التشكيل وأصل الحياة في «منوية» حسن بوساحة

حين تبتعد بنا الحياة في مادياتها المغلقة، يأسرنا البعد الواحد المرتبط بكل ما يحقق المتعة الشبيهة بما نلمسه، لكن مسار الكينونة ليس بعدا جسمانيا يتحرك في عتمة الواقع، إنه ألطاف الروح ترى بما لا ندركه أبعادا متعوية تنبع من الروح المشتركة في انصرافها الوجداني نحو اللامنظور واللامدرك، تلك هي بداية الفنون، التي لو ظللنا نبحث لها عن تفسير مقنع لما استطعنا ذلك، لأن الفن مرتبط بالتحول، الدهشة والغموض، إنها بداية «المنوية» عند الفنان حسن بوساحة، حيث يفسرها بتلك الذيول المتدفقة من الكانون (الموقد) «بعد تكويم الفحم على بعض الجمرات، آخذة طريقها إلى الفضاء.. راسمة خطوطا متراقصة متشابكة حينا ومنفردة أحيانا أخرى في حركات بهلوانية عفوية وعابرة» هذا ما يورده في كتيبه «المنوية» «بيان» الذي يحتوي على رؤيته لأسس تجربته الفنية الممتدة على الأقل على مدى خمسين عاما.

«الحَيْمَنْ» «والعالقة»/ مسار تجربة تشكيلي:

لم تكن تلك الخيوط المتراقصة المنفلتة من لهب الجمرات سوى البذرة لطريقة يراها الفنان التشكيلي حسن بوساحة اتجاها له ما يبرره. استقر منظر «الكانون» وهو يشع باعثا خيوطه المتلاشية في الفضاء منذ الطفولة، أي أواخر الخمسينيات، ليتفجر في ما بعد وجهة نظر فنية تترجمها الأعمال المرتكزة على الخطوط المتعرجة الشبيهة بالحيوان المنوي، أو ما يطلق عليه بوساحة «الحيمن» وهي كلمة مركبة من حيوان/منوي، والبويضة التي أطلق عليها «العالقة» رغبة في تحديد معالم اتجاه تشكيلي، يبتعد عن كل ما قد يربطه بمفردات حقل آخر، فقد بدت له الرؤيا جلية في منتصف السبعينيات، وعمل تشكيليا على «تحريك الحيوانات المنوية (الحيامن) في مسعى لإدخال مفردة غير بيولوجية» في قاموسه الفني، والفكرة في هذه الرؤيا الفنية، تقوم على حركة «الحيمن» نحو «العالقة» وتَفَرد حيمنٍ واحد فقط باختراقها، وهو ما يجد لدى الفنان أساسه الروحي في الآية الكريمة: «ألم يك نطفة من مني يمنى»/القيامة 37. اجتماع الواحد إلى الواحد، الحيمن إلى العالقة، يعود جوهريا إلى أساس الوجود في واحدية الخالق سبحانه وتعإلى، «وبذلك تعود المنوية إلى مبدأ الواحدية، فكل الوجود يبدأ بالواحد وينتهي بالواحد». تتأثث هذه الرؤية فلسفيا من هذا المنطلق الوجودي الذي تؤطره الرؤية الإيمانية، وتكرسه المحاولة الحفرية في التراث الفني التشكيلي الإسلامي الذي يقوم على التوريق والتعشيق والحرف العربي، وكل ما دارت حوله الزخرفة الإسلامية برؤيتها العقدية التي تبتعد عن التشخيص، أي ورود ما له روح باعتباره محاكاة للخالق، «وبذلك أصبح الفن الإسلامي غير تشخيصي متميزا باتجاهه التجريدي هذا عن الفنون القديمة التي سبقته والحديثة التي تلته» كما يرى حسن بوساحة. تأتي «المنوية» MENI-ART لتسد هذه الثغرة انطلاقا من أصل الخلق لتضيف العنصر الغائب في التشكيل الفني الإسلامي، بما لا يتعارض مع أساسيات الرؤية الفقهية في الابتعاد عن التشخيص.

العناصر التشكيلية في معرفية «المنوية»:

في قراءتنا للمنجز الثقافي العربي في جزئياته أو كلياته، ربما لإحباط ما، وما أكثر الإحباطات التي يعايشها العقل العربي، ننسى إمكاننا العثور على شيء قد يؤسس لاتجاه أو فكرة ما، وحالة النسيان هذه أفقدت العقل العربي الأمل في انبثاق كينونة ثقافية جديدة، يمكنها المزاحمة، والأخطر في وعينا العربي أننا لم نعد ونحن نقرأ تجاربنا أن نجازف محاولين العثور على اكتشاف ثقافي ما، إما خوفا من العملقة الثقافية المكرسة، أو عدم الثقة في حفرياتنا الثقافية، ولهذا تطلع علينا «المنوية» بعناصر تبرر مطلبيتها بتكريسها اتجاها تشكيليا.

يسرد حسن بوساحة القصة التي نبهته إلى «المنوية» التي تتضمن أربعة عناصر جد مهمة في بنية العملية التشكيلية لديه، أولها الطفولة باعتبارها العفوية التي تنتج الحالة الفنية مرتبطة بالخيال في توليده للأشكال والأفكار، وفي حضوره المباغت. يتمثل العنصر الثاني في النار الباعثة لتلك «الذيول الآنية» المتصاعدة والملتوية في حركتها، وهو ما يشكل حجر الأساس في تجربة الفنان التشكيلية، باعتبار الخيط، هو ما استرجع منه شكل «الحيمن» في مساره نحو هدف معين، «العالقة». أما العنصر الثالث وهو «التلاشي» فالذيل الناري المتصاعد في الفضاء يؤول إلى التلاشي، وهو ما يمثل الغموض في العملية التشكيلية، إذ مهما حدد الفنان عناصرها في تجربته، تبقى هناك زوايا غامضة لا يمكن وعيها، لأن الإلهام يسطع هنيهة ثم يتلاشى ليظهر في لحظة أخرى بشكل آخر في صورة لا يمكن لغير الفنان/المبدع أن يعثر عليها. العنصر الرابع يتمثل في الذاكرة، تلك الكينونة التي تحتفظ بأدق التفاصيل، حتى إذا توافقت مع ركيزة من ركائز الشخصية ذات الأثر الفعال أنجزت أثرها لتوفر الحلم والمخزون التاريخي الشخصي الداعم والقدرة على جر الخيال إلى دوائر الواقع.

إحالات تأملية حول «المنوية»:

يحاول الفنان ما أمكن أن يقرب مفاهيمه الذاتية حول اتجاهه التشكيلي إلى أذهان المتلقين، فهو دائم البحث عن الأطروحة البسيطة التي تجعل العمل الفني حالة مقروءة وملهمة، حتى يستطيع أن يستلهم هو ذاته إمكانات العمل على مشروع يتوالد من أعماله. يقدم حسن بوساحة «المنوية» باعتبارها «أطروحة البدء ونشوء الاحتمالات» لأن الفكرة المؤسسة فيها هي عنصر الحياة الأول، والاحتمال قائم فيها على أساس حركة «الحَيَامِنْ» الجماعية نحو مصدر لا يستقبل منها سوى واحد، هذا الاحتمال هو الذي يفجر كوامن التجربة التشكيلية المنوية، في إثارة كوامن الخلق الإبداعي المبتدئ من التواء الحيمن والمنتهي عند سكونه في فضاء الالتحام المنتج للحياة.
إن حركة تلك الخيوط الملتوية، تهيئ المتأمل لاستلهام «القدرة على التفاعل مع الأشكال الملتوية، المشبعة بالعواطف والأحاسيس النبيلة المجردة من السقطات المادية الزائفة» وهذا ما يضع المتلقي في جوهر العملية الإبداعية للفنان، باعتبارها منتجة أشكال توحي بالحركة الناجزة في الولادة اللامتناهية لشكل الحياة الإنسانية، وفي غمرة هذا الإيحاء تنبثق العناصر اللامرئية التي تحيط عملية اللقاء الحميمي بين «الحيمن» و»العالقة» والكامنة في دفء العواطف والأحاسيس، التي تميز الكمون الروحي الأصيل عن التمظهر المادي الطارئ، ومن هنا يؤكد حسن بوساحة على أصالة تجربته التي «تنطلق من مبدأ يربط بين البعدين الروحي والجمالي، وهما البعدان اللذان توطد عليهما الفن الإسلامي منذ قرون عديدة» ومن هذا المنطلق فهو يعيب على مناهج مدارس الفنون الجميلة العربية اعتبارها «مرجعية الفن هي المدارس الغربية» وهو عبر «المنوية» يبحث عن المؤشرات الضرورية «لإعادة صياغة تاريخ الفنون التشكيلية في الجزائر، مهما كانت بساطتها وسذاجتها الأصيلة» فالرجوع إلى التراث التشكيلي العربي يمثل المرآة التي يرى من خلالها الفنان ذاته متعالقة مع تاريخ تشكيلي، ساهم فيه بعناصر تجديدية أثرت الذاكرة الفنية العالمية، ويشير حسن بوساحة إلى عنصر «البساطة» و»السذاجة» في هذا التراث، والتي مهما بدت كذلك إلا إنها تمثل إحدى درجات الهوية الباعثة على إنتاج الذاتي والمساهمة به كاختلاف وكتعدد.

في اللوحة قبل المنوية:

متابعة كتيب حسن بوساحة «المنوية» الذي جعله بمثابة «البيان» يحمل عدة لوحات فنية، تجعل المتلقي في حاجة إلى تأملها حتى قبل معرفة حقيقة «المنوية» ففي «زوجان» 1970، تظهر الذيلية أو الخيطية المنوية في خلفية بيضاء معقوفة ومتعددة لكنها تبدو متحدة في مواجهة «العالقة» الوحيدة في اللوحة، وكأن الفضاء التشكيلي يعكس حالة الاغتراب المكرسة في هيمنة العامل الذكوري والتي تنعكس عليه هو الآخر باعتبار إهماله لأحد أعمدة هويته الوجودية أنثويا.
تتطور التجربة التشكيلية المنوية في «خُمسة، أمومة، تراث» 2015، «لقاء، أمومة» 2018، حيث تبدو العلاقة مع التراث جلية في البعد الزخرفي، وينفصل ما هو خيطي/منوي وما هو زخرفي، إذ يتشكل الأول فوق الثاني الذي يتأسس كأرضية، وهو ما يكشف عن البعد الجمالي التراثي الذي يحتوي ويفجر البعد التشكيلي الحداثي، بما يفسر الانسجام الفني في الرؤية للتراث الفني لدى حسن بوساحة.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية