لندن ـ «القدس العربي»: أثار عرض فيلم «أصحاب.. ولا أعز» للمخرج اللبناني وسام سميرة، على منصة نتفليكس الكثير من الجدل المحتدم والصدام وصيحات التنديد، لما اعتبره البعض إساءة لقيم المجتمع العربي، أو المجتمع المصري، وغيرها من مطالبات المنع والحجب للغيرة على قيم مفترضة يعتقد أن المجتمعات العربية يجب أن تحافظ عليها. ولم يجل في خاطر أصحاب هذه التنديدات، أن الفيلم هو نسخة مُعربة من فيلم إيطالي في الأساس، أُعيد إنتاجه في العديد من النسخ والدول بصورة تكاد أن تكون متطابقة. يمكننا القول إن الفيلم يتناول قضايا وثيمات ومشكلات اجتماعية تنسحب على العالم بأسره، وليس على مجتمع بعينه.
الهاتف المحمول، هذا الجهاز الصغير الذي يحوي أسرارنا، والذي يعرف عنا أكثر مما يعرف أقرب المقربين منا، وسطوته علينا، هو أمر يعيشه العالم بأسره وليس المجتمع العربي وحسب. أما عن ماهية هذه الأسرار، التي اعتبر البعض أنها تسيء للمجتمعات العربية، أو المجتمع المصري، فهي قضايا تعيشها مجتمعاتنا مهما حاولنا إنكار وجودها أو التعامي عنها.
في «أصحاب.. ولا أعز» نحن بصدد سيناريو يكاد يتطابق مع النسخة الأولى الإيطالية للفيلم، الذي كان تحت عنوان «أغراب بصورة تامة» وهو من إنتاج عام 2016، أخرجه الإيطالي باولو جينوفيزي. يمكننا القول إن «أصحاب.. ولا أعز» هو إعادة إنتاج للفيلم الإيطالي، لكن بنسخة ناطقة بالعربية، يؤديها ممثلون عرب.
الفيلم في نسخه الكثيرة يسعى إلى تحقيق مشاهدات عالية، وإلى أن يكون فيلما جماهيريا إلى حد كبير، ومن هنا جاء اختيار ممثلين يتمتعون بالكثير من الشعبية والرواج في العالم العربي، ومن بينهم المخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي والممثلة المصري منى زكي والممثل الأردني إياد نصار.
القضايا التي يطرحها الفيلم ليست قضايا جديدة، فقد تناولت السينما العربية من قبل قضايا مثل العلاقات خارج إطار الزواج، والعلاقات المتشابكة بين الأصدقاء، وغيرها من القضايا المسكوت عنها في المجتمع، لاسيما المثلية الجنسية. ربما ما جعل الفيلم صادما للبعض هو، أن الفيلم يسلط الضوء على هذه العلاقات جميعا في آن واحد. وربما من هنا جاءت الرغبة لدى البعض في إنكار أن ما يدور في تلك الأمسية، في بيت من بيوت بيروت، بين مجموعة من الأصدقاء، الذين يمكننا أن نتماهى مع تكوينهم الاجتماعي والطبقي والثقافي، يمكن أن يدور في بيوت بعض منا، إذا قررنا الكشف عما تحمله هواتفنا المحمولة من أسرارنا. وربما تكون المفارقة التي يطرحها الفيلم هي، أن الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، كان السبب لإنتاجها هو توثيق الأواصر بين الناس، وتيسير التواصل بينهم، فأصبحت وسيلة لإخفاء الأسرار، ولكي تظهر الناس خلاف ما يبطنون. لكن الفيلم لا يدعي، في أي حال من الأحوال، أنه أُنجز لمناقشة القضايا الجسام، أو لإقناعنا بجدوى التواصل الصريح بين البشر أو عدمه، بل يضعنا الفيلم في مواجهة مع ذواتنا ومع مجتمعنا المقرب من الأصدقاء، ومع المجتمع بصورة عامة.
فور عرض النسخة العربية من الفيلم ومشاهدة الجمهور المصري العريض لها، سواء عبر الاشتراك في نتفليكس في نسخ مقرصنة، هاج الكثيرون وماجوا ونندوا وشجبوا، لأن الفيلم «خدش حياء» البعض وأثار حميتهم وغيرهم على قيم مجتمعية مفترضة.
يبدأ الأمر بلعبة للتسرية عن مجموعة من الأصدقاء في أمسية جمعتهم في منزل أحدهم للعشاء وللسهر لمشاهدة خسوف القمر. تتوإلى رسائل الهاتف والاتصالات على الهواتف فتتكشف الأسرار الواحد بعد الآخر. لا يولي الفيلم أيا من القضايا التي يتطرق إليها اهتماما كبيرا، ولا يهتم حتى بالتعمق في خبايا المجتمع أو قضاياه الشائكة. غاية ما يمكننا قوله عنه إنه فيلم يمكننا أن نمضي معه ساعة ونصف الساعة من الزمن، دون أن نشعر بالملل. هو فيلم يمكننا القول إنه يستميلنا للمشاهدة بإثارة فضولنا عما يمكن أن يحدث لو قررنا في جلسة جمعتنا بأصدقائنا أن نكشف ما تحويه هواتفنا من أسرار. يمر الفيلم بقضايا مثل كيفية تعامل الآباء مع الأبناء، وتعامل المجتمع مع المثلية الجنسية والعلاقات بين الأزواج، يمر بها مرور الكرام. يطرحها على سطح الفيلم، دون أن يتعمق في أي منها، أو يُفرد لها مساحة واسعة.
«أصحاب.. ولا أعز» أو أي من نسخه الأخرى، فيلم يعتمد في المقام الأول على فكرة تثير الفضول، على فكرة تشبه جلسة نميمة تكشفت فيها بعض الخبايا التي لم نكن نتوقعها. حوار الفيلم يسير سهلا يمكن نقله من لغة لأخرى، دون الكثير من العناء. نحن بصدد قالب يعتمد التكرار ولا يحوي من العمق الكثير، لكنه قادر على التسلية واجتذاب المشاهدين، وهذا أمر لا يعيبه.
ويجدر بنا هنا القول إن العديد من المشاهدين في العالم العربي شاهدوا النسخة الإيطالية للفيلم، دون أن يصابوا بالصدمة أو يتحدثوا عن «قيم المجتمع» التي خدشها الفيلم، فما يحدث في أوروبا لا يحدث في مصر أو الدول العربية، أو هكذا يخال البعض.
فور عرض النسخة العربية من الفيلم ومشاهدة الجمهور المصري العريض لها، سواء عبر الاشتراك في نتفليكس في نسخ مقرصنة، هاج الكثيرون وماجوا ونندوا وشجبوا، لأن الفيلم «خدش حياء» البعض وأثار حميتهم وغيرهم على قيم مجتمعية مفترضة. ويمكننا تفسير ذلك بأن المشاهد المصري والعربي اعتاد أن يقتات على ما يُعرف بـ«السينما النظيفة» تلك السينما التي لا تكشف مستورا، والتي يمكن لجميع أفراد الأسرة الالتفاف حولها، دون أن يروا عوارا في المجتمع، وبمجرد رؤية صورة مغايرة للمجتمع هاج الكثيرين وماجوا لما اعتبروا أنه تقديم صورة شائهة للمجتمع وقيمه.