يعرف المهتمّون بالشعر في التراث العربي أو الأجنبي أن مصطلح «الشعر الحُرّ» دخيلٌ على التراث الشعري العربي، وأنه مُستورَد من كلام الشاعر الأمريكي والت وِتمان (1819-92) الذي نشر عام 1855 مجموعةً من الكتابات الأنيقة ذات النَفَس الشعري بعنوان «أوراق العشب» وأطلق عليها إسم «الشِعر الحُرّ». وكانت ردود الفعل الأولى من شعراء أمريكا، وبخاصة في منطقة بوستن والشمال الشرقي الأمريكي، ردوداً سلبية لافتقار هذه الكتابات إلى الوزن والقافية. لكن هذا الوضع تغيّرعندما تدخل إيمرسُن شيخ الثقافة الأمريكية في القرن التاسع عشر وغَمر صاحب «أوراق العشب» بالمديح والإعجاب بكتاباته.
وفي بلادنا العربية أحسبُ أن أول استعمال لمصطلح «الشعر الحُر» قد ورد في كتابات الشاعرة العراقية الكبرى نازك الملائكة في وصف قصيدتها «الكوليرا» التي نظمتها يوم 27- 10- 1947 على وزن المُتدارَك (الخَبَب) باستعمال تفعيلة «فَعِلُن» بأعداد تختلف عن أعدادها في الشعر التراثي؛ كما تشرح الشاعرة أنه من الممكن التعبير عن الفكرة أو الصورة بتفعيلتين أو ثلاث أو أكثر حسب اقتضاء الحاجة. لذلك لا داعي لتضخيم الصورة أو الفكرة بمزيد من التفعيلات. وأطلقت على هذا الأسلوب إسم «الشعر الحُر» وبذلك أطلقت الإسم الخطأ للسبب الصحيح. وعندنا كذلك كانت ردود الأفعال الأولى سلبية، وقد تشجّع أصحاب المواهب الضعيفة على كتابة أشياء تخلو من الوزن والقافية ومن النَفَس الشعري ويطلقون عليها إسم الشعر الحُر. لكن جَدلية الشاعرة وأسلوبها قد تلقّفه عددٌ من الشعراء من ذلك الجيل وأبدعوا فيه أيّما إبداع. لكن تسمية الشعر الحُرّ بشكلها الخاطئ بقيت على حالها مع الأسف الشديد، وياليت الكرام الكاتبين قد أخذوا بتسمية «الشعر المنثور» التي أطلقها الأديب المُغترِب اللبناني أمين الريحاني على شعر «وتمَان» وأمثاله من الشعراء الأمريكان الذين قرأهم في حدود عام 1910 إذن لتَجنّبنا الخطأ في استعمال عبارة الشعر الحُرّ على الأسلوب الذي ابتدعته الشاعرة العراقية.
لم يكن تعريف الشعر مسألةً مُتّفقاً عليها في قديم التراث العربي، كما يُخبرنا قُدامة بن جعفر في كتابه بعنوان «نقد النثر»، إذ يقول إن الشعر أعمق من كونه الكلام الموزون المقفّى، لأن الشاعر «إنما سُمي شاعراً لأنه يشعر من معاني القول وإصابة الوصف ما لا يشعر به غيره… وكلُّ من كان خارجاً عن هذا الوصف فليس بشاعر وإن أتى بكلام موزون مُقفّى».
وقد انتشر مفهوم الشعر الحُر في أمريكا بصدور مجلة «شعر» (شيكاغو 1912 ) بإدارة هارييت مونرو وتشجيع إزرا باوند، وما لبث أن التحق بها تي.إس. إليوت. وقد سبق أن انتشر مفهوم الشعر الحُر إلى فرنسا فكتب فيه شعراء مثل بودلير ورامبو وغيرهم من شعراء القرن التاسع عشر.
أما في بلادنا العربية فقد تأسست عام 1957 مجلة «شعر» في بيروت واستقطبت عدداً من شعراء الحداثة العرب في أواسط خمسينات القرن الماضي. لكن المجلة لم تدم طويلا حيث توقّفت عن الصدور لسنوات ثم استأنفت نشاطها عام1967 في ضوء رأي أرسطو في أن «الشعرَ وسيلةٌ للمعرفة من نوع ما» وإلى رأي ووردزورث في أن «الشعرَ وسيلةٌ للادراك الحسّي في وسعها أن تحمل الحقيقة… إلى القلب عن طريق الحماسة العاطفية».
ولدينا أمثلةٌ طيِّبةٌ من الشعر الحُر «الشعر المنثور» في العربية ابتداءً من أواسط الخمسينات فصاعداً. والملاحظ في هذه جميعاً أنها كتابات تنُم ّعن ثقافةٍ واسعةٍ واطّلاع على فنون الشعر الغربي، إلى جانب معرفةٍ واسعةٍ من تراث الشعر العربي، تكوِّن واقيةً من العَثار في التركيب اللغوي.
في أواسط القرن العشرين بدأت بالظهور أمثلةٌ من الشعر الحُر بالعربية لأدباء من بلاد الشام بالدرجة الأولى: توفيق صايغ الفلسطيني-اللبناني، جبرا ابراهيم جبرا الفلسطيني-العراقي، ومحمد الماغوط السوري. ولا أدري لماذا لم تظهر أمثلةٌ من الشعر الحُر بالعربية في العراق، إلا ّفي وقت متأخر جداً. أتُرى مَرجع ذلك أن الشاعر العراقي لا يستطيع فكاكا ًمن تراث الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري العراقي، ذلك التراث الحاضر بقوّة في شعر المتنبّي، الحاضر بقوّة في جميع العصور، امتداداً إلى شعر الجواهري وشعر وَريثِه عبد الرزاق عبد الواحد، في شعره على نمط الشطرين التراثي، أو على نمط شعر التفعيلة بقوّته الخاصة! هذه بعض الأمثلة من الشعر الحُرّ من توفيق صايغ الذي أخرج مجموعته الأولى بعنوان «ثلاثون قصيدة» أهدى نسخة منها إلى جبرا وكتب:
«أخشى أن تكون جمهوري الوحيد!». ثم أخرج «مُعلّقة توفيق صايغ» وفيها قصيدتان: «بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن»، والقصيدة تعالج مشكلة الفَرادة في الحياة، وكون الفرد غريباً كصالح في ثمود، في صورة الكركدن، الحيوان الأسطوري الوحيد من نوعه في الغابة، فتُطاردُه الحيوانات الأخرى حاسدةً وتُريد قَتلَه، وهو يبحث عن «المُتعذِّرة الوجود حتى في جنة العلاء» ولكنه «إرتاح إذ وجَدها وتبدَّل». ثم تأخذ الفكرة بالتعقّد والتطوّر فتختلط الرموز المسيحية فيها برموز دنيوية، ولا يكاد القارئ يمسك بتلابيب الصورة حتى تتّخذ بُعداً جديداً وتنويعاً على النغم الرئيس. ولا يلبث الشاعر أن يعود إليه بأسلوب آخر:
«وكسعيه لعذرائه/ سعيُك لعذرائِك/ قروناً طارَدها/ فتَّش في كل زاويةٍ/ وارتاح إذ وجَدها وتبدّل/…./ إله حقٍّ وحيوان خيال/أفما تختلف النتائج؟/…./ والسعي أحد:/ فكيف تختلف النتائج؟».
وهذا اقتطاف غير منصف لأن القصيدة يجب أن تُقرأ بمُجملها لكي يبدأ التفكير في صورها وعلاقتها ببعضها. ولكنها حدود المقالة في صحيفة.
ومن شعر جبرا أقدِّم قصيدةً بعنوان «لعنة بروميثيوس» نشرت عام 1961 في عدد مجلة «شعر» الخاص عن ثورة الجزائر، أي قبل استقلال الجزائر عام 1962. وهذه قصيدة لو قبِلها المحافظون لعدّوها في باب الأدب الملتزِم، الذي شاع في أوائل الخمسينات ولم يلبث أن التزَم السلطان بدل التزام الإنسان:
«ما عُدتُ أقوى، يا سيدي،/ على التمزيق من هذه الكبِد/ ستّ سنين قد شيّبتني/ أم أنها اللعنةُ التي ردّدها الجبل؟»/ رَفرَفَ الصّقرُ كسيراً/ بين يَدي جنراله/ مُصَدَّع المنقار، مِخلبُه/ كمِخلب الجنرال مُثقلٌ/ بذكرى الديدان والوباء./ وصاح الجنرال زِفس /كم مرةً جئت تنبؤني بالهزيمة/ وأنت السيد في الذُرى!/عُد وكُل من الكبد المتمرِّدة/ ولاتأتني إلاّ مُبشراً/ بمَجدِنا!».
الإشارات هنا يجب أن تكون واضحةً حتى لمتوسطي الثقافة. أسطورة بروميثيوس وأمر «الطاغية» زفس/ زيوس الذي سلّط الصقر أن ينهش من كبد بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة وأعطاها لبني البشر هي صورة الشعب الجزائري المقيَّد بأغلال الطاغية، الاستعمار الفرنسي، وعناده الذي أتعب الاستعمار في صورة الصقر الذي اعترف للجنرال بيأسه من مقارعة الثوار في جبال الأوراس في الجزائر.
وقد نختم بمثال من الشاعر السوري محمد الماغوط الذي يرفض جميع أنواع الأنظمة أو المؤسسات الاجتماعية التي لا تتماشى مع رهافة حسِّه، والتي يجد فيها زيفاً ووصولية. لم يتوفّر الماغوط على أية دراسة عالية، ولكنه كان يقرأ بنَهم ويستوعب ويناقش أصحاب المعرفة الجامعية وأصحاب اللغات في ما يقرأ من أدب مُترجّم. هذا مثال من شعره الحُر/ المنثور؛ فهو لم يقترب من الوزن والقافية في جميع ما كتب. هذه «شواطئ مُتعرِّجةٌ لا يحدّها البصر» في المقطع الرابع يقول:
«لي بَردى الأزرق
ولكُم دمشق الحمراء
إنزعوا الأرصفة
فلم تَعُد لي غايةٌ أسعى إليها (….)
فليس هناك ما أوَد ّرؤيته بعد اليوم
كلّ شوارع أوروبا تسكّعتها في فراشي (…)
خذوا كل شيء
ولكن أعيدوا لنا قروحَنا وأنين مرضانا
أعيدوا لدمشق الغبراء
سُفُنها الغازية وموجَها الآرامي».
إن نظرةً من دون تحيّز أو أحكام مُسبَقة قد تتيح للقارئ أن يعيد النظر في ما يقرأ من الشعر الحُرّ لكي يجد إن كان ما فيه من إشارات ثقافية وأساليب تعبير ما يجعلُ منه وسيلةً لمعرفةٍ وثقافةٍ من نوعٍ ما.