يواصل الفلسطينيون التظاهر في كافة محافظات الضفة الغربية ضد موجة غلاء الأسعار وفرض ضرائب حكومية جديدة على السلع الأساسية، فيما يكبل عجز الموازنة وانحسار المساعدات المالية الخارجية السلطة الفلسطينية التي تكافح لتوفير المصاريف التشغيلية.
وتسببت السلطة الفلسطينية بحالة من الغضب الشعبي، بعد أن أرتأت الخروج من أزمتها المالية من جيب المواطنين، نتيجة عجز الموازنة الخانقة التي تعانيها بسبب انحسار التمويلات الخارجية منذ أكثر من عامين، ووقف واشنطن دعمها للموازنة الفلسطينية منذ عام 2017 إلى جانب اقتطاع إسرائيل لأموال الضرائب الخاصة بالسلطة.
ووفق تقرير أصدرته سلطة النقد الفلسطينية حول التطورات المالية للحكومة، أفادت بأن السلطة لم تتلق خلال الربع الأول من العام الماضي أي منح أو مساعدات خارجية، في المقابل غطت أموال الضرائب أكثر من نصف النفقات المالية الخاصة بالسلطة.
وبالتزامن مع ارتفاع الأسعار عملت السلطة على رفع ضريبة القيمة المضافة، وهو ما يخلق أزمة مزدوجة على المواطنين الذي يعانون من أزمات معيشية خاصة في ظل توارد معلومات أن مجلس تنظيم قطاع الكهرباء وسلطة الطاقة، قدما توصيات لمجلس الوزراء في رام الله تتضمن زيادة أسعار الكهرباء، وإن صح هذا الحديث فإن الضفة الغربية على موعد مع احتجاجات أوسع.
واتهمت شركات كبرى في الضفة الحكومة بفرض ضرائب باهظة على الشركات والتجار إضافة إلى رفع أسعار المحروقات، حيث يواصل أصحاب الشاحنات الإضراب، للاحتجاج على ارتفاع أسعار المحروقات وغلاء المعيشة.
وارتفعت أسعار الوقود والمشروبات الغازية بأنواعها وأسعار الحبوب ومشتقات الألبان، وتعتبر الفئات الفقيرة والمهمشة من الأكثر تضررا من موجة الغلاء، وصرح رئيس الوزراء محمد اشتيه أن الحكومة لن تتخلى عن الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، من خلال ضبط أسعار السلع الأساسية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها، في ضوء ما تتوصل إليه لجان مراقبة الأسعار في الأسواق.
وقال رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك عزمي الشيوخي إن استمرار موجة الغلاء في محافظات الضفة، لن يجعلنا مكتوفي الأيدي وسيدفع المواطنين إلى مواصلة التظاهر والاحتجاج، حتى الرجوع عن القرار وعودة الأسعار إلى طبيعتها.
وبين الشيوخي لـ«القدس العربي»: أن الجمعية وبجهود حثيثة، تعمل للتوصل إلى حل لمشكلة ارتفاع الأسعار مع مختلف الأطراف المعنية، حيث قدمت مبادرة من أجل عودة الأسعار إلى ما كانت عليه وتنتظر الرد من قبل الحكومة الفلسطينية.
ولفت إلى أن السلطة تعاني من أزمة مالية منذ أكثر من عامين نتيجة توقف الدعم العربي والدولي، فلجأت إلى تخطيها من خلال رفع الضرائب وأسعار المستلزمات المختلفة، وهذا بالتأكيد ينعكس سلباً على المواطنين.
وأكد أن الضريبة المضافة المفروضة من قبل الحكومة، تعني التخلي التام عن مشروع الضمان الاجتماعي، فالجباية التي لجأت الحكومة إلى اقتطاعها من المواطنين، يجب أن تكون متوازنة وتستند إلى أسس العدالة الضريبية والاجتماعية.
وتشكل أموال المقاصة التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة بحسب الاتفاقيات الموقعة معها، والتي تصل شهرياً إلى حوالي 200 مليون دولار عن البضائع التي تدخل إلى السوق الفلسطينية، طوق نجاة بالنسبة لخزينة السلطة، ولكن مع إصدار الكنيست الإسرائيلي قانونا يسمح باقتطاع جزء من أموال الضرائب، شكل ذلك عجزا ماليا كبيرا لدى السلطة مع وقف التمويل الخارجي.
وأكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن السلطة الفلسطينية عانت مؤخراً من تدهور علاقاتها الخارجية، لاسيما مع الاتحاد الأوروبي الممول الأكبر لها، في ظل انتقاده الشديد لعدم إجراء انتخابات فلسطينية عامة منذ عام 2006 إضافة إلى أن المساعدات المعتادة من قبل دول عربية متوقفة أيضاً منذ سنوات.
وأوضح الطباع لـ«القدس العربي»: أن مشروع قرار قانون القيمة المضافة الذي تبحثه حكومة رام الله مع القطاع الخاص توقيته غير مناسب، وسيؤدي لزيادة الأعباء على المواطنين الذين لم يتجاوزوا بعد أعباء جائحة كورونا، فرفع ضريبة القيمة المضافة في الوقت الحالي، يعد المشكلة الأبرز، في المقابل السلطة مطالبة بالحفاظ على ضريبة قيمة مضافة محددة تناسب الوضع الاقتصادي الفلسطيني وتحافظ على استقرار الأسعار.
وأشار إلى أن التبعية وربط الاقتصاد الفلسطيني بالإسرائيلي، خلف أزمات يصعب تجاوزها، وهنا يجب على السلطة الاستقلال اقتصادياً بدءاً من التنصل التدريجي من بروتوكول باريس الاقتصادي.
ودعا إلى ضرورة اتخاذ حكومة رام الله آليات تضمن عودة الأسعار للانخفاض، وإلا فإن المظاهرات ستعم محافظات أخرى في الضفة الغربية، وربما تصل إلى حد الاشتباك مع أجهزة الأمن، في ظل أن المساس بلقمة العيش خط أحمر بالنسبة للمواطنين.