أريكة في غرفة النوم

«غرفة النوم» ليست تسمية بسيطة كما يُعتقد، بل هي تسمية معقدة تتطلب كي نفهمها جملة من المعلومات منها ما يرتبط باللغة، ومنها ما هو مستقل عنها. فَفَهْمُ هذه العبارة واستعمالها في لغتنا اليومية يتطلب منا معالجة خاصة أولها أن يكون هناك متصور يحيل عليه هذا الاسم المركب وثانيها ثقافة تفهم هذا المتصور بالشكل الذي ينبغي فهمه. وثالثها إطار عرفاني هو بمثابة الخلفية الثقافية التي تكون لهذا المعنى كي يسهل فهمه وتداوله.
غرفة النوم هي جزء من الاستعمالات اليومية الحديثة في الثقافة العربية، تتطلب ما يسمى بالإطار العرفاني وهو المحيط الذي يتطلبه فهمنا لعبارة بأن نربطها بسياقها الثقافي والتداولي، الذي تستعمل فيه. فغرفة النوم تتطلب كي نفهمها إطارا كاملا من المعلومات، منها ما يتعلق بهندسة المنزل المعاصر الذي يتألف من غُرف لها وظائف مختلفة وأدوار معلومة، إذ يستغلها المقيمون فيه لأنشطتهم المنزلية، وهذا ما يجعل غرفة النوم فضاء خاصا بالنوم، وله بالتالي أثاث يؤدي هذا الدور ويجعله يختلف عن غرفة الجلوس، أو عن بيت الاستحمام مثلا. الإطار الأول هو إذن هندسة المنزل الحديث، والإطار العرفاني الثاني هو إطار النشاط البشري الوظيفي في المنزل، يضاف إلى ذلك إطار عرفاني ثالث فرعي هو مؤسسة الأسرة أو الزواج، إذ غالبا ما يفهم من غرفة النوم أنها غرفة يشترك فيها زوج، ومن هنا اكتسبت هذه الغرفة حميميتها في بعض الدلالات الحافة.
الفكرة الأساسية من الإطار هي أنه لا يمكن للمرء أن يفهم معنى كلمة واحدة دون الوصول إلى كل المعرفة الأساسية التي تتعلق بتلك الكلمة، على سبيل المثال، لن يكون المرء قادرا على فهم كلمة بيع، دون معرفة كل المعلومات المتعلقة بحالة المعاملة التجارية، التي تتضمن أيضا البائع والمشتري والبضائع والمال والعلاقة بين المال والبضائع، والعلاقات بين البائع والبضائع، والعلاقة بين المشتري والبضائع والمال وغيرها من العلاقات.
لذلك لم يكن جدي، رحمة الله عليه، ليفهم عبارة «غرفة النوم» على بساطة دلالتها، فجدي كان له بيت وحيد مع أشقائه في دَارَةٍ لكل أخ متزوج فيها غرفة تظله هو وزوجه وأولاده؛ وكان هناك مطبخ مشترك يسمى «النوالة» هي مكان مشترك للطبخ على نار حطبها مشترك، تحضره النسوة من الغابة المجاوة بالتداول. لم يكن جدي يفهم غرفة النوم لا بما هي مركب من (غرفة) و(نوم) فهذا من الممكن فهمه، لكن الإطار الذهني الذي كان يحتكم إليه جدي ليس فيه هذا التوزيع لمنزل ذي غرف عديدة على ملك أسرة مضيقة وحيدة، ولكل غرفة دورها ووظيفتها. الخلفية الثقافية التي كانت لجدي، أن الغرفة الوحيدة كانت للنوم وللجلوس وللحديث وللخصام ولكل شيء، ولم يكن النوم شيئا مفيدا أو مقصورا على ذلك البيت. كان الفراش في تلك الغرفة عبارة عن دكة تبنى من الحجارة وتفرش بما توفر من البُسُط. كان جدي يجلس على الدكة يدخن أو يشرب الشاي قبل أن ينام وكانت الحصر المفروشة في الأسفل مبيتا لبقية أفراد الأسرة. لا أتذكر أين كانت جدتي تنام، لأنني في المناسبات القليلة التي كنت أنام في ذلك البيت، كانت الجدة تنام بعد أن أنام، وتستيقظ لإعداد خبز الرقاق قبل أن أستيقظ، ليس في ثقافتنا القديمة تلك مكان لمِكْسَال الضحى.

على الأريكة في غرفة النوم يمكن أن تتحدث، أو تقرأ، ويمكن أن تنام أو تشاهد التلفزيون، لكنه يظل دائما قطعة أثاث مهاجرة من مكانها الأصلي، لأنه لم يحترم تنظيم الأماكن ولا وظيفية الأثاث الأساسية.

الإطار الذهني الذي نفهم فيه عبارة «غرفة نوم» ضروري لا فقط لفهم هذا المركب، بل كذلك لتقييمه وتعليله في أي سياق من سياقات الاستعمال الذي توجد فيه هذه العبارة. هذا الإطار يلعب دورا مهما في قيادة فهمنا، وفي توجيه أنظارنا إلى أي معنى ينبغي فهمه، لكن علينا أن نبين أن طبيعة هذا الإطار تكون استعارية ففي «غرفة النوم» علينا أن نفهم من هذا الاستعمال أنها ليست غرفة يوجد فيها النوم، ويكفي أن ندخلها كي ننام فالنوم فيها آلي؛ هذا بالطبع معنى حقيقي لكنه دون إطار عرفاني مستمد من ثقافتنا، سيكون فهما مضحكا إن فهمناه على الحقيقة. فالإطار العرفاني يعدل لنا هذا الفهم الآلي بأن يكون النوم ههنا مفهوما على أنه النشاط المهيمن الذي يكون لنا في هذه الغرفة، وإلا لا مانع من أن يكون لنا في هذه الغرفة أنشطة أخرى مثل القراءة قبل النوم، أو الجلوس على أريكة في غرفة النوم لمشاهدة التلفزيون والاسترخاء قبل الانتقال إلى فراش غرفة النوم.
موقع الأريكة الأصلي هو غرفة الجلوس، أو الصالون، لكن من الممكن أن نضع في غرفة النوم أريكة، لكن ليس من الممكن وفق الذوق السليم أن نضع فراشا في قاعة الجلوس، يمكن أن نستعمل قاعة الجلوس للنوم في بعض الظروف الطارئة، لكن تظل تلك القاعة قاعةَ جلوس، ويمكن أن نجلس على الأريكة مطولا وننام عليها ونحن في غرفة النوم، لكنها تظل رغم ذلك غرفة نوم. تغليب الوظيفة هو الذي يتيح لنا أن نستعمل أثاث مكان في وظيفة بشرية ليست له، لكن الثقافة أو المواضعة هي التي تسمح لأريكة أن تدخل غرفة نوم، ولا تسمح لفراش أن يقتحم قاعة جلوس.
غرفة النوم هي أيضا عبارة فيها عملية عرفانية أخرى وهي المَقْولة، وهي تصنيف هذا المكان بالنسبة إلى ثلاثة مستويات المستوى الأعلى وهو المنزل، والمستوى الذي تكون فيه الغرفة، غرفة النوم بالنسبة إلى وظائف بقية الغرف الأخرى والمستوى الفرعي، وهو مستوى مكونات غرفة النوم المتألفة من فراش وخزانة ملابس وطاولة الزينة والطاولة الجانبية. في هذا المستوى الفرعي من التصنيف لا توجد أريكة، فهي قطعة من الأثاث غير ضرورية، أو ليست طرازية في تركيبة غرفة النوم. لكن لا أحد يمكن أن ينفي زعمنا، أن الفراش في غرفة النوم هو قطعة طرازية تتحدد بالنسبة إليها بقية عناصر الأثاث، والفراش هو في هذا السياق أكثر طرازية من خزانة الملابس وبدرجة أقل تكون طاولة الزينة. في غرفة النوم من الأثاث الطرازي المجموع ما يحتم توفر قطع معينة من الأثاث حتى تكون كذلك. في غرفة نوم خالية من طاولة الزينة، يمكن أن يفهم مثلا أنها غرفة لرجل أعزب، لكن لا يمكن أن يدل توفر طاولة للزينة في غرفة نوم أخرى على أنها غرفة لامرأة عزباء. الفراش المزدوج قد يكون طرازا في غرف النوم، لكنه لا يدل بالضرورة على أن الغرفة يمكن أن تكون للمتزوجين، فالأعزب المستعد للزواج، أو الطليق يمكن أن يحافظ على فراشه المزدوج، ويمكن أن يختار المتزوجان فراشين فرديين وهذا ربما كان موضة.
المشكلة ههنا إدراكية ولغوية في آن واحد، لأنني لو أردت أن أصلح أريكة غرفة النوم لاستعملت لها مركبا مطولا يدل على أني أميزها عن غيرها من أرائك غرفة الاستقبال أو الصالون، ولن أحتاج إلى أن أضيف الأريكة إلى غرفتها عند الحديث عن أريكة من أرائك غرفة الجلوس، سأقول مثلا الأريكة الصغرى أو الكبرى وهكذا فإن التصنيف هو في الحقيقة ضرورة نابعة من خلفية تجريبية تامة، تضع في الحسبان الخلفية الثقافية التي يتداول في سياقها الكلام.
على الأريكة في غرفة النوم يمكن أن تتحدث، أو تقرأ، ويمكن أن تنام أو تشاهد التلفزيون، لكنه يظل دائما قطعة أثاث مهاجرة من مكانها الأصلي، لأنه لم يحترم تنظيم الأماكن ولا وظيفية الأثاث الأساسية. تهاجر قطعان الأثاث من مكانها الطرازي إلى مكان غريب عنها في الأصل، رغبة في تعديد الوظائف في الإطار الأصغر من المنزل، كأن الإنسان الذي يريد أن يخصص لكل غرفة وظيفة من وظائف أنشطته في البيت يريد لو يجمع بعضها في مكان حنينا لعادة قديمة تشبه عادة جدي على دكته. إذا رأيت أريكة في غرفة نوم اجلس ولا تفكر كما يفكر اللسانيون.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية