يحدث انعطاف إيجابي في مكانة إسرائيل الإقليمية، انعطاف وجد لها تعبيراً صارخاً في زيارات مسؤولي الدولة – وبينهم رئيس الوزراء السابق والحالي، ووزير الخارجية ووزير الدفاع – إلى السعودية، والإمارات ومصر والأردن والبحرين والمغرب، وفي خروج وفد أمني إلى السودان، وفي الطيران العسكري فوق السعودية. في أعقاب اتفاقات إبراهيم، تتعمق شرعية علاقات إسرائيل مع الدول العربية، من القطب الذي كان ممكناً فيه تبريرها بصعوبة كاضطرار مقابل إعادة الأراضي التي احتلت في 1967، إلى قطب علاقات الأمن الوثيقة واستخدام قوة، ومصداقية وقدرات إسرائيل كعنصر مهم للأمن القومي العربي. إن العلاقات والتطبيع التي اقترحت في مبادرة السلام العربية كجائزة لقبول الإملاءات الإقليمية والسياسية للعرب والفلسطينيين تقبل في المنطقة كمساهمة إسرائيلية لحماية العرب ورفاههم.
إن النزاع القومي عميق الجذور ومتعدد الأجيال، الذي ينطوي على عنصر ثقافي عاصف العواطف، اختبر في المسألة التاريخية المتعلقة بفهم الطرفين لمسألة “لصالح من يعمل الزمن”، فيما المقصود هو الميل التاريخي المتراكم في ميزان القوى: من يصمد على مدى الزمن، ومن يفقد عناصر مهمة من موقف المساومة لديه. يتعلق التركيز بالدافعية للمواظبة على الصراع: من يتلقى تعزيزات لتوقعاته المتفائلة يستمد منها قوى نفسية للموقف المصمم؛ ومن يشهد إخفاقات متواصلة يفقد قدرته على إقناع الجمهور بتحمل كلفة التجنّد المتواصل.
إن العناصر الراديكالية التي عملت في المئة سنة الأخيرة على تجنيد الجمهور العربي “من المحيط حتى الخليج للكفاح ضد إسرائيل، نجحت لسنوات طويلة في تغذية توقع بانتصار عربي رغم إنجازات إسرائيل المبهرة، بمعونة التوجه إلى البعد التاريخي. فقد استندت أساساً إلى فجوة المقدرات الهائلة وواست نفسها بالفكرة المتجذرة للتاريخ العربي، كمن استهدف العظمة منذ الأزل. وعلى حد نهجهم، حتى لو نجح اليهود في إقامة دولة في 1948 ودافعوا عنها في 1967 وفرضوا احتلالهم لـ “فلسطين” والقدس، وبنوا دولة حديثة ومتطورة، فلا تزال مقدراتهم بائسة مقارنة بمئات ملايين العرب حولهم، وهشاشتهم بارزة وقدرتهم على التنفس قصيرة. ثمة نفط ومكانة دولية لصالح العرب، والأساس قدرة الاحتمال غير المحدودة والتصميم الذي لا نهاية له. إسرائيل لن تصمد على مدى الزمن أمام تمسك العرب بمقاطعتها في المنطقة، والتهديدات العنيفة على حياة مواطنيها وعلى بقائها ونزع الشرعية عنها في الساحة الدولية، وفي أوساط الديمقراطيات الغربية.
للصراع العربي نجاحات عملية كثيرة؛ فقد نجح الراديكاليون في تجنيد الدول العربية لمقاطعة إسرائيل على مدى أجيال، وتواصل هذا عشرات السنين بعد معاهدة السلام الثورية مع مصر والاتفاق مع الأردن. ونجحت مقدرات النفط العربية، وأساساً في السبعينيات في تخريب مصالح إسرائيل الحيوية. الحروب المتكررة، والإرهاب الدائم، والاعتراف بأن التهديدات الوجودية واليومية، كلها ظواهر دائمة أضرت وآلمت المجتمع والاقتصاد. أما نزع الشرعية لدى المنظمات الدولية فقاس وخطير، والتشهيرات العابثة لإسرائيل دقت عميقاً في التيار المركزي في أوروبا، بل وفي دوائر لم تعد هامشية في الولايات المتحدة.
غير أن هذه النجاحات العملية تبرز عمق الفشل الاستراتيجي؛ فالعزلة الإقليمية تتبدد أمام ناظرينا في الخليج والمغرب، وفي تحسين العلاقات البارز مع مصر والأردن. الدول العربية المنتجة للنفط شريكة عملياً في التحالف مع إسرائيل. والحروب الكبرى انتهت، والخطر الإيراني خطير ولكنه يهدد العرب خصوصاً ويقربهم من إسرائيل. في حرب الإرهاب المطلقة (“الانتفاضة الثانية”) تحطم المجتمع الفلسطيني الذي اتخذها هو بالذات. والعزلة في المنظمات الدولية لا تقوض مكانة إسرائيل المتينة في أوساط الجهات المقررة في الساحة الدولية، وضرر التشهير في الديمقراطيات الغربية محدود.
وفوق كل ذلك، تعتبر إسرائيل في نظر سكانها، وفي نظر الدول الرائدة في العالم، وبقدر متزايد في نظر العرب أنفسهم، قصة نجاح صارخة تثبت قدرتها على التصدي لتحديات هائلة. بالتالي، الزمن “يعمل” لصالحها.
بقلم: دان شيفتن
إسرائيل اليوم 8/2/2022