الحسية في الكتُب بخاصة لما دون الـ3 سنوات؟
■ هذا النوع من الكتب مناسب للأعمار الصغيرة، وتصدره بعض دور النشر في لبنان والبلدان العربيّة. لكنّ إنتاج هذه الكتب مكلف وبالتالي قد ينعكس ذلك على سعر الكتاب.
□ ما هي صلتك بكتاب «خط أحمر» الذي حقق شهرة كبيرة؟
■ لاقى كتاب «خط احمر» رواجا كبيراً والسبب أن للموضوع أهمية كبرى وهناك حاجة إلى كتب مناسبة للطّفل حوله. عندما كنت بصدده قرأت الكثير عن توعية الأطفال من التحرّش وهو موضوع حسّاس ومدخله يحتاج للتبصّر. انطلقت من فكرة الخطّ الأحمر بالتّدريج من العام، الوطن والبيت والعائلة، وصولا إلى الخاص وهو جسم الطّفل. وذلك من خلال حوار بين الطفل ووالدته. حاولت من خلال النّص الابتعاد عن مجرّد توجيه التّعليمات والإرشادات. أدخلت الطّرافة في عدد من الأجزاء لكسر جديّة الموضوع وركّزت على عدم إخافة الطّفل وإظهاره كضحيّة ضعيفة. أردت أن أمنحه الشّجاعة والقوّة كي يتعامل مع أي موقف قد يواجهه بجرأة، والأهم أن يرفض أي تصرف قد يزعجه ويخبر عنه بدون خوف أو خجل.
□ خلال لقاءات القراءة للأطفال هل واجهتك اسئلة محيرة؟
■ استمتع جداً بلقاء الأطفال، وهي من أجمل المحطات في عملي. تردّدت كثيراً عندما قررت ترك التعليم والتفرّغ للكتابة اللّقاءات مع الأطفال وقراءة القصص لهم شكّلت تعويضاً جميلاً. قد يكون السؤال الذي اتوقف عنده قليلاً عندما يسأل طفل: هل حدث الأمر معك أيضاً؟ والجواب يكون بأن بعض الأحداث في قصصي حقيقيّة والبعض الآخر من نسج الخيال. أحياناً يسألني البعض عن عمري فأجيبهم بأني ككاتبة أكون بعمر الطفل الذي أكتب له كي أتمكّن من التّعبير عن أفكاره.
□ وماذا عن شخصية «وسيم» المميز بسلوكيات إيجابية؟
ـ إنها سلسلة تتوجه للأطفال في مرحلة الطّفولة المبكرة استوحيتها من ابن شقيقتي. وسيم شخصية قدّمت من خلالها موضوعات يعيشها الأطفال في هذا العمر، ويمكنها مساعدة الأهل. كتاب «وسيم يأكل وحده» مثلًا، يعلّم الطّفل على تناول الطعام بنفسه وعلى تكرار المحاولة حتّى ولو لم ينجح في ذلك في البداية. عندما أقرأ هذا الكتاب للأطفال نمثّل أحداثه معاً ممّا يضفي أجواء المرح والتسلية. هذه السلسلة وجدت اقبالاً لافتاً وخصوصاً كتاب «وسيم ينام وحده» الذي أصبح في طبعته الرابعة حالياً، وكذلك «وسيم يستحم».
هل تشكّل سلسلة «وسيم..» مساعداً تربوياً للأهل؟
■ لا شك بأنها تشكّل سنداً لهم، ووسيم أصبح مثلاً. فالطفل يُقلّد الشخصية التي يحبها.
□ ماذا تقولين كتربوية عن مرحلتنا وعجز كثيرين عن شراء الكتب لأطفالهم أو حتى العجز عن إرسالهم إلى المدرسة؟
■ بغض النظر عن كتب المطالعة، كل الأمل أن لا يبقى طفل خارج صف الدراسة. وفي ظل هذا الانكماش الاقتصادي على مكتبات المدارس أن تستنهض ذاتها كتعويض عن عدم قدرة الأهل على شراء كتب المطالعة. لمسؤولة المكتبة ومعلمة اللّغة العربيّة دور في تشجيع الأطفال على استعارة الكتب وقراءتها. أشير هنا إلى أهمية دور أمينة المكتبة في تقريب الكتاب من الطّفل من خلال إعداد الأنشطة المميزة إنطلاقا من الكتاب، والتي تتضمّن إلى جانب قراءة القصص، الأنشطة المنوّعة كالكتابة الابداعيّة، والأعمال الفنيّة، والمسرحية والتّمثيل وغيرها. استمتعتُ كثيراً بلقائي الأخير مع الأطفال في مكتبة السبيل، ولفتني الإقبال الكبير على المكتبة، وحركة استعارة الكتب ولمختلف الأعمار في الآونة الأخيرة.