فلسفة النقطة والإشعاع والتلاشي في تكوينات العراقية أنمار مرآن

(كل ما يقع عليه البصر فهو نقطة بين نقطتين)
الحسين بن منصور الحلاج

يعد الخوض في ماهية الشيء والوجود كفلسفة أو أي اعتقاد من قبل الآخر إن كان مفكرا أو فنانا أو كهنوتيا، وهو بمثابة جدل لا ينتهي عند نتائج وملموسات وحقائق نهائية، يمكن أن تكون حتمية معرفية أو معيارية، لذا يعطي الدرس الفلسفي جوا وطقسا روحيا وصوفيا، يتيح للباحث فيه أن يستعمل كل الأدوات والوسائط المحسوسة وغير المحسوسة، والفنان بصفته عارفا وارتدى جلبابه الصوفي اللوني قد لا يخرج عن هذه المفاهيم والأبجديات المعرفية، والفن الحديث والمعاصر أو ما بعد الحداثة تعددت ألوانه ومفاهيمه وتجاربه، وإن اتفقت أغلبها على مدارس ومذاهب فنية محددة، لكن هي أكثر الثقافات القابلة للجدة والتحديث في مفاهيمها وأساليبها الفنية، وحسب حركة الزمن والعصر كتاريخ وحضارات.
من هنا تأتي تجربة الفنانة العراقية أنمار مرآن المقيمة في سويسرا ومعرضها المقام في الأول من فبراير/شباط 2022 في مدينة زيورخ بتمثلها رمزية النقطة، والمعرض يحمل الاسم ذاته (النقطة ) كمحمول دلالي روحي صوفي تجريدي، ينطلق من العمق الفلسفي للنقطة باعتبارها مركز الوجود الكوني، إلى ذاتها بصفتها الإنسانية، وهي محاكاة بين مفهوم فلسفي وجودي للطبيعة والوجود المطلق، ورؤية ذاتية للنفس البشرية التي تعتبرها أي (الذات) كمركز وقطبية أحادية للخلق والتشيؤ والتشكل، فهو تماه بين الذات الجوانية الصرفة، وعمق الوجود وأحاديته ومركز حركته وانطلاقها وصيرورتها في أفلاكها وأقطابها الكونية.
اتسم أسلوب أنمار بالتجريد والتجريد التعبيري، وهي لا تنتهي بمفهوم واحد أو بنوع واحد للتجريد، بل تحاول أن تجرب أغلب أقسام التجريد (الطبيعي المطلق والهندسي والصوفي والتعبيري) والمتابع لأعمالها الأخيرة يمكنه تصنيف فلسفة أعمالها كمعنى ومبنى تصويري، بأعمال لها: دلالة الانصهار والاندماج، ودلالة السيادة، ودلالة أنسنة الطبيعة، ودلالة صوفية التوحد والهيام، ودلالة التكوين الهندسي، يستخدم هذا المصطلح ـ الأنسنة – لوصف الميل إلى إلصاق سمات الإنسان بكائنات أخرى غير الإنسان.
تحاول الفنانة أن تجرب كل اساليب المدرسة التجريدية التي اكتشفت أنها الأقرب إليها من باقي المدارس الفنية، التي تلبي طموحاتها كفنانة تشكيلية متعددة المواهب، وثانيا تلبي حاجاتها الفكرية والنفسية والروحية، باعتبار التجريد لا يخضع المدرسة للقوننة القبلية، بل يعطي مساحة واسعة للتعبير الذاتي وللتجربة الشخصية للفنان، أن يجتهد ليعبر عن مكنونات الجمال المدفونة لديه، وكذلك يترجم ما تكتنفه من حالات نفسية وفكرية ليجسدها على السطح التصويري حسب رؤيته ورؤاه، وهذا ما يشير إليه الفنان فان غوخ، ذهب فان غوخ الهولندي بالتجريد إلى منطقة أخرى يقول: «إن المشاكل الإنسانية أكثر أهمية وإلحاحا من المشاكل التشكيلية المحضة». نظرا لأهمية ذلك في إبراز الانتماء من خلال التعبير، رغم ما يتكون من اضطرابات على المستوى الداخلي، وهذه المشكلات أدت إلى ربط التجريب المصحوب بالتعبير وتكوينه من خلال أدوات الفنان، وهي الألوان، حتى يصبحا لوحة مخثّرة تعكس ما هو ذاتي من جهة، وباطني عميق من جهة أخرى، ليغدو جوهر المضمون جوهر الفصل بين الفن المجرد من جهة، والتشكيل الفني من جهة أخرى. من سمات هذه المدرسة أنّها تربط الفن بالمشاعر والانفعالات الإنسانية المعيشة، حيث يصبح اللون والخط تعبيرين موصولين بأزمة الإنسان، أي أن براعة الفنان وموهبته وخبرته وجدّته تكمن في أسلوبه التعبيري المحض الذي لا يشبه الآخر، لكي يثبت هذه الموهبة، ولينتج خطابا جماليا وفنيا مختلفا يميزه عن السائد، لهذا تحاول أنمار مرآن، أن تعطي لأعمالها وبوعي كامل صفة التجريب والبحث، لتتسق تجربتها بثقافة التجريب والاكتشاف، ومن النظرة الأولى لجل لوحاتها، سيكتشف المتلقي هذه الصفة التي تتسم بها أعمالها، منذ أن نضجت موهبتها، ودرست الفن بشكل أكاديمي، واشتغلت عليها لتخوض بالتعلم والتدريب وفي أكثر من ميدان في الحقل التقني والمعرفي للفنون.

الكتلة والفراغ

نحن إزاء تجربة تعي ما تقول، وما تخطط، وما تنتج، وهذا المعرض الذي يضم أكثر من خمسين لوحة تشكيلية، خير دليل على ما نقول، ففيه التجريب ماثل من حيث التكوين بكل عناصره الفنية، بدءا من الخط واللون وكيفية التوازن والتناسب بين الكتلة والفراغ، وكيفية إيجاد إيقاع لوني بين المتضادات اللونية والتباين في ما بينها، وعندما تشاهد مثلا وليس للحصر نظرتها وتجسيدها للكرسي، فقد مثلته بأشكال متعددة وبألوان مختلفة بدءا من اللونين الأسود والأبيض، ومن ثم اللون الأحمر والأبيض أو اللون الحبري الأزرق القاتم، ومزج الألوان الحارة وتضاداتها، وأعتقد من المجازفة والمغامرة، أن يجسد الفنان مفردة رمزية أحادية ليشتغل أعمالا عديدة للمجسم نفسه بدلالاته التعبيرية المشخصة، أي صورة الكرسي التي تشير إلى عرش السلطان بكل ما يعنيه من إشارات للقمع والاحتكار وسحق الجماجم، وتدمير كل المقدرات لتوظيفها من أجل سلطته الفردية، لصنع مجد شخصي له ولنظامه الأوتوقراطي الفردي، على حساب شعبه، لهذا جاء الكرسي، أي العرش والسلطة بأشكال متعددة وألوان متباينة، وكلها تعطي دلالات دموية وقمعية وتفردا، وقد تشكل هذا الكرسي بصفته التجريدية، من ثمة قوائم أي خطوط طولية كأي شكل دلالي توحي للكرسي، وكذلك له مساند أفقية شاخصة، لكن نجد سمة الاختلاف للتجسيد لهذه الأداة تتمثل بأن مكوناته وصنع قوائمه ومسانده وأرضيته، تشير إلى أرجل وأيد وأكتاف وظهور، أي أرادت القول: إن هذا الكرسي صنع من أجساد بشرية تمثل الشعوب ليعتليها السلطان والحاكم، أي أن جسد الإنسان المسحوق وظف كأداة للحكم والسيادة، وهذا يعني أشد أنواع التعبير عن القهر والاستبداد والظلم، لهذا قد جردته الفنانة من شكله الخارجي كأداة للجلوس واختزلته تجريديا وتعبيريا، ليشير ويمثل شكله بمثابة إنسان منحني الظهر، حوله الحاكم لمقعد ليمتطيه ويجلس عليه ويتوج به سلطانه، فجاءت لوحاتها باللون الأحمر المشع، ليجاوره اللون الأبيض أو شكلته باللون الأسود والأبيض وبتباين وتضاد شديدين، وهي علامة سيميائية دالّة ومقصودة، تعني فداحة الظلم والاستبداد، لوحاتها جسدت شكل الكرسي، والتي خلقت توازنا وتناسبا وإيقاعا بين الشكل واللون ككتل، والفراغ والفضاء على السطح التصويري، وتركت هذا النص البصري في عمق اللوحة أفقيا وعموديا ليحيط به الفراغ من كل أقطاره، وهي تقنية إشارية لتسليط النظر وجذبه إلى هذه النقطة الفلسفية الثيمية، كنص بصري تقني وكنص محرض على المأساة ولحالة المسخ الوجودي للخلق، باعتبار أن الإنسان نقطة وبؤرة أساسية يبدأ وينتهي بها الكون.

تعمد أنمار مرآن إلى توظيف الحالة الروحية والثقافية كحالة جمالية تتسيد أعمالها، لذا تتخذ من العلامات والدلالات الفلسفية مادة لاشتغالاتها الفنية، وإلى حالات الانصهار والاندماج والعشق بين الإنسان ومثيله الآخر.

الدلالات الفلسفية

تعمد أنمار مرآن إلى توظيف الحالة الروحية والثقافية كحالة جمالية تتسيد أعمالها، لذا تتخذ من العلامات والدلالات الفلسفية مادة لاشتغالاتها الفنية، وإلى حالات الانصهار والاندماج والعشق بين الإنسان ومثيله الآخر وعشقه لكينونته الآدمية وصفاته، وكذلك محاكاة الآخر بصفته الإنسانية التي تحاول أن تمجد هذه الصفات للخلق البشري وتعبر عن جمالياته وخيره، والمخاطر التي تحدق به، وكذلك تجسد في العديد من نصوصها البصرية حالة الانصهار والجذب بين الإنسان بصفته الوجودية، والطبيعة والوجود الذي يحتويه ويمثله، وتعد أن الكون والإنسان ما هما إلا نقاط تبدأ وتتلاشى وتندمج مع بعضها ليصيرا قطبا واحدا منصهرا بذاتهما بكليتهما وأجزائهما وبحميمية من المشاعر الإنسانية والعاطفة الجامحة وبألوان تتسق مع بعضها أو تتنافر، أي تحاول القول إن التنافر والاختلاف في الشكل لا يعني تنافرا واستقطابا في الجوهر والمعدن، لذا جاءت لوحاتها (العشق والانصهار والتلاقي والاندماج والتوحد) بألوانها القاتمة مرة، والفاتحة مرة أخرى لتعبر عن هذه الحالات الانفعالية للحب والعشق والانصهار، فتجد ألوانها ذات بريق وإشراق لتعبر عن حالة التجلي للروح الإنسانية وألفتها مع الطبيعة ومع الآخر وتقبلها للمجهول وغموضه، وهذه الحالات الإنسانية تأتي منسجمة ومتسقة مع بعضها رغم تعددها، لكن جسدت بألوان مختلفة وأشكال متعددة تتسم بالتجريد والاختزال باللوحة وهي عبارة عن أضلاع وأطراف ورؤوس جسدت بخطوط ونقاط وانحناءات وتشابك وألفة وحميمية لتصدح موسيقي عشق وترانيم شوق لتشد المتلقي وتجعله يكسر حاجز الملل وتكسر الرتابة لينصهر مع ألوان وأشكال ونصوص أنمار مرآن وبتقنيتها الجميلة وحرفيتها ومهنيتها في توظيف عناصرها اللونية والتكوينية بشكل شمولي، أي أن الفنانة تعي ما تخطط وما تفكر وما توظف على السطح البصري.
العالم والوجود كما تفهمهما أنمار وتؤمن بهما، هما نقطة تتشكل في لحظة زمنية لا يمكن إداركها لكنها تصورهما كمفردات أشكال هندسية مبعثرة في هذا الكون الحسي العيني، أو كما تدركهما بحدسها الروحي والذهني، والكون والوجود لديها بمثابة تشكيلات مثلثة ومستوية ودوائر وخطوط متزنة في ماهيتها أو عشوائيتها يقول بول كلي: «إن النقطة تستنبط بما تزخر به الطبيعة من الحصى، أو النجوم المتلألئة في ظلام السماء، أو من فقاعات الماء أو قطرات الأمطار، إلى غير ذلك من حبات النبات» وتلتقي في مفهومها على أن الخط والكتلة ما هما إلا نقطة أو مجموعة نقاط، أي أنها تبني خطوطها وكتلها بكليته وتفككه اذا ما قربت عدسة عين الرائي لهذه التكوينات ليجدها ثمة نقطة أو مجموعة نقاط، بمعنى أن براعة الفنان والمهندس تكمن في قدرته على تشكيل مجسماته (نصوصه) في الفراغ الكوني والفضاء الوجودي، في أشكال متفردة تعطي للرائي متسعا للمتعة والدهشة والانبهار، وهذا ما صنعته الفنانة من خلال نصوصها التكوينية التي اتصفت بالطابع الهندسي.
النقطة كعلامة دالّة ومحمول فلسفي وثقافي لدى أنمار مرآن فهي (ثمة نطفة في رحم وذرة وحصى وقطرة ماء ومطر، أو جوف معتم في هذا الوجود كواقع ومتخيل) وهي أي النقطة لحظة ولادة وتشكل، ولحظة انطلاق في زمن العدم واللامتناهي وهو معلوم وغير معلوم، لكنه حسي وحدسي وفي مكان يتشكل وفي بقعة ما أو يخلق في مساحة الذهن والنفس.

النصوص البصرية

في معرضها التشكيلي الذي سمته (النقطة) نرى أن النصوص البصرية اتسمت بالطابع النحتي كصورة وتنفيذ أكثر من طابعها الفني كمادة رسم وتصوير، تشعر بها من النظرة الأولى لها، لكن هي تقنية إيهام للبعد المنظوري وزاويا الأبعاد للنص، وترى أيضا أن اللوحة أطرت بخطوط وقد تركت فراغا ما بين الشكل والإطار الخارجي (البرواز) وهذا يعني تأطيرا داخليا وخارجيا للشكل والرؤية، بمعنى أن تأطير الفكرة وحصرها بين إطارين ما هو إلا تعبير عن رؤية غير قابلة للتعميم، وتركها تدور في فلكها المرسوم والحيز الذي شكلته أنمار على السطح التصوري وفي ذهنها (ما يجب أن يعرف بأن الفهم الواضح للفراغات أو الفضاءات، يبدأ بالموقع العام وتشكيلات الكتل الخارجية ثم الامتداد إلى كتلة الداخل) ويمكن القول إن الكون لديها يبدأ (من النقطة إلى البعد الشعاعي إلى ما لا نهاية قصوى) وفي هذا الصدد ووفق مفهوم تصرح بالقول (يوماً ما سوف ننصهر في هذهِ الحياة ونتلاشى فهناك أمل وحب وذكريات جميلة تظهر بعد أن تجرف السنين كل شيء حولنا) ويشير بعض الباحثين إلى أن (الحياة تدور والزمن يدور في حلقة تتابع سريعاً وكأنها حركة دائرية تدور حول نقطة مركزية تدور حولها الأحداث وتتعاقب فيها الأزمنة، ويختلف فيها الإنسان وما يقدمه من سلوك كفعل أو رد فعل. فكل شيء منجذب إلى مركز الأرض، وهي من طبيعة الخلق للكائنات الحية على سطح الأرض، وأن هناك نقطة مركزية تجمع كل تلك القوى المتحركة فوقها. فالنقطة قوية بمفهومها الفلسفي الضاغط على حياة وسلوك الكائنات الحية ككل ومنها الإنسان). ولا بد أن نذكر أخيرا أن أنمار مرآن اتسمت أغلب أعمالها بإلغائها لتقنية الضوء والظل، وامتازت أعمالها بأن خلفية اللوحة سادت عليها صفة العتمة أي خلفية معتمة قاتمة، وهذا يعني محاولة منها لتشد المشاهد إلى مركز وعمق اللوحة، من خلال الشكل المجسم، وكذلك تشير إلى أن هناك ظلامية ومخاطر محدقة بالفكرة والثيمة، فسلطت الضوء على النص وبريق ألوانه لتهشم هذه العتمة من خلال الإشراق والأمل وتجلّي الروح ومواجهة وكبح المخاطر.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية