الرسام العراقي ضياء ربيع: استغراق مُضاد في منطقة التخييل

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

لا أهمية لأي عمل فني، بما في ذلك الرسم، إذا لم يأخذ مساره، اتجاها يبتعد به الفنان عن محاكاة الواقع وفق الفهم الأرسطي (هذا إن صحت التسمية المُستلَّة من مفاهيم المسرح) ثم يدفع به إلى ان يكون اختراقا لما هو متداول وسائد ومتراكم في الإنتاج الفني، وبذلك فإن قيمته الفنية تأتي من كونه يمارس دورا استشكاليا، يتقاطع مع ما هو تقليدي، وفهم التجربة الفنية بهذا الإطار، يدخلها في منطقة الاشتغال المضاد، القائم على إثارة الأسئلة لدى المتلقي كلما تأمل اللوحة في أوقات وظروف ومناخات مختلفة، بما يعني ان التجربة الفنية تتخلى عن ان تكون وظيفتها تقديم أجوبة محددة، أو الانضواء تحت سلطة قواعد محاكاة الواقع، فالتجربة وفق هذا الفهم تستحيل إلى مغامرة في غياهب المجهول بحساسية جديدة تتوخى تحطيم العلاقة المسترخية ما بين الذات والواقع .
بناء على ذلك تأتي تجربة الرسام ضياء ربيع، في سعيه الواضح إلى كسر الترتيب القائم على الانضواء تحت مسار الخطوط المستقيمة، والتَّماس مع تعالقات مركبة، يكسر فيها احتمالات نمطية التناول في مجمل ما يرصده من موضوعات، ساعيا إلى الغور عميقا في الذات الإنسانية لتحطيم الزمن المتكدس والمتشكل في ما هو ظاهر عليها، وعندما ينساق فعله التشكيلي على هذه الصيغة من الوعي لطبيعة اللوحة لن يكون بالتالي إلاَّ اقتحاما للطبقات الكامنة تحت الوعي، وتدميرا لمفردات اللغة المكرسة في الواقع .
ربيع لا يشتغل معتمدا على ما هو جاهز في متحف اللغة البصرية التي تحاصره في السياق العام في مشهد الإنجاز التشكيلي العراقي، انما ينزع إلى ما هو خارج وبعيد عن دلالاتها المعجمية، وأجد ان هذا لا يتحقق إلاَّ لأنه في قصدياته كان وما يزال منشغلا في توسيع ايحاءات الواقع وإعادة صياغتها عبر الاستغراق في منطقة التخييل، منتهيا بذلك عند حافات الحلم واستطراداته، فالحلم أداته الرؤيوية في الاختراق والتعبير عما هو ذاتي وموضوعي، ومن يتلقى تجربته ستبدو المهمة أمامه في مسألة فك الاشتباك بينهما ليست أمرا يسيرا، إذ تقتضي عملية تلقي ما تحمله لوحاته من قيم جمالية وتكنيك، اشتغالا تأمليا للدخول إلى ما تحمله مضامينها من دلالات. وفي أطار هذا الاشتغال الذي يستمد قوته من تأثيرات الحداثة تبتعد لوحته عن أي منحى تسليعي، مقتربا بها من حالة تكون فيها موضوعاته وتقنياته تكريسا للكشف عن ما يشعر به الإنسان من حالة اغتراب موحشة، وتوتر مشدود، وهو ينوء بحمل ثقيل في مواجهته للحياة.

تقطيع مسار الزمن

اللافت في لوحة ربيع انها تستمد حضورها الجمالي من محاولته المستمرة في كسر مسار الزمن الواقعي، والاحتكام إلى تقنية التقطيع المونتاجي للفضاء، منحازا بذلك في أسلوبه إلى بنية الفن السينمائي، وما تتشكل في لغته من ممكنات تقنية تتيح التعالق مع تجليات التلميح للإشارة إلى أكثر من زمن في المستويات المتراكبة لإنشائية اللوحة، وهذه المواجهة الزمنية المركبة في التقطيع الفيلمي داخل العناصر البنائية في اللوحة، تفتح الأفق أمامه لكي يخرج من أنماط ونماذج سائدة في سياق محاوراتها ومحاكاتها للواقع، وفي أسلوبه هذا لا يبتعد في صياغة لوحته ليصل إلى حدود التشيء أو تحييد الأشياء الماثلة في إنشائية تجربته، بمعنى ان دلالات خطابه يمكن قراءتها من داخل العلاقات القائمة بين مفردات عمله التي أوجزها بكثافة عالية وليس من خارجها.
ضياء متورط في انشغالاته، بما يحمله من عاطفة إلى ناحية التصدي لما يدور من هواجس في الذات الإنسانية، وتشكل المرأة حيزا كثيفا في استطراداته الموضوعاتية، إذ تبدو غارقة تحت وطأة ثقل كبير من الإحباطات لكنها تحمل نظرة صارمة، رغم شفافية الأسى والحزن الذي يتمرأى في ملامحها، ويصر في نتاجه على النظر إلى الحياة بكل ما فيها من تدفق وسخونة واحتدام وأحلام وإحباطات من خلال زاوية نظر سينمائية تتراصف فيها لقطات بأحجام مختلفة، تتوزع ما بين قريبة وبعيدة، منظورا إليها من زوايا ومحاور مختلفة ومتنوعة، وأحيانا تتداخل بعلاقة قائمة على المزج مع بعضها، ولا ينتهي في رؤيته عند هذا الحد، بل يستمر في عملية تركيبها إلى مشاهد تتوزع عموديا على فضاء اللوحة، وكأنَّ انحيازه في تشكيل خطابه إلى منطقة يتداخل فيها الرسم مع لغة الفن السينمائي محاولة منه للانزياح في دلالاته التشكيلية إلى منطقة تتغرب فيها، للخلاص من سطوة وصرامة الواقع المكتوم في داخله، لكن لوحته بالنتيجة تظهر على درجة عالية من الشاعرية رغم ما يختزنه من إداناتٍ، لربما تبدو في لحظة ما صريحة، وهذا ما تشي به الوجوه التي تتوزع في معظم لوحاته.

قوّة اللون

إذا ما توقفنا عند ألوانه سنجد في قوّة الأحمر والأسود والأزرق وتدرجاتها، طغيانا يمتد على مجمل لوحاته، ربما لا تلتبس على المتلقي في دلالاتها الواقعية، ولكننا إزاء هذا الإصرار على استثمار ما تختزنه من إيحاءات، نجدها تلتقي عند رؤيته وانحيازاتها الواضحة إزاء ما يصبو إليه الإنسان من الانسلاخ عن كل ما يكتم أنفاسه ويقمع أحلامه، فالعالم المغلق الذي يتشكل في مفردات لوحته، لن تكتمل صورته القاحلة في جميع الوجوه التي تحاصرنا بكل ما تحمله من أسى وغضب وألم وآمال، وفي كل ما يتدفق من علاقات متشابكة تهجس بها تفاصيل أثره الفني، دائما ما كان هناك صراع داخلي ساخن مخبوء خلف تلك الوجوه، التي غالبا ما تبدو مثل أقنعة، لشدة ما تكدس عليها من أعباء مضنية، لكنه يأخذنا بتدرجات ألوانه إلى مستويات أخرى من بناء اللوحة، إلى ناحية الشعور بصرامتها وإصرارها على ان تتجاوز الورطة الثقيلة التي وجدت نفسها فيها، فلا يتردد رغم عتمة ما يحيطها من استلاب لكينونتها الإنسانية من ان يجعلها تحلق راقصة في أحلام يقظتها الملونة، مستعيدة بليونة حركتها مفردات براءة طفولتها، واللون لديه (الأحمر والأسود والأزرق) يجيش بكثافة رمزية، تتوزع إيحاءات دلالالتها على مساحات محددة من اللوحة بمعان مراوغة، لكنها مضادة في صراحتها.

الشكل ونزعة التمرد

ضياء ربيع الذي يقيم في هولندا منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، يبدو مأخوذا في تجربته بقوة الشكل ولاسيما ان حِدَّة خطوطه آتية من حساسيته العراقية، بكل ما يختزنه الزمن في بيئة بلاد ما بين النهرين من نزعة تراجيدية، ويبقى نصه البصري مفتوحا على الحاضر بقدر ما هو حريص على ان يتسلل الماضي إليه برموزه وأساطيره وحكاياته، ومن غير الممكن على المتلقي إلاَّ أن يشعر بنزعة التمرد الكامنة في لوحاته.
سيرته الذاتية تشير إلى انه ولد في مدينة كربلاء عام 1961 وتخرج من كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد 1984 ثم غادر العراق صوب أوروبا ليستقر في العاصمة الهولندية منتصف تسعينات القرن الماضي وليواصل مشواره في عالم الرسم .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية