أوكرانيا: مجازفات النووي بين أحماض وصواريخ

حجم الخط
4

التصعيد الدرامي الذي يكتنف ملفّ التأزّم في أوكرانيا بين الولايات المتحدة والحلف الأطلسي وأوروبا من جهة، وروسيا وشخص سيّد الكرملين فلاديمير بوتين من جهة ثانية، والارتدادات الفرعية في الصين وأسواق الغاز من جهة ثالثة؛ لم يكن ينقصه سوى تسريبات قصر الإليزيه الأخيرة، حول امتناع الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون عن الخضوع لفحص فيروس كورونا في موسكو قبيل لقائه مع بوتين، خشية أن يسرق الكرملين معطيات حمضه النووي. صحيح أن التسريب يستهدف، بين ما يستهدف، تبديد بعض أجواء التهكم التي أطلقتها طاولة الاجتماع، الطويلة المتطاولة الغريبة المضحكة، بين الزعيمين؛ إلا أنّ من الصحيح أيضاً أن تكون سلسلة رسائل، سياسية قبل تلك البصرية والبروتوكولية، وراء اختيار قطعة الأثاث الفريدة تلك.
ثمة، بادئ ذي بدء، تباعد في محتوى الوساطة التي جاء ماكرون آملاً في إنجازها، سواء لجهة الهوّة الفاغرة بين مواقف الاتحاد الأوروبي الذي تتولى فرنسا رئاسته الدورية حالياً، ومواقف روسيا؛ أو، ليس أقلّ مغزى بالطبع، بين مواقف ماكرون/ فرنسا مع قسط غير قليل من مواقف دول الاتحاد الأوروبي إزاء الملف الأوكراني. ويندر، ثالثاً، أن يجازف أحد بالتفاؤل حول عناصر التطابق أو التنافر في قراءة الإليزيه أمام قراءة البيت الأبيض حيال الملفّ إياه، إذا وضع المرء جانباً حقائق تقييم باريس لدراما التهويل التي تعتمدها واشنطن، بشراكة غير مفاجئة مع لندن، لجهة تأكيد الغزو الروسي في أوكرانيا.
وإذا جاز الافتراض بأنّ للكرملين مصلحة غير ضئيلة في صبّ الزيت على نيران التهويل الأمريكي بصدد الغزو الروسي، أو أنّ تسعير هذا السيناريو تحديداً يدغدغ الجوانب «الحربجية» في شخصية بوتين وعلى نحو ذاتيّ وسيكولوجي في المقام الأوّل؛ فإنّ للعبة، بما تنطوي عليه من أخطار عضّ الأصابع المتبادل، حدودها القصوى التي لا تسمح بالكثير من اللهو. ثمة مجازفات نووية الطابع، لا تبدأ من نشر الصواريخ المدججة بالرؤوس إياها ولا تنتهي عند المناورات الحساسة التي يجريها الروس بأسلحة لا تُجرّب حتى ضمن عمليات روسيا العسكرية في سوريا؛ ورغم كل الاحتياطات التي تُتخذ حين يكون الخيار النووي على المحك، فإنّ الحذر لا يُنجي دائماً من… القدر!
وليست متجردة كثيراً من القيمة، والمغزى، ما تسرّبه إلى وسائل الإعلام وكالاتُ الاستخبار الأمريكية المختلفة حول مخاطر من نوع آخر مختلف، لا يخطر على بال أبناء البشر العاديين متواضعي العلم والمعلومات في هذا المضمار: أنّ الإفراط في التهويل، والإيحاء بأنّ المعطيات الاستخبارية الأمريكية تبيح القول باحتمال غزو روسي وشيك، قد يقلب السحر على الساحر إذا لم يقع الغزو فعلياً (وهذا أمر وارد ومرجّح بالطبع)، ويقزّم ما توحي به أجهزة التجسس الأمريكية من سطوة كبيرة ومكانة عالية ويد طولى. في المقابل، ليس في وسع بوتين أن يشعل الكثير من النيران في نفوس أبناء روسيا حول الكبرياء القومية ونوستالجيا القوّة العظمى وأنموذج ضمّ جزيرة القرم، فضلاً عن التبختر هنا وهناك في طول العالم وعرضه، وإفساد خطط أمريكا والغرب مباشرة أو عن طريق مرتزقة «فاغنر»… ثمّ الاضطرار إلى التراجع، أياً كانت مظاهره، بما يعنيه ذلك من انسحاب خارج اللعبة، أو حتى خسرانها.
جدير بالاستذكار هنا، وفي كلّ نسق مماثل من التأزّم، أنّ الضحية الأولى لن تسقط في صفوف الوحدات الروسية المنتشرة على الحدود مع أوكرانيا، ولا في صفوف أفواج الحلف الأطلسي أو الفرقة 82 الأمريكية الشهيرة؛ إذْ سيكون المواطن الأوكراني، حتى ذاك الموالي لروسيا أو نصير الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو، هو وقود أيّ انتقال للحال من التصعيد الدرامي الحالي إلى خيارات أخرى ذات صبغة عسكرية.
وليس هذا المآل سوى واحد من أكثر دروس التاريخ صحّة وقسوة، في آن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية