كأس الأمم الافريقية من يتحمل صدمة الجزائر؟ وما سر تفاؤل الفراعنة المفاجئ؟

عادل منصور
حجم الخط
4

لندن ـ «القدس العربي»: أُسدل الستار على الدور الأول لبطولة كأس أمم أفريقيا في الكاميرون، بنتائج ومفاجآت تندرج تحت مسمى «مدوية»، بدأت بملحمة أحدث ضيوف العرب في المعترك الأفريقي منتخب جزر القمر، التي راح ضحيتها منتخب غانا، كأول الكبار المغادرين من مرحلة المجموعات، وانتهت مساء الخميس الماضي، بصدمة خروج حامل اللقب والاسم الأكثر رعبا في كل أرجاء الماما أفريكا، منتخب الجزائر، بعد سقوطه المؤلم أمام أفيال كوت ديفوار بثلاثية مقابل هدف كانت قابلة للزيادة بنتيجة غير مسبوقة، لولا ألطاف الله.

أسباب الصدمة

يتفق أكثر الشامتين في خروج محاربي الصحراء المبكر قبل المناصرين، أنهم حلقوا إلى دوالا الكاميرونية، بصفتهم الكتيبة الأوفر حظا للذهاب بعيدا في البطولة، متسلحين بالسمعة والصورة التي رسمها جمال بلماضي لنفسه ومشروعه على مدار العامين ونصف العام الماضيين، ليس فقط كمنتخب عربي بثوب عمالقة أوروبا، بل كمجموعة غير قابلة للهزيمة، بوصول سجل اللا هزيمة الرقم 34، بعد بعثرة غانا في آخر احتكاك ودي قبل بدء حملة الدفاع عن اللقب. لكن في أول اختبار أمام سييراليون في البطولة الأفريقية، ظهر الخضر بنسخة مغايرة تماما، مقارنة بالصورة المطبوعة في الأذهان، لذاك المنتخب الذي قهر العمالقة في أرض الفراعنة قبل عامين ونصف العام، ولا أحد قادر على هزيمته. ومع ذلك، تجاوز الإعلام والرأي العام الجزائري هذه الكبوة، على اعتبار أنها ستكون مباراة للنسيان، على أن تعود الأمور لنصابها الصحيح في مواجهة تصحيح المسار أمام غينيا الاستوائية، وإذ بالأمور تزداد سوءا مع رفقاء رياض محرز، بالوقوع في نفس أخطاء المباراة الافتتاحية، أبرزها التسرع الزائد على الحد في اللمسة الأخيرة داخل مربع العمليات، ورغم النتيجة التعيسة، بالهزيمة بهدف نظيف، إلا أن الجمهور الجزائري ظل متشبثا بالأمل حتى النهاية، لتأتي لحظة الحقيقة في الدقائق الـ90 الأخيرة أمام أفيال كوت ديفوار، والتي يمكن القول إنها لخصت كل معاناة ومشاكل حامل اللقب، لعل أبرزها عدم الاستعداد المناسب لهكذا محفل. نعم عزيزي القارئ، والحديث عن مكان معسكر الاستعداد للكان، باختيار العاصمة القطرية الدوحة، التي تعيش أجواء شتوية مثل الجزائر وباقي دول الشرق الأوسط والجزء الشمالي للكرة الأرضية، على عكس الطقس شديد الحرارة في الكاميرون في الوقت الراهن، ناهيك عن الفوارق الشاسعة في ملاعب التدريب هناك في البلد الذي يستعد لاحتضان كأس العالم أواخر هذا العام، وبين بلد عجز على نقل مباراة الجزائر وكوت ديفوار إلى ملعب آخر، بحجة عدم وجود متسع للوقت، رغم سوء حالة الملعب الكارثي «غابوما».

طاقة سلبية

واحدة من أكثر المشاكل التي عانى منها المنتخب الجزائري في كأس أمم أفريقيا، تكمن في غياب الروح القتالية والرغبة لدى اللاعبين، وتجلى ذلك في الطاقة السلبية التي سيطرت على المعسكر بأكمله، وكانت سببا في ظاهرة الهبوط الجماعي في مستوى اللاعبين، على رأسهم القائد والملهم رياض محرز، الذي على ما يبدو لم يسعفه الوقت للتأقلم على الأجواء الجافة، بعد أيام من وصوله من بريطانيا المتجمدة، أو ربما وصوله المتأخر لم يساعده على التأقلم والتكيف مع الأجواء. وبالمثل لم يكن يوسف بلايلي في أفضل حالاته، أو على أقل تقدير بنفس الصورة اللافتة التي كان عليها في كأس العرب، وكذلك بغداد بونجاح، كان بعيدا عن نسخة السفاح المعروفة عنه، وغيرها من الأسماء التي جانبها التوفيق بشكل نادر في المباريات الثلاث، فكانت النتيجة الأداء الباهت الذي بدا عليه محاربو الصحراء. صحيح نتفق مع المعلق حفيظ دراجي، أن اللاعبين أدوا بشكل جيد وقاتلوا للحفاظ على هيبة وكبرياء أبطال أفريقيا والعرب، لكن المحتوى برمته كان سلبيا، ولا يقارن بما قدمه نفس الجيل في القاهرة في صيف 2019، ويؤخذ على المدرب بلماضي، أنه سار على نهج ابن الأجداد زين الدين زيدان، بالمبالغة في الاعتماد على رجاله المخلصين، بالإصرار على جُل الأسماء التي كتبت معه المجد في أم الدنيا، مثل زيزو، الذي ظل متمسكا بالحرس القديم حتى يومه الأخير في ولايته الثانية، كنوع من أنواع رد الدين والثقة الزائدة في نجومه، الذين صنعوا معه التاريخ في الفترة بين عامي 2016 و2018، ولأن مؤشر أعمار اللاعبين في 2022 تقدم عما كان في يونيو 2019، بوصول معدل الأعمار لأكثر من 30 عاما، كأكبر المنتخبات المشاركة في البطولة من حيث معدل أعمار اللاعبين، كان طبيعيا ملاحظة التراجع الملموس في نسق اللاعبين ككل. ويكفي أن الجملة الوحيدة التي لُعبت بالنسق والخفة المعروفة عن هؤلاء اللاعبين، تُرجمت إلى هدفهم الوحيد في البطولة، بإمضاء سفيان بن دبكة، وهو واحد من القلائل الذين فضلهم بلماضي على نجوم البطولة السابقة، أما غير ذلك، فكما شاهد الجميع، كانت الخطوط متباعدة، وهناك ناقوس خطر على مستوى قلب الدفاع، وبالأخص طريقة التعامل مع العرضيات في غياب بلعامري، وقبل أي شيء، الطابع السلبي للفريق، بالتركيز على إرسال الكرات الطولية على الأطراف، من دون البحث عن حلول من العمق أو استغلال الكرات الثابتة وحل التسديد من خارج منطقة الجزاء، هذا بخلاف ضريبة النجاح والسمعة العالمية التي اكتسبها بلماضي وفريقه في السنوات القليلة الماضية، وهذا يفسر شراسة وحدة خصوم الخضر، من منطلق رغبة الجميع في عرقلة البطل الذي لا يقهر، لكن هذا لا يعني أن الطموحات والآمال قد انتهت مع هذا الجيل، بل ما زالت لديهم الفرصة للتعويض وتصحيح المسار في مغامرة البحث عن تأشيرة اللعب في مونديال قطر بعد شهرين من الآن.

صحوة الفراعنة

على عكس الجزائر، بدأت تلوح في الأفق صحوة سلطان القارة المنتخب المصري، بنجاحه في جمع ست نقاط في آخر مباراتين أمام غينيا بيساو والشقيق السوداني، بعد البداية المحبطة والمخيبة لآمال الملايين، بالتجرع من مرارة الهزيمة والأداء الكارثي أمام المنتخب النيجيري، وبالنظر إلى أسباب الثقة التي تفوح من تعليقات وردود الأفعال في الصحافة والسوشيال ميديا في مصر، سنجد أنها ترتكز على الشخصية والكاريزما، التي يتمتع بها اللاعب المصري، ويستمدها من تاريخ وعراقة بلاده مع تقاليد وثقافة هذه البطولة دون غيرها، والحديث عن البلد الأكثر مشاركة في كل النسخ، والأكثر وصولا للمربع الذهبي (فعلها 15 مرة من مشاركته في 24 نسخة) وغيرها من الأرقام التي تنحني أمام المصريين في ما تعرف بـ«بطولتهم المفضلة»، لهذا تنفست الأغلبية هناك في القاهرة وباقي المحافظات الصعداء، بتجنب الاصطدام بالجزائر في بداية الإقصائيات، وهذا لصعوبة التنبؤ بهكذا مواعيد، حتى لو كان منتخب الخضر في حالة أسوأ مما كان عليها في البطولة، بينما في المعارك المفتوحة مع جبابرة غرب أفريقيا، تبقى دائما وأبدا النوع المفضل للمصريين، لقدرتهم على التعامل ذهنيا ونفسيا مع هؤلاء الخصوم على وجه الخصوص، فهم أولا يحترمون الفوارق الهائلة على مستوى الطول وسباقات السرعة، وثانيا يتعاملون بذكاء وبخل مع أنصاف الفرص قبل الفرص الحقيقية، من دون أن ينسوا شخصيتهم وهويتهم داخل المستطيل الأخضر، وهذا ما يهدم فوارق الجودة والمستوى بين الفراعنة ومنتخبات غرب أفريقيا المخيفة، وعلى رأسها كوت ديفوار والكاميرون والسنغال ونيجيريا، والدليل على ذلك، أنهم في أسوأ حالاتهم على الإطلاق وفي أول مباراة بعد تجمع طويل، لم يخرجوا بنتيجة ثقيلة أمام النسور، أبقوا على نتيجة 1-0، وحاولوا سرقة نقطة بالشخصية والباع حتى الثواني الأخيرة، لكن بطبيعة الحال، هذا لا يعني أن مواجهة الأربعاء ضد الأفيال ستكون محسومة، بل العكس، كالعادة الترشيحات والتوقعات تصب في مصلحة رفقاء فرانك كيسي، ليس للوفرة الهائلة على مستوى جودة اللاعبين المحترفين، مقارنة بالمنتخب المصري، الذي يضم عناصر تعد على أصابع اليد الواحدة محترفة في الدوريات الأوروبية، بل أيضا للطريقة التي كشر بها عن أنيابه في ملحمة محاربي الصحراء، كأنها رسالة تحذير شديدة اللهجة لكل الطامعين في معانقة الأميرة السمراء، تماما كما بعث نيجيريا رسالة التحذير الأولى في صدام مصر في افتتاح مباريات المجموعة الرابعة.

حظوظ العرب

كما أشرنا أعلاه، يعول الجمهور المصري على الشخصية وعقلية الريادة المتوارثة في كل الأجيال، بداية بالجيل المؤسس مع السودان وأثيوبيا وحتى هذا الجيل، الذي خالف كل التوقعات قبل 5 سنوات، بإعادة بلاده إلى البطولة، بعد غياب دام 3 نسخ، عقب الوصول إلى ذروة النجاح في حقبة المعلم حسن شحاتة في الفترة بين عامي 2006 و2010، وفي أول مشاركة بعد 7 سنوات، ضربوا موعدا مع الأسود الكاميرونية في المباراة النهائية، رغم أنهم على الورق، كانوا خارج قائمة المرشحين المنطقيين للذهاب بعيدا في الكأس، لكن مع الوقت، تأقلموا مع الأجواء، وحققوا أكثر من سقف توقعات المدرب السابق هيكتور كوبر، بالتواجد في المربع الذهبي. والمفارقة، أن التاريخ يكاد يُعيد نفسه الآن، بتسابق الجميع في توجيه النقد اللاذع للمدرب كارلوس كيروش، بسبب اختياراته المثيرة للجدل، وأيضا الأسلوب العقيم، الذي تحسن شيئا فشيئا أمام غينيا والسودان، مقارنة بأول 45 دقيقة أمام نيجيريا. بينما الأفيال، فكعادتها تدهس بلا هوادة، كمنتخب في جيناته تقاليد وثقافة الكان، ودائما من الصفوة الذين يتسلحون بمحترفين في أقوى الدوريات الأوروبية، وهذه المرة يضم كتيبة مدججة بالأسلحة الفتاكة، التي أوشكت على الوصول لقمة الانسجام والتفاهم، والحديث عن جواهر بحجم هداف نسخة دوري أبطال أوروبا الحالية سباستيان هيلر، مهاجم أياكس أمستردام الهولندي، ورئة ميلان فرانك كيسي، الذي يغازله ريال مدريد وباريس سان جيرمان وباقي العمالقة، طمعا في الحصول على توقيعه مجانا الصيف المقبل، وكوكبة من السحرة وأصحاب الخبرات كويلفريد زاها وسيرج أورييه ونيكولاس بيبي والبقية، كأننا نتحدث عن فارق الجودة والمستوى بين مصر في 2008 بمنتخبها المحلي وبين كوت ديفوار بجيلها الذهبي الذي كان يقوده ديدييه دروغبا والأخوان توريه، يايا والحبيب، والبقية، وآنذاك كانت أغلب التوقعات تميل للأفيال وبنتيجة عريضة، لكن على أرض الواقع، ذابت الفوارق بفضل الأسلحة النفسية المصرية والعقلية التي يحكمون بها قبضتهم على القارة، سواء على مستوى المنتخب الأول أو فرق الأندية، متمثلة في كبير القارة الأهلي ووصيفه الزمالك، وفي الأخير فاز محمد أبو تريكة وأصدقاؤه برباعية نكراء مقابل هدف، بعد فوزين متتاليين في نسخة مصر 2006، الأول بنتيجة 3-1 في الدور الأول، والثاني في نهائي ركلات الترجيح، لذا في الغالب سنكون على موعد مع مواجهة خارج التوقعات مساء الأربعاء، لتحديد هوية من سيواجه الفائز من قمة الثلاثاء التي ستجمع المغرب بمالاوي، التي اقتنصت البطاقة الثالثة في المجموعة الثانية الحديدية، التي تصدرتها السنغال بخمس نقاط، بفارق نقطة عن غينيا ومالاوي أصحاب المركزين الثاني والثالث.
ولا شك أبدا، أن منتخب المغرب (أسود أطلس)، سيخوض مباراة الثلاثاء، بصفته المرشح المفضل سواء على الورق أو بلغة المنطق، لفارق الخبرة والجودة بين عناصر كلا المنتخبين، بجانب التفوق الكبير في المواجهات المباشرة بينهما، بنجاح المنتخب المغربي في تحقيق 6 انتصارات مقابل 3 تعادلات وهزيمة واحدة من أصل 10 مباريات مع مالاوي، آخرها الفوز بالثلاثة في الدار البيضاء والتعادل بدون أهداف خارج القواعد في تصفيات كان 2019، ما يعني أنه جرت الأمور كما هو مخطط لها، سنكون على موعد مع دربي شمال أفريقي، بين مصر والمغرب، بذكريات آخر صدام بينهما في ربع نهائي نسخة 2017، الذي انتهى بفوز منتخب الفراعنة بهدف طيب الذكر محمود كهربا، في ما كان أول فوز تحققه مصر على المغرب منذ هدف طاهر أبو زيد في كان 1986، لكن في كل الأحوال، سيضمن هذا الصدام تواجد العرب في نصف النهائي ولما أبعد من ذلك.
أما اليوم الأحد، سيبدأ المنتخب التونسي رحلة استكشاف أولى البطاقات العربية في دور الثمانية، عندما يصطدم بقاهر المصريين المنتخب النيجيري على ملعب «رومدي أديغا»، أملا في تصحيح الصورة الضبابية التي تركها في الدور الأول، بالسقوط أمام مالي بهدف نظيف في المباراة الافتتاحية، التي أثارت جدلا على نطاق واسع، بسبب أخطاء الحكم سيكازوي الفادحة، ثم بالفوز العريض على الجار الموريتاني بالأربعة، وبعد ذلك عودة إلى الوراء بهزيمة محبطة أمام غامبيا في ختام مباريات المجموعة، في ظروف صعبة، بمشاكل مع غيابات بالجملة بسبب تفشي كورونا في غرفة خلع الملابس، وما زاد الطين بلة، طرد فاروق بن مصطفى في الدقيقة 45 أمام غامبيا، ناهيك عن سوء طالع سيف الدين الجزيري، الذي أهدر فرصة قتل المباراة إكلينيكيا في الشوط الأول بإضاعة ركلة جزاء في الدقيقة 44، كما حدث مع وهبي الخزري في ليلة السقوط أمام مالي، الفارق هذه المرة، أن العقاب جاء في الدقيقة الأخيرة بكابوس إيلي غالو، فهل يستغل نسور قرطاج الفرصة وينجحون في إقصاء نيجيريا، ردا على مباراة تحديد المركز الثالث في النسخة الماضية؟ هذا ما سنعرفه مساء اليوم، وغدا سنعيش على أمل أن تفجر جزر القمر كبرى مفاجآت البطولة بإقصاء البلد المنظم والمرشح القوي للفوز بالكأس، بعد انتصارهم التاريخي على النجوم السوداء بثلاثية مقابل اثنين في ختام مباريات المجموعة الثالثة، التي تسببت في إقصاء وطن الأسطورة عبيدي بيليه ونجله أندري أيو، الذي نال البطاقة الحمراء في أول 25 دقيقة. مشاهدة ممتعة للجميع وكل الأمنيات الطيبة للرباعي العربي المنافس في دور الـ16 وحظ أوفر للجزائر والسودان وموريتانيا في المواعيد المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية