أجلس في شرفة لا شرقية بل غربية، في حي كان راقيا، فصار بعد العولمة شعبيا بيد أنه ما يزال يعيش على سمعته القديمة كنبيل فقد ثروته في ليلة قمار. أجلس وأحتسي قهوة مرة، وأفكر في أشياء تافهة كثيرة، لا تنشّط ذهني ولا تسذّجه. الشمس التي أنعم بها تلاعب ظلي وتجعلني أبحث عنه فلا أجده.. حتى الظلال يصيبها ما يصيبنا من كلال، لذلك قد تتمدد حين تتمرد، وقد تنكمش حين تشعر بشيء يسميه أصحابها الانكسار.
أقف وأطل على الأسفل الذي بدا وكأنه أرض ميعاد قديمة يلتقي فيها آلاف الغرباء بلا موعد، وقد يتكلمون كعادتهم بلا منهج وقد يضحكون ملء أشداقهم كأنما هدف الغريب أن يضحك الغريب ويمضي. حين قال محمود درويش: «أطل كشرفة بيت على ما أريد» لم يكن بلا شك في حالة لساني مثلي، يطل من الشرفة على ما لا يريد فليس في مشهدي أصدقاء ولا نورس ولا شاحنات جنود، ولا أطل على كلبي جاري المهاجر من كندا منذ عام ونصف العام. أطل أنا فأسمع كلاما وأرى مشاهد تستحيل لغات عليّ أن أفك شيفراتها.
أسمع من بعيد صوت قطار لا يصفر ولا يولول، بل يرسل صوتا كناقوس بيت أكله الصدأ فبات يحشرج، غير أن حشرجته مضخمة قليلا تصدر فتنبه بالصوت من سها عن صورة القطار المقبل من قريب. أفهم أنا البعيد المطل من الشرفة أن هناك من يقطع السكة وهو ينبهه إلى أنه مقبل، أو أنه ينبه سيارة من السيارات التي تركت الطريق وباتت تقاسم القطار السكة، مثلما يقاسم قط متسكع من يقاسمه من المساكين الغطاء في العراء. أنا لا أرى القطار ولا أرى قاطع السكة بشرا، أو سيارة، لكني أستعمل معرفتي بالناس وسلوكهم وأستحضر، باستعمال الذاكرة وما خزنته من وضعيات حية مماثلة عشتها، فأبني ما غاب عن ناظري اعتمادا على أصوات هي في الأصل مُدخلي إلى هذا البناء، الذي يغيب مشهده عني ويلتقطه سمعي. وأجنح بخيالي قليلا لأستعير منظر القط والشريد في ليل الثلج والجليد.
لو كنت في شرفة بيتي الذي في القرية، وسمعت رنين ناقوس قطار لتعجبت وحق لي العجب، أو لسكّنت جزعي بأن أقول إن ذلك الصوت ينبعث من فيديو أو من تلفزيون قريب، أو لبحثت عن تأويل آخر له يتناسب مع ما يوجد في القرية من أشياء يمكن أن تحدث ذلك الصوت. ليس في قريتي قطار ولا سكك حديد ولا سيارات بتلك الكثرة التي لا تجد لها مكانا في الطريق لتبحث عنه على سكة القطار. لكن ليس في قريتي مشردون في الشوارع ولا قطط ضالة، ربما وجد ذلك وأنا لا علم لي بما يحدث، أو أن شخصا ما لم يحدثني بأنه يوجد مثل ذلك في قريتنا. أنا لا أبني الوضعيات التي تحدث في الشارع، إلا إذا رأيتها أو حدثوني بها.
أطل من شرفتي الحضرية، فأبصر أضواء المرور، ويزيدها سمعي اختناق صفارة الشرطي. في لغة المرور يتوقف فعل الضوء بصفارة الشرطي، أو بحركته أو بهما معا. عجيب أمر الصفارة تلك، ليس فيها ما في قوانين المرور الضوئية أو علاماتها الثابتة من النظام الدقيق، لكنها في هذا الجو من التصويت الاعتباطي، تقوم بدورها كما ينبغي، وتعضدها حركات يدي الشرطي التي توقف هذا الفوج من السيارات وتحرك الثاني.
أجلس على كرسي الشرفة وأشعر بأن الشمس ستؤذن بالغياب، أبحث من جديد عن ظلي فلا أجده، وأتناساه باحثا بعيني عن شيء ينسيني هذا الغياب. أمامي لافتات إشهارية لمواد استهلاكية كأني أراها لأول مرة. يمكن أن تعرف فقر المدينة وثراها من لافتاتها الإشهارية، فإن تملأ مدينة بمعلقات المعجنات مثلا، ليس كأن تملأ بمعلقات السيارات، وأن تغيب في مدينة معلقات الأفلام والمسرحيات والمعارض واللوحات، فذلك يعني أنه لا ضفاف أخرى للحياة يمكن أن تسافر منها إلى متع الجمال. الإشهار لغة من لغات الشارع، التي يتفاعل عبرها الناس بطريقتين، إما بالانجذاب إليها والسعي إلى استهلاكها، وإما باللامبالاة كل طرف من هذين الطرفين يبني رد فعله بشكل مختلف.
أشعر بقشعريرة، ولم أنتبه وأنا أمارس قراءة لغة الشارع إلى الوقت الذي بدأ يسير باتجاه الليل، بحثت عن ظلي وأصررت هذه المرة على أن أجده.
لا تطل شرفتي التي في دارتي في قريتي على لافتة إشهارية، على بعض الجدران رسم هواة من الشباب لسيارات كبيرة ليس الغرض منها الإشهار، بل تحرير الموهبة والنزول بها إلى الشارع، هي رسالة تقول إننا نستطيع أن نرسم على هذه الجدران مثلما يرسم غيرنا في جميع أنحاء العالم على الجدران، هي ثورة الغرافيتي العالمية التي تريد أن تحرر الفن من أطره المغلقة، وتجعل الشارع مكان استهلاك فني مجاني لا تدفع فيه اليد إلى الجيب لتخرج فلسا، بل تدفع فيه العين مشهدا إلى الذهن كي يقلقه ليريحه بعد ذلك. الغرافيتي في شوارع المدن الكبرى في العالم تعبر عن قضايا أكبر من شوارع قريتي الصغيرة، التي يتبنى شبابها قضايا كونية معها شواغل محلية: تجد قضية التحرر جنبا إلى جنب مع شعار فريق الكرة الذي يهواه الرسامون. تعيش الأحلام الكبيرة في العقول الصغيرة متجاورة، ولا تجد أي إشكال في أن تعيش معا، رغم أنها لا تتعايش في الواقع. الوعي البسيط أو الأولي هو الذي يقرب ألفبائيات كثيرة، لا تقترب في الأصل؛ هو الذي يجعل اليساري مؤمنا من غير حرج أيديولوجي لأن الفروق لم تظهر أو لأن الحدود لم تفرق، أو قل إن لم تزرع أبجديات الخلاف فلماذا ترزع في الوعي العميق؟
تحت الشرفة تقف مجموعة من أعمار مختلفة تنتظر الباص، يبدو أنها تأخرت كثيرا.. أفهم ذلك من وجه منتظريها ومن سجائر تشتعل صبرا.. يشعل سيجارة ويدخن ويتكئ على عمود الكهرباء.. أنظر من علٍ إلى تصفيفة شعره، كانت فيها هندسة مميزة لكن الدخان الذي يحاول أن يصعد قليلا يتلاشى في خط أفقي متعرج.. يسأل شيخٌ ذلك الشاب شيئا لا أسمعه، فأرأه ينظر في هاتفه ثم يجيبه فأعلم أنه يسأله عن الساعة.. يحمل الشيخ حافظة شبابية يبدو أن ابنه كان يستعملها في المدرسة وتركها، فاستعاد الرجل توظيفها لتحمل أشياءه اليومية.. بدا لي أنه يحمل فيها زاده اليومي، وحاولت أن أقرأ علاماته التي يمكن أن توحي بعمله، فما وجدت شيئا يمكن أن يسعفني. في المدينة يحاول كل شخص أن يتخلص من علاماته الخصوصية التي تميز مهنته أو غيرها من عناصر الهوية الصغرى أو المهمشة. لم تعد العلامات تشتغل جيدا في إخبارنا عن هوياتنا الصغرى، لأننا أصبحنا نميل إلى التخفي وحمل الأقنعة خوفا على أنفسنا من أن تفضحنا هوياتنا البسيطة. العلامات التي بقيت تشتغل في هذا المجال هي العلامات التي يمكن أن تدل على ما يعلي من شأن أصحابها. سيارة من ماركة عالمية مثلا، يمكن أن تدل على رفعة الهوية الخصوصية.. اللباس من أشهر الماركات العالمية، يمكن أن يفعل ذلك لكن هناك من يأنس بهذه العلامات أو يؤنس بها، كي يستعملها في التغرير والابتزاز. تعود العلامة لتغرر بمتتبعيها مرة أخرى مثلما تغرر بهم كلمات عسليات.
أشعر بقشعريرة، ولم أنتبه وأنا أمارس قراءة لغة الشارع إلى الوقت الذي بدأ يسير باتجاه الليل، بحثت عن ظلي وأصررت هذه المرة على أن أجده.. تفاجأت حين رأيته في شرفة الجيران. ظلي الذي هو أيقونة من أيقوناتي يرسمني بخط متعرج ثم تركني لكي يتجاوز الحدود والمعابر، ويدخل إلى أماكن لا يمكن لي أن أدخلها أنا صاحبه، دون أن أعرض نفسي للتتبع. ظلالنا التي نعتقد أننا نحن أصول لها تتمرد علينا وتكتب – بما هي لغة تابعة تروم الاستقلال ـ أقدم نص في التحرر يذكرني دائما حتى وإن كنا تائهين بين أصداء لغة الشارع.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية