بدأ النزوع السيرذاتي داخل الشعر المغربي الحديث يبرز منذ عقد الثمانينيات من القرن الفائت، ابتداء من عمل عبد الله راجع السيرذاتي في ديوانه «أيادٍ تسرق القمر» 1988، بحيث إن قصائده «تشكل في مجملها سيرة ذاتية لرجل، هذا الرجل فيه شيء مني» أو في ديوانه «وردة المتاريس» الذي ظهر بعد موته وكان «محاولة المزج بين الشعر والسيرة ذاتية» حسب تعبير الشاعر نفسه. ثُم بعد ذلك أخذ التواشج الشعري والسيرذاتي يتجلى أكثر، أي منذ أن بدأ هذا الشعر يتحرر من أحابيل الأيديولوجيا، فاسحا المجال لصعود كتابة مختلفة تحتفي بذاتها وتتكلم زمنها وحداثتها، فيما هي تنفتح على تقنيات وأساليب جديدة على صعد اللغة والتخييل والبناء. ولهذا حين نعود، إلى النصوص الشعرية التي ظهرت في بحر التسعينيات أو في بدايات الألفية الثالثة، نكتشف أن العمل الفني في منجز الشعراء المغاربة في اختلاف أجيالهم وحساسياتهم ورؤاهم، كان واعيا بالبعد السيرذاتي وقيمته المخصوصة في تشييد ممارسته الحديثة، ولا يعوزنا الجهد لنسمي دواوين نوعية اشتغل أصحابها على هذا البعد واختلفوا تبعا لأساليبهم في الكتابة بين غنائي وملحمي وصوفي وسيريالي.
نستقرئ هنا آراء بعض هؤلاء الشعراء، ونتعرف على طرائق تدبير للمحفل السيرذاتي وأشكال صوغه فنيا، ونحن نسألهم: كيف تنظرون إلى مسألة السيرة الذاتية في سياق الشعر، أي ماذا يبقى منها، وما الذي يُضاف إليها؟
مبارك وساط: فاعلية التخيل
لقد طُرِح عليّ السؤال المتعلق بمسألة السيرة الذاتية في نطاق الشعر، بصدد مجموعتي «رجل يبتسم للعصافير» خاصة، وهناك من وصفها بكونها «تأريخا شِعْريا للذات» ويمكنني أن أتفق مع هذا الرأي بشرط اعتماد مفهوم للذات لا يُختزل في ذاك الذي وُجِد عند الرومانسيين، فقد نظر هؤلاء الأخيرون إلى كُل ذات باعتبارها منعزلة في جزيرتها الخاصة. وفي الواقع، فإن الذات لا تنفصل عن الآخرين، وهذا أُوَسعُ من دلالات قول رامبو: «الأنا شخص آخر». ومجموعتي المذكورة تنقسم إلى قسمين: في الأول منهما تأريخ مُشَعْرَن للذات التعددية، أو للذات – مع- آخرين، منذ لحظة الهجرة نحو عالَم المدينة، وخلال العديد من اللحظات المهمة من مسارها. وفي القسم الثاني من المجموعة، هنالك صَوْغٌ شِعْري لضَرْبٍ من «التربية العاطفية» أي لعلاقات عاطفية، لا يهم إن كانتْ قد تحققَتْ أو بقيتْ في نطاق توقٍ عِيشَ في مرحلة ما. وفي تلك الصياغة، تم تكثيف تلك العلاقات في واحدة، أُخْضِعَتْ في التعبير الشعري لـ»خيمياء الكَلِم» وتم استجلاؤها عبر مناظير الخيال ومراياه. وفي كل هذا، حضر عنصر السرد بقوة، وهذا مفهوم ما دام الأمر يتعلق بـ«تأريخ» كما أسلفت.
وعلى العموم، فلا شك في أن أحداثا من حياتي تفرض نفسها على ذاكرتي، فتدلف من باب واسع إلى عالم إحدى قصائدي، لكن هذه الأحداث أو الوقائع تتعرض للتحوير تحت فاعلية الخيال أو «الحلم الموجه» أو كليهما. فعلى سبيل المثال، لديّ ذكرى عن كون والدي أيقظني ذات صباح باكر، وكنتُ متعبا جدا وفي حاجة إلى مزيد من النوْم، وطلب مني أن أرافقه إلى سوق قريب من المدينة الصغيرة التي كنا نقطن فيها، وكانت عمة لي مُتقدمة في السن ستحل في ذلك السوق، وكان أبي يريد أن نجلبها معنا من هناك إلى بيتنا… فكان أن ظَهرتْ هذه الواقعة، محورة، في قصيدة لي – منشورة في مجموعة «فراشة من هيدروجين»- وَرَدَ فيها: «كان عليّ أن أكون حاضرا أثناء الاستقبال/ أنْ أحتمل كل تلك القسوة/ أنا الذي لمْ أقُلْ يوما لجدول: اصمُتْ/ أنا الذي كنْتُ أشْتري النوم/ بنقود مسكوكة من أعصاب الجبين/…/ قُمْ لتكون حاضرا للاستقبال، قال أبي/ ذلك أن أحد أسلافنا قدْ أبْحَر/ من ميناء الموتى». هذا نموذج لقصيدة مبنية على ذكرى واقعية، لكن هذه الأخيرة حُوِرتْ إلى حد بعيد – وربما بشكلٍ فيه قسوة تجاه العمة المذكورة (لكنها مجرد قسوة خيالية). فأنا قد استبقيتُ بعضا من هذه الذكرى وجددْتها اعتمادا على فاعلية التخيل الشعري.
صلاح بوسريف: السيرة أتاحت لي شعريا أن أُوَسعَ دوال النص، وأن أجعل الشـعر أفقا للكتابة، واهتممتُ كثيرا بالسرد، الذي جاء في أصله من الشعر، وليس من الرواية، لأن الأعمال الشعرية الأولى التي كتبها البشر، كانت أعمالا شعرية سردية.
صلاح بوسريف: توسيع دوال النص
تعرف أن الشعر كان مختفيا خلف السياسة، وكان السياسي يستعمل الشـعر دون اهتمام بالشـعر في ذاته، لذلك اختفت القيمة الجمالية في الشـعر، كما اختفت الذات، وتَم حَـجْـبُها. فما كتَبْتُه كان تعبيرا عن رفضي لأن أبقى صَـدى للسياسي، أو لِمـا ليس شعرا، ومن هنا، كما لاحَـظْتَ اهْتَمَـمْـتُ بالجانب السـيْرِي في أكثر من عمل شعري، لأن الذات، كانت ترغبُ في أن تكشف عراءها، أو تكون هي بذاتها، دون عكاكيز ووساطات. ففي ديوان «حامل المرآة» وهو عمل شعري واحد متواصِـل يستغرق الكتابَ كاملا، تجد الجُرح الكبير الذي عشْـتُه خلال مرحلة الإفراد التي اسْـتَغْرَقَـتْ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، وفي «شرفة يتيمة» في أجزائها الثلاثة تجد السرد، والحوار، كما تجد استعادة الذات في حيواتها الماضية، وما عاشَـتْه من قهر، وفقر، وإخفاقات، والعلاقة السيئة التي كانت لي مع الأسرة، ومع المدرسة، ومع إخوتي الذين كانوا أكثر من خمسة عشر أخا من أمهات مختلفات، نعيش في البيت نفسه، فتصور ما الذي سيحدث في وضع مثل هذا، بين الأمهات والإخوة. الأب بقي عندي المثال، كونه كان اللحمة التي شدت هذا البناء، الذي بمجرد موته انهار كل شيء، وبقيتُ وَحْدِي، لأن علاقتي به كانت هي الخيط الذي ربطني بهذا البيت المتشظي والمنحل في علائقه وتوازناته.
السيرة أتاحت لي شعريا أن أُوَسعَ دوال النص، وأن أجعل الشـعر أفقا للكتابة، واهتممتُ كثيرا بالسرد، الذي جاء في أصله من الشعر، وليس من الرواية، لأن الأعمال الشعرية الأولى التي كتبها البشر، كانت أعمالا شعرية سردية. خُـذ «ملحمة جلجامش» و «الإلياذة» و»الأوديسا» وغيرها، ففيها تجد الشـعر الذي هو جامع أنواع. فحين نوسع ونُـضاعِـف دوال الشـعر، يمكن أن نستغني عن كتابة الرواية، مثلا، ونكتب كل ما نريده في العمل الشـعري l’ouevre poétique، وهو ما رغب فيه أكثر من شاعر، وحتى في الرواية، ثمة حلم بالكتاب الكبير أو الكوني. والشعر يمكنه أن يصل إلى هذا، بتوسيع دواله، وبالانتباه إلى الكتابة التي هي أفق الشعر اليوم.

محمد بودويك: عندما يصبح الأنا آخر
إن الحد الأتوبيوغرافي وهو يحضر في النص الشعري، أو يستحضر ويستدعى فيه وإليه، كتجربة حياتية وروحية وإبداعية، تنهض بها اللغة، ينصاع بقدر ما يعتاص، إذ المسألة تتعلق بسؤال وجودي كينوني، يتجاوز ما هو لغوي أنوي أجرومي، أي: (من يتكلم في الشعر؟) – أهو الشاعر أم الطفل؟ أم الصبي؟ أم الشاب؟ فكيف يتسنى للشاعر في عمر معين، وسياق معين، وزمنية أخرى، وشروط نفسية أنطولوجية مختلفة عما كان قَبْلا، أن ينجح في رسم وتوصيف مساره ومجراه، صعوده وهبوطه وهو يتقلب كفأر عديم الحيلة بين مخالب قط شرس يلهو وينط ويجرجر؟ إنه القط القدري، القط الزمني الذي ـ متى انتهى من لهوه و»ملاعبته» يترك ندوبا غائرة في جسد الفأر الآدمي، ومن ثم في دخيلته ودمه وروحه. وفي كل الأحوال، فإن السيرة الذاتية الشعرية، أو السيرة الذاتية في الشعر، تشكل خريطة هوية مخصوصة للذات إزاء خريطة غيرية افتراضية تقع في نقطة ما بين مقول الأنا الغنائي، والرجع التلفظي الذي يشتغل بِدَعَةٍ داخل النص الشعري محيلا على مرجعية واقعية منقوعة في اللغة أساسا، وعلى زمنية منفلتة وهاربة، مضرجة ومدماة بأشواك الطريق، والعمر المتدحرج نحو هاوية ما. ولأن السيرة تتميز بذات متلفظة واقعية، أدرجت كيت هامبورغر هذا النوع الأدبي ضمن الجنس الغنائي.
ومهما كان الشاعر وفيا لواقعه ولتجربته الشخصية، فإنه حين يقول: «أنا» في الشعر، يصبح هذا الأنا آخر يحتكم في وجوده إلى قوانين الأدب، لا إلى قوانين الواقع وأحكامه، ولذلك يذهب بول ريكور إلى أنه «مشروع تدمير للذات». فما يبقى من السيرة الذاتية في سياق الشعر، هو اللغة ناجحة أو فاشلة في نقل مراحل ومحطات حياتية ماضية، لكن مشبعة بضوء الحاضر، مغمورة بغمزات الوعي واللاوعي لدى الأنا الغنائي والأنا الأجرومي بما يعني أنها ساكنة كامنة في التلفظ المتمنع على الاحتواء السهل بالتأكيد. ففي السيرة الشعرية، يتوارى الميثاق الأوتوبيوغرافي، وِتنفصم عرى التعاقد المفترض والمطلوب بين الباث والمتلقي كما هي الحال في الفن الروائي.
محمد بوجبيري: استعادة الزمن الطفولي
في البداية لم أنتبه إلى حضور الذات في ما أكتبه، لأنني كنت منشغلا بالتعبير عما يخالج وجداني من أحاسيس ومشاعر، يتقاطع فيها الجواني مع البراني. بعد المجيء إلى المدينة، من أجل الدراسة ثم العمل، شعرت بنوع من الاغتراب، وبعضا من الصدمة، لأنني وجدت أن الحياة في المدينة صاخبة بالحركة الدائبة للناس والمحركات، بالإضافة إلى غابة الإسمنت، وما إلى ذلك من الأشياء التي جعلتني أشعر بأنني فقدت عالمي الجميل الذي تركته في باديتي بين جبال الأطلس، ومن تم كان ديواني الأول «عاريا أحضنك أيها الطين» محاولة لاستعادة ذلك الزمن الطفولي الهارب، والذي لم يبق منه سوى أطياف في الذاكرة.
حضور السيرذاتي في الشعر مسألة طبيعية، لأن المبدع الحقيقي، في اعتقادي، يكتب انطلاقا مما يعيشه وما يتفاعل معه كذات فردية من جهة، وكذات جماعية من جهة ثانية. هذا الحضور أغنى التجربة الشعرية بمكون السرد أو الحكي، واستحضار الأسطوري، وما يرتبط بهما من وصف للشخوص والأحداث والأمكنة والحوار والمونولوج مع تنوع الأساليب الخبرية والإنشائية والبيانية والبديعية، والتصفح السريع لدواويني يجعلك تتأكد من هذه القضايا كلها.
مصطفى ملح: القصيدة، في نظري، تكتب انطلاقا من المقروء، إبداعا وتنظيرا، أو تكون ثمرة لمجموع العلاقات التي تنجم عن ارتطام جسد الشاعر بمحيطه. وفي الحالة هذه، لا مفر للمتن الشعري من أن يحمل جينات كاتبه، وأن يكون مغمورا بأنفاسه، وموقعا ببصماته. والنص الشعري، في الحالة الثانية، يحمل ملمحه السيرذاتي.
نور الدين الزويتني: الاحتكاك باليومي الكثيف
يحضرني ما قاله الناقد الأمريكي جون بار John Barr منذ عقدين في معرض حديثه عن أزمة الشعر الأمريكي آنذاك، وعزوف الجمهور عنه، حين كتب أن ابتعاد الشاعر عن الاحتكاك الكثيف بالحياة اليومية هو أحد هذه الأسباب، وذكر أمرا طريفا حين قال إن مهن التدريس التي يتعطاها كثيرٌ من الشعراء لم تنتج أبدا شعراء كبارا، إذ أن شعراء مثل والاس ستيفنز وإليوت ووليام كالوس وليامز، مارسوا مِهَنا لا علاقة لها بقاعات الدرس ولا الأكاديميا، بل كانت مهنهم أكثر التصاقا بالجماهير فجعلتهم في قلب معترك الحياة. وكنت دائما واعيا بحكم جون بار هذا قبل أن أطلع عليه، أي كوني مُدرس أدب، إضافة إلى نزوعي الانطوائي introverted، وهما للأسف أمران لا يفسحان لي مجالا للاحتكاك الكثيف بالجماهير، لكن وعيت في الوقت ذاته أن احتكاكي اليومي الكثيف كان دوما مع ذاتي وتاريخي الشخصي وأفراحي الصغيرة وصراعاتي وخيباتي، فكان لزاما ألا أتنطع وأرتمي إلى قضايا بعيدة عني، وأكتفي بالكتابة عن هذا التاريخ الشخصي وهذه الأفراح والخيبات دونما أمل واهم في أن أصبح شاعرا كبيرا، أو كما قال نزار قباني:
إذا قيل عني «أحس» كفاني ولا أطلبُ «الشاعرَ الجــــيدَا»
شعرتُ بِـشيءٍ فكونتُ شيئا بعـــــفويةٍ، دون أن أقـــــــصدَا
مصطفى ملح: شظايا المرآة وانكساراتها
القصيدة، في نظري، تكتب انطلاقا من المقروء، إبداعا وتنظيرا، أو تكون ثمرة لمجموع العلاقات التي تنجم عن ارتطام جسد الشاعر بمحيطه. وفي الحالة هذه، لا مفر للمتن الشعري من أن يحمل جينات كاتبه، وأن يكون مغمورا بأنفاسه، وموقعا ببصماته. والنص الشعري، في الحالة الثانية، يحمل ملمحه السيرذاتي.
الحديث عن قصيدة السيرة ينبغي ألا يسوقنا إلى الوهم بأن الشعر انعكاس مباشر لحياة الشاعر، وتصوير لتفاصيل معيشه، ومرآة تجلو بوضوح ما يضطرب من أحداث ومشاعر يعيشها، بل يمكن أن تكون القصيدة السيرذاتية تخريبا للمرآة، وتحطيما لها، أكثر ما هي مرآة.
شخصيا، لا أكتب سيرتي شعريا، بقدر ما أعيد إنشاء جسدي. أعجنه، أغير مقاساته، أنفخ في طينه روحا أخرى مغايرة. أكتب عما كنته، وعما لم أكنه، في توليفة تجمع بين ما كان وما يمكن أن يكون. بمعنى أن القصيدة تتحول إلى مرآة تعكس بعضا من حياتي، وبعضا من حياة أخرى لم أعشها، أو حياة كان من المفترض أن أعيشها. فطفولتي مثلا كما يحفل بها نصي الشعري، لا يمكن أن تكون تأريخا لي. ولا يمكن أن تكون متضمنة لأماكن حقيقية، وأسماء حقيقية، وأحداث حقيقية. طفولتي، شعريا، هي طفولة طفل محكوم عليه بالانكسار والسقوط، غير أنه متحمس دوما للتمرد والعصيان، حتى لو دفعه الأمر إلى أن يتحول إلى بطل تراجيدي يسقط فوق خشبة الوجود المبللة بالرماد والغبار والدم والخيبات.
علمتني القصيدة ذات النسغ السيرذاتي أن أكون أنا. ألا أستعير أقنعة لم تصنع على مقاسي. أن أعرف حدود جسدي البيولوجية والجغرافية. ألا أكون سمسارا لغويا، ولا إقطاعيا يربي الاستعارات الرخيصة، ولا زعيم مافيا يبيع الأسلحة لاغتيال الخيال. قصيدتي تلك علمتني ألا أحلم كثيرا، فكسرة خبز في ضيعة جدي خير وأبقى من غزلان مشوية في غابة لا أعرفها، وشرب كأس من البئر القريبة أفضل من الصعود إلى غيمة نائية، ومصادقة الديوك في الأرض أفضل من الحلم بمصادقة النسور في السماء، إن كانت تلك السماء محاطة بقطاع الطرق الأنطلوجيين.
سيرتي هي تماهٍ واضح مع سيرة من حولي من الأشياء، تلك الأشياء التي صرت منذ سنوات مغرما بالكتابة عنها. ربما لأنها منسية أو مهملة أو منكسرة. وهكذا حفل ديواني «سماء لا تسع السرب» الصادر عام 2016 بسيرة لتلك الأشياء. ويمكنني الاستدلال على هذا المنحى بعناوين النصوص الآتية: (سيرة حجر/ سيرة حبل/ سيرة شفتين/ سيرة ظل…..). وهكذا ألفيتني أنفتح على أفق كان مسدودا من قبل من وجهة نظر شعرية، وهو أنسنة الأشياء واستدراجها لتكون جزءا من حياتي، وأكون أنا جزءا من حياتها كذلك، بل إن تلك الأشياء الخرساء أحسست كما لو كنت أُنطقها، وأزرع فيها نطفة الحياة. وقد حصل جزء من هذا التماهي لي يوما، وأنا أتأمل لقلقاً ينتصب فوق حجر روماني قديم. لم يثرني ساعتئذ اللقلق، لكن أثارني الحجر القديم إذ بدا لي أنه أكثر حياة من اللقلق، بل أكثر حياة مني!
منذ أن تشكل عندي هذا الوعي، وأنا أكتب/ أكتبني. أعرف أن قصيدتي مرآة مكسورة، وأن الانعكاس غير تام، وأن الصورة غير سليمة ولا واضحة. ومع ذلك قررت أن أواصل هذا الاجتراح الشعري السيرذاتي، متأكدا ومقتنعا أنه لا يهمني، وأنا أكتب، شكل المرآة، بل أنا مهتم كثيرا بشظايا المرآة وانكساراتها..
كاتب مغربي