ضريح ايمدغاسن في الجزائر شاهد على ازدهار حضارة النوميديين

رضا شنوف
حجم الخط
6

الجزائر ـ «القدس العربي»:  ضريح ايمدغاسن أو مادغيس، يعود لأحد ملوك الأمازيغ الذين تركوا بصماتهم خلال الحقبة النوميدية ما قبل التاريخ، وخلده قومه ببناء أحد أضخم الأضرحة، ويعتبر الأقدم بمنطقة شمال أفريقيا، وهو ما أثار انتباه وفضول المؤرخين والباحثين عبر التاريخ لاستكشاف مكنوناته، غير ان الضريح بالرغم من أهميته التاريخية والفنية إلا أنه يواجه خطر الزوال بسبب عوامل الطبيعة ويد الإنسان.

يقع ضريح ايمدغاسن ببلدة بومية حوالي 30 كيلومترا غرب محافظة باتنة عاصم الأوراس، ويبعد حوالي 470 كم شرق العاصمة الجزائر، وحسب الباحثين في علم اللغة الأمازيغية فإن اسم مدغاسن، ينقسم إلى قسمين، وهما، «مدغ» ويعني اسم الملك صاحب الضريح، و«سن» وتعني العدد اثنين في اللغة الأمازيغية، أي الملك مدغ الثاني. وهو أحد أقدم أسلاف القبائل البربرية الذين عاشوا شرق الجزائر، وبنى قومه هذا الصرح تخليدا له في القرن الثالث قبل الميلاد، ما يعكس مكانة الملك ايمدغاسن بين أفراد قبيلته، وأيضا المستوى الذي بلغته حضارتهم في تلك الحقبة، والتي تكشف عن تفاصيل التحفة الفنية والهندسة العالية التي بنوا بها الضريح.
وبني ضريح ايمدغاسن على شكل مخروطي يرتكز على قاعدة أسطوانية بقطر 59 مترا، ويزن 60 عمودا بعلو 19 مترا، تحيط به بشكل دائري، ويضم ثلاثة أبواب منقوشة على الحجر وغرفة جنائزية، هي مرقد الموتى، ومن الأعلى يتخذ الضريح شكلا مخروطيا، تماما مثل الضريح الملكي الموريتاني المشهور بقبر الرومية الواقع بمحافظة تيبازة غرب العاصمة الجزائر، وأهرامات دجدار الواقعة بمحافظة تيارت جنوب غرب العاصمة الجزائر، ما جعل الباحثين وعلماء الآثار يجمعون على ان الأمازيغ في تلك الحقبة كانوا يبنون أضرحتهم وفق هذه الهندسة.
الضريح شيد بحجارة ضخمة مصقولة بدقة تحمل بعض حجارته الكتابات والرسومات، يجمع في هندسته بين العمارة الفرعونية والإغريقية، مما يدل على تأثر تلك المرحلة بالحضارات الشرقية، الأفريقية والقرطاجية، وكانت تختلف عمارتهم بشكل كلي عن العمارة الرومانية التي انتشرت بعد الغزو الروماني للمنطقة. وكان يوجد حول الضريح الملكي حوالي عشرة أضرحة بربرية أخرى، مدفونة في محيط يمتد على مساحة 500 متر، لكن لم يبق لها أي أثر اليوم بسبب العوامل الطبيعية التي محتها من الوجود.
وتقدمت الجزائر سنة 2002 بطلب إلى منظمة «يونيسكو» لتصنيفه ضمن قائمة التراث العالمي المادي، وتصف المنظمة الضريح بأنه «يعود لواحد من أعظم ملوك نوميديا، يحوي نقوشا بونيقية وإغريقية» وكانت قد صنفته الجزائر كتراث جزائري محفوظ سنة 1967م، وتم تصنيفه كمعلم أثري ضمن قائمة الأضرحة الملكية على مستوى الجزائر منذ سنة 2002. وفي سنة 2012 تم تصنيف الضريح من بين 100 معلم الأكثر عرضة للخطر من قبل الصندوق العالمي للمعالم.

ايمدغاسن بعيون العلماء والباحثين

ويعتبر المؤرخ الأندلسي أبو عبيد البكري (1030-1094) أول من وصف الضريح النوميدي باسم قبر مدغوس، خلال وصفه لشمال أفريقيا في رحلته التاريخية، حيث يقول إن ايمدغاسن كان ملك البلاد وأنه في الماضي قد أعطيت أوامر لعدد كبير من الأفراد لتدمير النصب ولكن النتيجة لم تنجح. كما تحدث البكري عن النقوش الجميلة التي زينت الضريح التي تمثل مختلف الحيوانات وتوجت قمته بشجرة أو هيكل، لكن لم يبق أي أثر لمثل هذه النقوش حاليا.
أما المؤرخ ابن خلدون وفقا لمراجع المؤرخين البربر، فكان ايمدغاسن سلفا للنوميديين، ويستشهد بان ايمدغاسن سلف من البربر في فرع بوتر (بوتر هو لقب ايمدغاسن، ابن خلدون، تاريخ البربر): زناتة (قبيلة) بنو يفرن، المغراويون (أيمغارين) جيراوا، الزيانيون، المرينيون، إلخ. ايمدغاسن أيضا سلف صنهاجة (زيريون، حماديون، المرابطون) وغيرها من قبائل كتامة البربرية، الخ.
وتقول الأساطير وفق الموروث غير المكتوب، بان الملكة الأمازيغية الشهيرة الكاهنة أو ديهيا، كانت تداوم على زيارة الضريح وتتبرك به، حيث انها تنحدر من قبيلة زناتة وهي نفس قبيلة الملك ايمدغاسن .
وكما اهتم الباحثون وعلماء الآثار في الغرب بالضريح وتاريخه، حيث وصفه الباحث الفرنسي رابي كاهين في كتابه «مدغاسن» إنه كان «واحدا من ملوك نوميديا، ويشكل ضريح ايمدغاسن أقدم وأجمل وأهم المعالم، فهو أقدم من الضريح الملكي الموريتاني قرب العاصمة وقبور الجْدار قُرب وهران».
أما مواطنه الباحث موريس بيكر، فيقول في كتابه «مدغاسن، الضريح الأفريقي» إن هذا الضريح «هو مدفن لعدد من ملوك الأمازيغ، ومنهم ماسينيسا نفسه أحد أعظم الملوك النوميديين، ولا يزال هذا الضريح يحوي الكثير من الأسرار التي لم نتمكن من كشفها».
وخلصت أعمال وأبحاث الباحثين الأمريكيين إليزابث فنترس ومايكل بريت، في كتابهما «البربر» إلى أن ايمدغاسن «هو ثمرة إرادة وتنظيم محكم للجهود البشرية والمادية، والمعرفة التي كان عليها الحرفيّون النوميديون الماسيسيليون وقادتهم، الذين جسّدوا هذا البناء».
وخلال فترة الاستعمارية الفرنسية للجزائر، أجريت عمليات تنقيب وحفر سنة 1854 وتم العثور على عدد قليل من القطع الأثرية من قبل الفريق المسؤول عن العملية، حيث عثروا على قلائد، وقطع من الجلد، وصوف، وقطع من النحاس وأساور، وأطباق خشبية وطين، وقطع من العاج ومصباح من الطين، وتم إرسال القطع الأثرية إلى متحف في باريس لكن لم يعرف مصيرها بعد ذلك.
وقادت الحفريات التي قام بها علماء الآثار الجزائريون عام 2013 إلى اكتشاف معرض تحت الضريح الأمازيغي، وفي نهاية هذا المعرض الذي يبلغ طوله 7 أمتار، تم أيضا اكتشاف أثاث جنازي مهم، منها فخار زجاجي، وقطعة من الفحم، وعملة برونزية.

معلم تاريخي مهدد بالزوال

الضريح الذي يعتبر الأقدم في شمال أفريقيا، طالته أضرار جسيمة على مستوى أجزاء رئيسية بسبب العوامل الطبيعية، بما فيها الأعمدة المعززة للمبنى بشكل مؤقت تعرضت للتآكل بسبب الأمطار، وليس فقط عوامل الطبيعية من كانت وراء الحالة التي وصل إليها بل أيضا يد الإنسان التي عبثت به، كلها عوامل أحدثت تصدعات وانهيار أجزاء من القبة والجدران للضريح، ما أدى إلى تسرب مياه الأمطار داخل المبنى.
وفي هذا السياق يوضح الخبير في علم الآثار عبد الرحمان خليفة، أن مشكل ضريح ايمدغاسن يتمثل في «الأضرار الكبيرة التي تم إلحاقها بقبة المعلم بعد تحطيمها لتصبح منفذا لتسرب مياه الأمطار إلى غاية عمقه بما في ذلك الغرفة الجنائزية ومن ثم قاعدة المعلم التي تعاني من الهشاشة».
وكان الضريح قد تعرض، حسبما تم ذكره في كتابات تاريخية، لمحاولة الهدم بعد نزع مثبتات الرصاص (قوالب حجرية توضع فيها قطع خشبية ثم يصب عليها الرصاص لتكتسب القوة) التي كانت تربط بين كل حجرين من الضريح من القاعدة رغم ذلك استطاع الضريح الصمود.
في المقابل بذلت جهود عدة من أجل ترميم الضريح، والمحافظة عليه كمعلم يخلد إحدى الفترات الزاهية للحقبة النوميدية وإنجازات الأمازيغ خاصة بمنطقة المغرب الأوسط، غير أن هذه الجهود لم يكون لها الأثر الكبير ويبقى الضريح معرضا لخطر الانهيار. وأولى عمليات الترميم كانت ما بين 1972 و 1973 من طرف لجنة مشتركة جزائرية إيطالية تم خلالها محاولة تثبيت أجزاء من الضريح.
وأطلقت عدة مشاريع بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي لصيانة وترميم العديد من المواقع الأثرية في الجزائر شملت ضريح ايمادغسن بميزانية قدرت بأزيد من 21 مليون أورو، ومشروع تأمين وتثمين في إطار برنامج دعم وتثمين التراث الثقافي ضمن اتفاقية بين الاتحاد الأوروبي والجزائر في سنة 2016 كما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية مشروعا قيمته 175 ألف دولار لترميم الضريح بالتعاون مع وزارة الثقافة الجزائرية.
وفي شباط /فبراير2021 أعلنت وزارة الثقافة والفنون رصد غلاف مالي قدره 150 مليون دينار (مليار سنتيم) لترميم الضريح.
إلى جانب أعمال الترميم تقام عدة نشاطات ثقافية ورياضية تهدف إلى الترويج للمعلم السياحي من جهة كقبلة سياحية، ومن جهة أخرى التحسيس بأهمية المحافظة عليه وصيانته، من خلال تنظيم مارثون ايمدغاسن.
ويحمل ايمدغاسن اسم مهرجان سينمائي دولي للفيلم الروائي القصير المنتظر ان يشهد طبعته الثانية شهر اذار/مارس المقبل، وبخصوص الأهداف من وراء اختيار هذا الاسم للمهرجان، يقول مدير الإعلام للمهرجان عبد الحميد بوحالة في تصريح لـ«القدس العربي» إنهم يهدفون أن يبقى اسم ايمدغاسن هذا الموقع الأثري في «العقول ولا يتعرض للنسيان مع انه كان منسيا منذ مدة حتى تأسس مهرجان سينمائي دولي يحمل إسم هذا الضريح. فمنذ الدورة الأولى للمهرجان السنة الماضية أعطى المهرجان للجمهور والمشاهد والمتتبع صورة جميلة عن مواقع أثرية هامة وعريقة في المنطقة» إلى جانب «إعطاء هذا الضريح العناية والاهتمام والمحافظة عليه وفي برنامجنا السنوي ضمن المهرجان تم تخصيص زيارة نجوم الفن السابع لهذا المعلم التاريخي والتعريف به أكثر من خلال وسائل الإعلام التي ترافق المهرجان في كل طبعة، وأيضا لفت انتباه الوزارة والوصاية والمهتمين بالتراث المادي وغير المادي بأهمية هذا الضريح وتاريخه وقصته».
وحسب المتحدث فإنه «بفضل المهرجان تحول الضريح إلى مزار لعديد المهتمين بالسياحة والآثار ووصل صدى التغطية الإعلامية للمهرجان لكافة أنحاء العالم. يكفي ان محرك غوغل عند أهل السينما الذين يهتمون بالمشاركة في المهرجان يبحثون عن هاته الكلمة». ويكفينا شرفا يقول مدير إعلام المهرجان «أننا ساهمنا بهذا المهرجان في تحرك السلطات والمتمثلة في الوصاية بتخصيص غلاف مالي لترميمه وكذالك مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية بمنحة مالية لإنقاذ الضريح من الانهيار وهذا كله يدخل في صلب أهدافنا وبرنامجنا في المهرجان».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية