الموسيقى رفاهية مُحرمة في فيلم «ليلى» الصغيرة على الغناء

كمال القاضي
حجم الخط
1

أن يكون هناك مُبدع مشغول برفاهية تعليم الموسيقى للأجيال الجديدة في مجتمع لا يؤمن بأهميتها وقيمتها فهذا في حد ذاته يعتبر تميزاً وخروجاً عن المألوف، لا سيما إذا جاءت الموسيقى مُقترنة بالتنوير والتبصير والمُعالجة الإنسانية لفكرة التعصب ضد الموهبة الربانية التي يمنحها الله لمن يُريد به ارتقاءً.
فيلم «ليلى» للمخرج المغربي كريم عصارة هو تنويع على أزمة الاعتراف بالجمال الإبداعي البشري لدى الموهوبين في الغناء والعزف والتلحين، حيث الربط التعسفي بين الفن الموسيقي والغنائي والتقاليد الاجتماعية التي يفرضها المجتمع العربي وتحظر على الفتاة الصغيرة أو الطفلة الغناء باعتباره من الموبقات وضد الاحتشام والاستقامة والخُلق القويم.
تلك هي ببساطة مُعطيات الفيلم الروائي القصير المُقرر مُشاركته في فعاليات مهرجان العودة السينمائي الفلسطيني في دورته الجديدة طارحاً قضية تمس موقف بعض البيئات العربية من الثقافات النوعية التي تحوطها المحاذير وتتحكم فيها الرقابة المُجتمعية في أغلب البلاد والمناطق، خاصة إذا ارتبطت موهبة الغناء بالفتيات الصغيرات أو الشابات.
يقترب الكاتب محمد ابن المليح تدريجياً من المفهوم الشائك لغناء الفتاة وفكرة تحريم الموسيقى أو تجريمها اجتماعياً مُبدياً احتجاجاً ضمنياً على ظُلم المواهب والرغبة في سجنها ومحاصرتها على النحو الذي يرغب فيه البعض من الرافضين لاحتواء الأصوات الغنائية والناكرين لها.
لكن ثمة تراجعا نلحظه في الفكرة قبل القطع بعموميتها وفرضها بالقوة على المجتمع الذي تنمو فيه، فالأب الذي يخشى على ابنته من تعلم الموسيقى ويقاوم تمسكها بموهبتها، سرعان ما نراه قد تحول عن موقفه وأبدى إعجاباً بصوت ابنته وهرول إلى حيث تتم عملية التدريس والعناية بالمواهب الشابة وما هي إلا لحظات من التفقد والتأمل حتى صار مُندمجاً مع جو العزف والغناء ومُنسجماً مع الواقع الغنائي الذي كان يستنكره ويخشاه ويقاومه.
وبحسب السياق الخاص بالأحداث تتغلب الفطرة الربانية على الثقافة الاجتماعية فيحس الأب عبد الكريم الذي جسد شخصيته الفنان محمد توفيق بإحساس مُغاير تجاه موهبة ابنته ليلى التي لعبت دورها سلمى كزنايي فيراجع نفسه كأنه أعاد اكتشاف ابنته من جديد في ضوء انفعاله بما تُبدع فيه من غناء وطرب وإحساس مُرهف بالجُملة الموسيقية وتنهدات الوجد البريئة وملكة الأداء الواثق الفريد.
وبناءً على ما رآه الأب العطوف وشعر به يذهب فيلبي رغبة المطربة الصغيرة ويشتري لها بيانو تعبيراً عن تأييده لنجاحها وتعويضاً عن ما عانته معه من نوبات الرفض والصد، وفي الواقع أن هذا التصرف يتجاوز في معناه دعم الابنة وحدها وتشجيعها على الغناء وإنما يُلخص موقف البطل بشكل عام من مسألة الإبداع الفني والموسيقى، وبالقطع ينسحب التصرف ذاته على موقف الأم حميدة العسولي، أيضاً من هذه القضية التي كانت تؤرقها وتفسد عليها فرحتها بابنتها الموهوبة، كونها ربطت في أوقات كثيرة بين رفض الأب المُحافظ التقليدي ومصير الموهبة التي قد تتبدد في ضباب الشحناء والبغض ونقد المجتمع الساخط على الفن والمُشتغلين به بوصفه رجساً من عمل الشيطان وفق عقيدة الواقفين منه موقف العدو.
ويكرس المخرج كريم عصارة لمبدأ حرية الفن الغنائي والإيمان المُطلق لمن يمتلك الموهبة بأحقيته في البقاء والمنافسة والإبداع بما يتفق مع ذائقته وملكاته، فما هو مقبول بالإحساس الفطري لا يُمكن أن يكون مصيره الرفض والاستهجان والاغتراب في مجتمع قاسي يقمع أصحاب المواهب ويعاقبهم بالتجاهل والاحتقار، فلا يخلق الله شيئاً داخل الإنسان إلا وكان لخلقه سبباً فمن يمتلك الموهبة كمن يمتلك العلم، والموسيقى علم مدعوم بالإحساس إذا أحسنا استخدامه صلحت وظيفته وإذا أسأنا توظيفه فسد وفسدت أغراضه.
وبعيداً عن لغة الوعظ والمباشرة فإن الفيلم غني بتفاصيله ولا يحتاج إلى إيضاحات تُعزز التجربة السينمائية القصيرة التي تبنتها وأنتجتها المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالشراكة مع المركز الدولي للتدريب وتطوير المهارات بمدينة فاس بالمملكة المغربية.
لقد جاءت رسالة الفيلم التربوية القصيرة مُحفزة على الفن والإبداع والابتكار في كافة المجالات وإن كانت قد خصت الموسيقى والغناء بقدر كبير من العناية والتشجيع فهذا لأن الموسيقى هي اللغة العامة المُشتركة بين كل الشعوب والتي لا تحتاج إلى ترجمة خاصة أو مُلقن وإنما يكمن وضوحها في ثرائها وشمولها وجمعها بين المسموع والمحسوس من جماليات العزف والإيقاع والنغم والإنشاد والتذوق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية