توفي يوم الثلاثاء 26 كانون الثاني/ يناير 2022 المخرج المسرحي الفلسطيني عصام سميح (1956)، في العاصمة الأردنية عمان، التي حط الرحال فيها بعد عام 2003، بعد أن غادر مدينة الموصل، التي ولد وعاش فيها ما يزيد على النصف قرن، تاركا خلفه إرثا مسرحيا كبيرا زاخرا بالإنجازات، إضافة إلى عشرات الأجيال التي تتلمذت على يديه، أيام كان مدرسا للإخراج المسرحي في قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة في مدينة الموصل، واليوم يقف العديد من طلبته في طليعة الممثلين والمخرجين، الذين يرفدون الحركة المسرحية، سواء في العراق أو خارجه.
عصام سميح كان نموذجا للفنان الذي أخلص لفنه حتى آخر لحظة من حياته، رغم الصعوبات التي واجهها في سنواته الأخيرة كونه فلسطينيا على وجه خاص.
بدايته كانت في منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما بدأ ممثلا في عدد من العروض المسرحية مع فرقة مسرح الرواد في الموصل، أيام كانت هذه المدينة مشغلا دائم العطاء لا يتوقف عن تقديم العروض وفي الأساليب كافة، في ظل مناخ قائم على التنافس وإثبات الحضور الفني أمام جمهور المدينة المسرحي، رغم محدودية الإمكانات، وما كان ممكنا أن تترسخ تلك التقاليد، لولا وجود نخبة ممتازة من المسرحيين الذين عمل الراحل معهم في أولى خطواته، أمثال، علي إحسان الجراح وشفاء العمري وموفق الطائي وعبد الوهاب أرملة وطارق فاضل وغيرهم، لا يسع المجال لذكرهم. وما أن انهى دراسته في المرحلة المتوسطة حتى قرر أن يدرس المسرح أكاديميا، فما كان منه إلا أن ينتقل إلى بغداد في منتصف سبعينيات القرن الماضي، لدراسة الإخراج المسرحي في معهد الفنون الجميلة، فاتسعت دائرة معارفه وخبراته عندما أصبح تلميذا يتلقى أعمق وأحدث الدروس من قبل أساتذة أكفاء، تركوا بصمات خالدة في ذاكرة المسرح العراقي، في مقدمتهم المخرج قاسم محمد وبهنام ميخائيل وعبد الله جواد وحميد محمد جواد، إلا أن المعلم الكبير قاسم محمد يقف بينهم شامخا، إذ لم يكن قد مضى على عودته من موسكو بعد دراسته للإخراج المسرحي سوى سنين تُعد على أصابع اليد الواحدة، فكان له الفضل الأهم في رعايته والاهتمام به مع بقية الطلبة، الذين تخرجوا من تحت يديه، من بينهم إقبال نعيم وكنعان علي وشذى سالم وعبد الوهاب عبد الرحمن، ومن هنا تشكلت ملامح شخصيته المسرحية المميزة، بما تركته بصمات هذا المخرج والأستاذ الذي شكَّل علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي والعربي.

وحال تخرجه من المعهد عاد إلى الموصل وفي جعبته أحلام ومشاريع كثيرة على أمل أن يبعث من خلالها روحا جديدة في خشبات مسرح مدينة الموصل، التي أحبها وانتمى إليها بعقله ووجدانه، فبدأ رحلته في تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون عام 1977، ومن هنا كانت أولى اجتراحاته مع المخرج التونسي المنجي بن إبراهيم، حيث شكلا ثنائيا رائعا في وضع الأسس السليمة لتدريس فنون المسرح، وتقديم عشرات العروض المسرحية التي كانت تشير في حينه إلى بداية تحولات مهمة في الأساليب الإخراجية بعيدا عما اعتاد عليها الجمهور.
ينتمي المخرج الراحل إلى عائلة فلسطينة لجأت إلى العراق بعد النكبة عام 1948، ورغم أنه ولد بعيدا عن موطن آبائه وأجداده، إلا أن ذاكرته بقيت فلسطينية الجذور وعراقية الهوى، إذ كان حريصا على أن تبقى ذاته متهيئة طوال مسيرته لتقديم عروض مسرحية يطرق عبر موضوعاتها، التي كان يختارها بعناية واهتمام على جدران العالم الأصم مذكرا بالجرح الفلسطيني، وبقضايا القمع والاستلاب الذي يرزح تحتها الإنسان العربي مثل مسرحية «هل كان العشاء دسما أيتها الأخت الطيبة»، ومسرحية «مسافر ليل».
ما يؤسف له أن الراحل ورغم الخدمة الطويلة التي قضاها بصفة مدرس على ملاك وزارة التربية العراقية، والتي تمتد لأكثر من خمسة وثلاثين عاما، إلا أنه اضطر لمغادرة العراق، بسبب تداعيات العنف الطائفي والعنصري الموجه ضد العرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون بعد عام 2003 وبذلك خسر شقاء عمره عندما لم تحتسب وزارة التربية خدمته لأغراض التقاعد، فعاش طيلة العقدين الماضيين في العاصمة الأردنية عمّان يكافح من أجل أن يوفر لعائلته لقمة العيش، بعد أن ضاقت به السبل ولم يتمكن من أن ينال المساحة التي تليق بتاريخه وخبرته الفنية، وذهبت سدى كل الجهود التي بذلها لكي يستعيد حقوقه.
الراحل عصام سميح نموذج للفنان الذي يخلص لفنه، ويتفانى من أجل أن يكون دور المسرح على قدر عال من الحساسية الفنية إزاء قضايا الإنسان العربي، ورغم أننا ندرك جيدا أن الإرث الذي تركه لم يقتصر على الوعي والذائقة الرفيعة التي تركها لدى طلابه ومن عمل معه وزامله من المسرحيين، لكننا نشعر بالأسى عندما نتذكر مرارة الأيام والسنين التي عاشها بعد مغادرته، للمدينة التي ولد فيها وتعلق بكل شيء ينتمي إليها، وفي هذه المسيرة المعبأة بعناوين النفي والترحال واللجوء، الممتزجة بالعمل والابتكار والتجديد وتربية الأجيال ورعاية المواهب، نقف معه شهودا على القسوة التي يتلقاها الإنسان في بلداننا العربية، وتبلغ هذه القسوة وحشيتها عندما تطال المبدعين والمفكرين والمثقفين، خاصة من بعد أن يتشرد بعضهم في بلاد الاغتراب، لا لشيء إلا لكونهم يحرصون على أن يكون المستقبل أكثر إشراقا وحرية وكرامة للإنسان، ما يستدعي سؤالا جوهريا: متى تصحو هذه المنطقة من غيبوبتها لتنصف أبنائها بحياة كريمة تليق بهم وبأحلامهم الطاهرة؟
كاتب عراقي