قضت المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بألمانيا في 13 من شهر كانون الثاني/يناير الحالي، بالسجن مدى الحياة على الضابط السوري السابق أنور رسلان، الذي تسلم منذ كانون الثاني/ينير 2011 حتى أيلول/سبتمبر 2012 رئاسة دائرة التحقيق في فرع الأمن 251 «فرع الخطيب» التابع لجهاز المخابرات العامة في النظام السوري، حيث أدين بالتعذيب، و27 جريمة قتل وحالة عنف جنسي.
فيما أنهت المحكمة الإقليمية في مدينة فرانكفورت الألمانية، أولى جلسات محاكمة الطبيب علاء موسى المتهم كذلك بتعذيب وقتل مدنيين في مستشفيات عسكرية في سوريا، إذ أعلن عن تحديد يوم 25 كانون الثاني/يناير الجاري موعداً للجلسة التالية، فيما وجهت المحكمة الألمانية خلال جلستها الأولى، 18 تهمة إلى موسى لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.
أنور رسلان، وهو ضابط سابق في المخابرات السورية، اعتقل من قبل الشرطة الألمانية بناء على قرار من المدعي العام الألماني المختص بالجرائم الدولية بتاريخ 9 شباط/فبراير من عام 2019 ووجّه إليه الادعاء العام بحسب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، تهمًا بتعذيب أكثر من أربعة آلاف معتقل، والتسبب بموت 58 معتقلا تحت التعذيب.
بالإضافة لتهم أخرى تتعلّق بالاغتصاب والعنف الجنسي. وفي 23 من شهر نيسان/أبريل من عام 2020، افتُتحت محاكمته العلنية لدى محكمة كوبلنتز بشمال الراين بألمانيا، وخلال 21 شهرًا تقدّم 29 مدعيًا وضحية بإفاداتهم أمام المحكمة بالإضافة للعديد من الخبراء وضباط الشرطة وشهود لجهة الدفاع عن المتهم.
في حين أن الطبيب علاء موسى، الذي أوقف في حزيران/يونيو 2020 في هسن في غرب ألمانيا، يحاكم أمام محكمة فرانكفورت في 18 حالة تعذيب معارضين للنظام السوري وبتهمة قتل معتقل بحقنة، ويواجه احتمال الحكم عليه بالسجن مدى الحياة.
موسى متهم كذلك بقيامه في صيف 2011 أي السنة التي بدأت فيها الثورة السورية منذ آذار/مارس من العام المذكور، برش مادة الإيثانول على الأعضاء التناسلية لمراهق وإضرام النار فيه باستخدام قداحة، في قسم الطوارئ في مستشفى حمص العسكري، وفق العديد من الوسائل الإعلامية ووكالات.
وخلال جلسة المحكمة الأولى التي جرت قبل أيام، قال القاضي موجهاً كلامه للمتهم علاء موسى إن مجلس القضاة على علم بمحادثة «الواتسآب» بين المتهم علاء موسى وبين موظفة السفارة السورية في برلين لذلك «سوف نمدد الحجز الاحتياطي لك خشية أن تهرب».
وقال المحامي أنور البني، إن «المركز السوري للدراسات والأبحاث والقانونية» كان من المشاركين في رفع الدعوى على موسى، إلى جانب «المركز الأوروبي لحقوق الإنسان الدستورية» بعد جمع شهادات ضحايا، بعد إثارة التهم له إعلامياً، من قبل «القدس العربي» ووسائل إعلام أخرى منها موقع «زمان الوصل» وقناة «الجزيرة».
وأوضح البني خلال تصريحات سابقة لـ«القدس العربي» أن موسى متهم بتعذيب معتقلين ومتظاهرين في حمص، حيث تسبب بوفاة معتقل على الأقل، علاوة على الأضرار البدنية الكبيرة التي ألحقها بعدد غير محدد من المعتقلين، أثناء عمله طبيباً في مشفى حمص العسكري. وقال لـ«القدس العربي» إن السلطات الألمانية أوقفت موسى منذ أكثر من عام ونصف العام، علماً بأنه كان يعمل طبيباً في أحد المستشفيات الألمانية.
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني صنف هذه المحاكمات خلال تصريحات أدلى بها لـ «القدس العربي» ضمن خانة التحركات الهامة نظرا لإدانتها منظومة النظام السوري، رغم محاكمتها لأفراد، ففي الإطار كل أفراد النظام وخاصة القيادات العليا فيه، ضمن دائرة الاتهام، وبالإمكان بناء قضايا ضدهم، ولكنهم غير متواجدين خارج البلاد ولن يتوجهوا إلى أوروبا، إلا أنه من الممكن إصدار مذكرات بحقهم.
حظيت هذه المحاكمات بتغطية إعلامية واسعة النطاق، فقد تمت تغطيتها من أكثر من 300 وسيلة إعلام حول العالم، وتحدث عنها العديد من زعماء الدول ووزراء الخارجية والعدل، وتكتسي هذه المحاكم أهميتها لتسليط الضوء على انتهاكات النظام السوري وإدانته بشكل قضائي لأول مرة، مما يجعلها محاكم بغاية الأهمية.
خطوة صغيرة في طريق العدالة
كذلك ستشكل هذه المحاكم بحسب عبد الغني، منعطفا في إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، حيث ستعرقل هذه المحاكم مهمة الجزائر التي تسعى لإعادة الأسد إلى الجامعة العربية، فيما كان حديث بعض الدول عن تطبيع العلاقات مع النظام السوري من أشدِّ الأمور استهجاناً في عام 2021 وكان الأسوأ من ذلك عدم اعتراض الدول الديمقراطية على هذا الطرح البشع، الذي لا يقيم أي اعتبار للملايين من الشعب السوري الذين هم ضحايا قتل، وتعذيب، وتشريد، من قبل النظام السوري، والذي لم يغير شيئاً من سلوكه المتوحش تجاه شعبه.
كما أنه ما زال يرفض تماماً أي حلٍّ سياسي على أسس ديمقراطية تراعي مبادئ حقوق الإنسان. كما أن بقية أطراف النزاع ما تزال منخرطة في ارتكاب انتهاكات متعددة وما زال الجميع يعتاش على أنقاض الدولة السورية المنهارة.
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، استبعد في ذات الوقت إمكانية تصيد المحاكم لشخصيات محورية في النظام السوري في الوقت الراهن، حتى لو صدرت مذكرات اعتقال في الدول الأوروبية بحق قيادات الأسد، حيث تنتقل تلك القيادات ضمن الدول المتحالفة معها كإيران وروسيا وغيرهم، حتى أن الضابط السابق رسلان، لا يعتبر من قيادات الصف الأول أو الثاني ولا حتى الخامس في النظام السوري، وكذلك هو حال الطبيب المتهم علاء موسى، الذي بدأت محاكمته مؤخرا، فالنظام يمتلك سلسلة طويلة ومعقدة من قيادات الأجهزة الأمنية.
كما اعتبر المصدر الحقوقي، أن هذه المحاكمات، خطوة صغيرة في طريق العدالة المنشودة في سوريا، متأملا بتوفر محكمة خاصة بسوريا، ووجود محاكم وطنية ضمن مسار كامل للعدالة الانتقالية في البلاد.
كذلك رأى عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سوريا، المحامي ميشال شماس، إذ قال لـ «القدس العربي»: الأمر ليس بهذه البساطة، فإذا كان هذا المسؤول الأمني متواجداً في إحدى الدول الأوروبية التي تأخذ بمبدأ الاختصاص العالمي، وتوجد أدلة وشهود عليه نستطيع بالتأكيد الادعاء عليه وإمكانية توقيفه واردة جداً.
معتبراً أن أهم المعوقات لرفع المزيد من القضايا ضد المتورطين بجرائم حرب وانتهاكات في سوريا، تكمن بتردد الشهود في الإدلاء بما لديهم من معلومات لدى السلطات المختصة في أماكن تواجدهم.
نقلة نوعية ومعوقات
في الأسبوعين المنصرمين، انتهت محاكمة عقيد في مخابرات الأسد، وبدأت محاكمة طبيب كان يمارس القتل والتعذيب بحق المرضى في المشافي العسكرية، وبعد أشهر قليلة ستبدأ محاكمة موفق.الد، وهو عنصر تابع لميليشيات أحمد جبريل، الجبهة الشعبية – القيادة العامة.
في هذا الإطار، قال المحامي شماس لـ «القدس العربي»: سنواصل «ملاحقة هؤلاء المجرمين ما استطعنا إلى ذلك وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، وننتهز هذه الفرصة وأدعو من خلالكم كل الضحايا والشهود ألا يترددوا في الادلاء بما لديهم من معلومات، لأن الصمت والسكوت سيشجع المجرمين على مواصلة إجرامهم بحق شعبنا».
وأضاف، إنشاء مثل هذه المؤسسة، يجب أن يتم على الأراضي السورية، مما يعني أن إنشاء مثل هذه المؤسسة متعذر اليوم بفعل الاحتلالات المتعددة للأراضي السورية.
كما اعتبر، أن هذه المحاكمات تعد غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث، فقد امتدت بالفعل وطالت أكثر من ستين مسؤولاً أمنياً بمن فيهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، حيث تم تقديم سبع قضايا في كل من السويد وألمانيا والنروج والنمسا، وقد صدر في بعضها مذكرات توقيف بحق اللواء جميل حسن وعلي مملوك ومحمود عبد السلام رئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية.
لكن في هذه القضايا تقف عند حد إصدار مذكرة توقيف فإذا تم إلقاء القبض على المتهم تبدأ المحاكمة بحقه، فالمحاكمات في مثل هذه القضايا تستوجب حضور المتهم ولا مجال للمحاكمات الغيابية.
حدث غير مسبوق
عضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سوريا، المحامي ميشال شماس، أشار خلال حديثه لـ «القدس العربي» إلى أن هذه المحاكمات جاءت عقب عجز المجتمع الدولي عن القيام بما يجب أن يقوم به لمحاسبة المجرمين، ونتيجة لانسداد باب محكمة الجنايات الدولية بفعل الفيتو الروسي، لم يكن هناك من طرق، سوى البحث عن مسار آخر نستطيع من خلاله ملاحقة هؤلاء المجرمين، من خلال اللجوء إلى مبدأ الصلاحية العالمية الذي يسمح لأي قاض وطني ملاحقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة بصرف النظر عن مكان ارتكاب الجرم أو جنسية الجاني.
من هنا تأتي أهمية محاكمة الطبيب علاء موسى في فرانكفورت الألمانية، لتؤكد ما سبق من أننا ماضون في ملاحقة ومحاسبة الذين ارتكبوا جرائم ضد الشعب السوري، وأن الحكم الذي صدر بحق العقيد أنور رسلان لم يكن سوى خطوة أولى في طريق طويل نحو العدالة لكل الضحايا.
كما تأتي أهمية هذه المحاكمة اليوم، لتؤكد أننا لا نستهدف الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم بسبب لونهم أو آراءهم أو انتمائهم الديني أو لأنهم منشقون، بل لأفعالهم الجرمية التي ارتكبوها.
وبلا أدنى شك إن هذه المحاكمات ستؤسس بحسب المحامي شماس، لأية محاكمات يمكن أن تجري ضد المجرمين في المستقبل، وهذا ما يعطيها أهمية إضافية، فضلا عن تلك المحاكمات وما صدر عن بعضها من أحكام إنما هي تصدر ضد مجرمين ينتمون لنظام ما زال قائما ويحكم قبضته على جزء كبير من سوريا ويمارس فيها نفس الجرائم يومياً.
كذلك تأتي أهمية هذه المحاكمات من أنها تجري فيما يبحثون عن حل للقضية السورية، وهي أحداث تحصل لأول مرة في التاريخ أن تسبق إجراءات العدالة قبل إيجاد الحل في البلاد.
التأثير المحدود
الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني استبعد خلال تصريحات أدلى بها لـ «القدس العربي» أن تكون لهذه المحاكمات أي تأثيرات على المستوى السياسي السوري، أو على المستوى العربي- السوري، وكذلك على صعيد الخطوات التي قد تقدم عليها بعض الدول وإعادة العلاقات مع النظام.
فقد صرح وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد مؤخرا، أن 14 سفارة عربية تعمل الآن في دمشق، وأنهم يعملون على تحسين العلاقات وإعادتها إلى ما كانت عليه مع تلك الدول، فهذا التصريح يأتي بالتزامن مع صدور قرار المحكمة بحق العقيد رسلان بالسجن المؤبد، ومن قبله صف الضابط إياد غريب، خاصة أن الأنظمة العربية لا تهتم كثيرا بقضايا حقوق الإنسان كحالة النظام السوري.
فعلى سبيل المثال، لا بد من ذكر اعترافات الوزير اللبناني السابق ميشيل سماحة في قضية نقل المتفجرات من سوريا إلى لبنان بالتنسيق مع علي مملوك، قبل عدة سنوات، ورغم ذلك نرى لبنان لم يستطع أخذ موقف حيادي بالمطلق تجاه النظام والثورة.
بل كانت هناك سياسة أطلقوا عليها النأي بالنفس، وسياسة ضاغطة على اللاجئين السوريين في لبنان. وشارك فريق منه ميليشيا حزب الله النظام السوري في قتل وتهجير السوريين، وعليه فإن هذه الأنظمة لا يهمها إلا ما يحفظ استمرارها.
ونذكر كذلك، أن الأمم المتحدة عملت بمبدأ «حق التدخل الإنساني» بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بهدف الحد من انتهاكات حقوق الإنسان التي قد يكون المتسبب فيها نظام الحكم في بلد ما أو أطراف متحاربة داخل ذلك البلد كالحالة السورية مثلا.
وطبق ذلك في شمال العراق لحماية الكرد، وفي البوسنة وكوسوفو ورواندا، من خلال إعطاء مجلس الأمن، صلاحية التدخل العسكري في أي منطقة من العالم، من دون انتظار موافقة البلد الذي سوف يتم التدخل فيه.
بناء على ما سبق فإن العديد من المنظمات الحقوقية المحلية كالشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمنظمات الحقوقية الدولية كهيومن رايتس ووتش سبقت محكمة كوبلنز في توثيقها للانتهاكات؛ إلا أن ذلك لم يحدث أي فرق في التقدم في العملية السياسية والضغط على النظام. ومن جانب آخر من المعروف لكي يتم التقيد بنتائج هذه المحاكمات والالتزام بها (كوبلنز) اعتراف الدول بها وبولايتها العالمية، خاصة أن هذه المحاكمات لا تحاكم إلا من يكون على الأرضي الألمانية. أو بمعنى آخر من هي الجهة التي خولت القضاء الألماني بمنحه تطبق المبدأ القانوني للولاية القضائية العالمية، أهو القضاء الألماني منح نفسه هذه الصلاحية كدلالة رمزية على نزاهته، أم لهذه الصلاحية اعتراف دولي بها؟
بسبب كل ما سبق، قال الباحث: لن يكون لهذه المحاكم، أي تأثير على المستوى السياسي، علاوة عن ازدواجية المعايير والتطبيق حتى في القرارات الدولية، وتقديم التفاهمات السياسية التي تحكمها المصالح على كافة الجوانب الأخرى إنسانية، أو أخلاقية، أو تعليمية، أو اجتماعية».
كما استبعد المصدر، أن تؤثر هذه المحاكمات على تنقلات رؤوس الأفرع الأمنية في سوريا، ففي نهاية العام المنصرم شارك اللواء حسام لوقا في المنتدى العربي الاستخباراتي في السعودية، رغم العقوبات المفروضة عليه من قبل أمريكا والاتحاد الأوروبي.