جواد سليم اثناء عمله في نصب الحرية
في 23 كانون الثاني/يناير من كل عام، وهو اليوم الذي بارح فيه الفنان جواد سليم ساحة الوجود، نستعيد هذه الذكرى،الاستعادة أصبحت تقليداً توارثناه من عادات وطقوس قديمة، أبلغ ما فيها أنها تعيد للحي هيبته الزمنية، لكنها حين تصطدم بشاهدة المرمر البارد، ولا تعود برجعٍ مؤثر، تكون قد فقدت نضارتها الإنسانية، وأصبحت غاية في ذاتها، ونحن كلما تذكّرنا جواد سليم، والسياب، ومحمود عبد الوهاب، ومبدعينا جميعاً، أشفقنا على الأحياء، في أن تظل هذه العادة جارية بشكل لا يردّ للمبدعين منهم اعتبارهم الفقيد، أو يمنحهم التقدير والإكرام إلا بعد مماتهم.
ورغم اعترافنا بوجود هذه الظاهرة الأخلاقية، فمما لا شك فيه، ان تأنيب الضمير، لن يكون وحده الذي يشفي وجداننا من برحاء الشعور بالذنب تجاه المبدعين.
تحدث عن جغرافيته الفنية مئات النقاد والدارسين والباحثين، فشرنقوا تجاربه، وأوثقوها بحبال الكلمات، غير اننا نودّ أن يظل أبداً كنجمة الفجر، نراها ونفتقدها في آن واحد، لقد رحل الإنسان من بيننا، وبقي عمله الواهب المبدع، كل ما صبّه من جبس، وجسّده من خشب، وما نحته من حجر، وما خطّط، وما رسم، وما لوّن، أو صمّم. كل ما جنحّه من أخيلة، وما أحياه من أفكار ورموز تمثل حقيقتنا الزمنية التي نحيا داخل أسوارها العجيبة مأسورين، غير ان الأسوار لا تفتأ حتى تمحى في فن جواد.
وكنا في مناسبة سابقة قد تناولنا أحد تصاميم جواد لترويسة جريدة «الأهالي» العراقية، ضمن متابعتنا لأعماله التي لم تنل عناية الباحثين، إذ أنجز سليم أعمالاً كثيرة لم يتعرف عليها الوسط الفني، أو الجمهور، ومنها تمثالان، كان الأول لمحطة قطار بعقوبة، والآخر كان حصاناً لمضمار سباق الخيل في حي المنصور في بغداد، لم يحققا الانتشار لقصور في وعي القائمين على تلك الجهات، غير ان الأهم والأكثر انتشاراً وحضوراً، كان شعار مصلحة نقل الركاب في بغداد، الذي أنجزه جواد في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وفي الفترة نفسها تقريباً، أنجز سليم منحوته برونزية للمصرف الزراعي في شارع الرشيد، عنوانها (الإنسان والأرض) نفذها بإسلوب النحت البارز، وتميزت بغناها الرؤيوي، وتكاملها السردي. وجدارية أخرى عن الثروة النفطية لصالح شركة نفط العراق، يتضح فيها الأثر الآشوري أكثر من سواها، بتكرار الثيران أسفل العمل، والمؤسف والمحزن في آن واحد، أن مشروع متحف لأعمال جواد، ظل مجرد أفكار على الورق، وأماني لم تتحقق طيلة العقود الماضيةَ، وحتى الجهات التي نفّذ لها الأعمال لم تحترم هذا التراث، بل عبثت به وشوّهته، كما حصل مع شعار مصلحة نقل الركاب.

شعار مصلحة نقل الركاب
يذكر قحطان المدفعي في مذكراته، أنه أثناء عودته من كلية الطب ذات يوم، للتبرع بالدم، عندما كان طالباً في الإعدادية المركزية، استوقفه مشهد شخص اعتلى سقالة، كان منظره مدهشاً وهو ينحت شعاراً لمصلحة نقل الركاب في الواجهة الأمامية للبناية، في وسط الجدار الذي صمّمه المعماري جعفر علاوي، حسب رواية الدكتور خالد السلطاني، يقول المدفعي: أدهشتني عملية تزيين العمارة بالزخارف والأشكال، وحين سألت عن هذا الشخص، قيل لي إنه الفنان جواد سليم، ومن ذلك التاريخ أحببت العمارة،وقادني المشهد إلى التخصص فيها.
المتأمل في الشعار، يستطيع أن يميز عدة عناصر مكوّنة في إنشاء الشكل، منها المثلث، والجناحان، وميكانيكية الشعار، فضلاً عن الألوان، ولكل من هذه العناصر الرمزية دلالات، بعضها ينتمي للمخيلة، والألغاز، كما أسبغ عليها جواد شيئاً من ذاته، ومن رؤاه، وتأثره بالفن الآشوري، فاستطاع بلغته الخاصة أن يجعل من هذه المفردات البسيطة في الشعار، سبيلاً للوصول إلى ذائقة الجمهور، الذي تقبل الشكل ووجد فيه متعة بصرية، ما تزال عالقة في الذاكرة.
ولعل أهم العناصر رمزية في التصميم يتمثل في المثلث، ولا بد للمتلقي أن يسأل عن معنى هذه المفردة على المستوى الروحي والرؤيوي، أو الجمالي، إذ غالباً ما يلجأ المصممون، ولاسيما في العمارة إلى استخدام المثلث، لما يحمله من رموز ودلالات مختلفة عبر التاريخ.
لجأ جواد سليم إلى لونين أساسيين، هم الأحمر والأصفر، وهما أكثر الألوان حرارة، يأتي الأحمر في المقدمة، وسليم يدرك تماماً أن العين ستتجه إلى هذه الألوان أولاً، وهو لون الباص ثانياً، بمعنى انه يستحث الرغبة لانحياز المتلقي لمشاهد حرارة الحياة، في هذا التجانس اللوني بين الأحمر والأصفر المؤطر بالأسود، أما الانطلاقة والحركة فتتمثل في الجناحين، نحو اتجاهي اليسار واليمين، أما المصابيح، وشكل جهاز تبريد محرك الباص، فهي أشكال مكملة للتصميم، وهي في حدود التعبير الفني مشحونة بالمحسّنات البديعية، مضافاً إليها وتيرة الصناعة الميكانيكية.
ولعل أهم العناصر رمزية في التصميم يتمثل في المثلث، ولا بد للمتلقي أن يسأل عن معنى هذه المفردة على المستوى الروحي والرؤيوي، أو الجمالي، إذ غالباً ما يلجأ المصممون، ولاسيما في العمارة إلى استخدام المثلث، لما يحمله من رموز ودلالات مختلفة عبر التاريخ، تعود إلى بدايات الحضارة الإنسانية، وغالباً ما يمثل المثلث القوة التي يمكن تحقيقها في التوازن، وقاعدته تعد أساساً يسمح بالانطلاق نحو فضاءات واسعة، لكن كيف نفسّر استخدام جواد للمثلث المقلوب في التصميم؟ في هذه الحال علينا ان نذهب إلى ما يعنيه هذا الرمز من دلالة، لا تتوقف عند حدود السحر، والتأمل، والمؤنث، والرحِم، وظواهر الطبيعة، والعقل والجسد، والروح، الماضي والحاضر والمستقبل، وغيرها الكثير، إلا أننا وجدنا أن أقرب الدلالات في علاقة المثلث بوظيفة الشعار، تلك التي تتمثل في إحدى أساطير الإغريق، التي وجدت في المثلث٭٭ عناصر الحياة الرئيسة (الهواء، الماء، النار، الأرض) فالهواء، يمثله مثلث قائم مع خط أفقي من الأعلى، النار، مثلث قائم، الماء مثلث مقلوب، ويمثل الأرض مثلث مقلوب بخط أفقي من الأسفل. إنه ليس افتراضاً من لون ما، بل هو الحقيقة التي أكدت وجودها الحي في تواصلها الزمني مع الحاضر.
إن التأليف التشكيلي للشعار استعار هذه العناصر (ضوء المصابيح، ميكانيكية التبريد، والأرض، الفضاء الأوسع الذي يتحرك عليه الباص) المادة هنا تتحول إلى أثر فني جميل، بما يحمل من تراكم للخبرة، بهوية محلية، وتحقيق شخصيته المنسجمة وروح العصر، وهذا يحمل في حد ذاته قدرة جواد سليم على إحلال التواتر والتماثل في أعماله الفنية، وسر اكتشافه للرموز والأسرار الغامضة التي ينسج عليها تصميماته المبتكرة. والحقيقة في فن جواد هي أن الموت لم يستطع اغتياله، بل منحه القدرة على النمو والانتشار.
٭٭ حرف الدال الإغريقي على شكل مثلث متساوي الأضلاع، قمته إلى الأعلى، وفي الجغرافية نطلق اسم الدلتا على مصبات الأنهار عندما تكون قريبة الشكل من المثلث كما في دلتا نهر النيل
كاتب عراقي