لم نلتقِ في بلادنا.. التقينا في بلاد الآخرين. وهو ما يعني أن الإنسانية لا حدود لها، وأن «صداقة الغربة» شَغَف.
الغربة تخفي عيوب الكائن، وتنمّي مزاياه. لماذا؟ لأنها تحرره من «الزوائد النافلة» التي كانت تكبّله، بعد أن صار مسؤولاً عن نفسه، قادراً على النأي والتغيّر، وحتى على النكران. أو بمعنى أدقّ، منذ أن بدأ يملك، بعد رحيله، تاريخاً شخصيّاً، وموقفاً، وسلوكاً. وهو ما كان يمثّله محمود أمين العالم بالنسبة لي.
في دمشق، قبل أن نصل إلى باريس، كنا نعرف الكثير عن نجوم الثقافة المصرية المعاصرة. كان هؤلاء المثقفون الذين كنا نراهم كباراً، ولا نزال، يمثلون فصلاً أساسياً من فصول الثقافة العربية الحديثة التي كانت تثير اهتمامنا، وكان هو في مقدمتهم. كنا نتابعُهم بمتعة نادرة في المجلات والصحف المصرية التي كانت مصدراً أساسياً من مصادر ثقافتنا، آنذاك. قرأناهم وعرفنا اسماءهم في «الأهرام» و«الطليعة» و«المسرح» و«الكاتب» و«آخر ساعة» و«روز اليوسف» وغيرِها، وكذلك، في ما أصدروه من كتب ووثائقَ ومجادلات.
وفي باريس التقينا
كثير من مبدعي الثقافة المصرية كانوا، يومها، في باريس، بعد خروجهم على السادات ونظامه: محمود أمين العالم، أحمد عبد المعطي حجازي، الفريد فرج، جورج البهجوري، غالي شكري، أمير إسكندر، ميشيل كامل، عبد السلام مبارك، أديب ديمتري، سعد زغلول فؤاد، محمد مستجير مصطفى مترجم ماركس، طاهر عبد الحكيم، صبحي شفيق، آدم حنين، عدلي رزق الله، وكذلك، في ما بعد، أنور مغيث، ومجدي عبد الحافظ، على سبيل المثال لا الحصر. ولأننا نتحدث اليوم عن محمود أمين العالم، سأركز حديثي حول بعض النقاط التي لاحظتها عنده، من خلال معرفتي به، وأحسب أنها أثَّرت فيّ كثيراً.
كان واضحاً، في الفترة التي التقينا فيها في باريس، أنه توصَّل بشكل حاسم إلى رفض واضح لفكر السلطة الذي كان سائداً، في تلك الحقبة، في مصر، وفي أنحاء كثيرة من العالم العربي، وأن ذلك الرفض الواعي عنده تَمخّض عن بُعْد إنساني متحرر، وعقل متفتّح، ومتنوّر. وهو، بدهائه استغل هذه الفرصة الأساسية، فرصة خروجه من «بؤرة الحَيْ» التي قد تُحَجِّم المرء، وتُعَطِّل مداركه، وتَلجُم أهواءه، حسب مفهوم الشاعر أبو تمام الذي يقول: «وطول مقام المرء في الحي مُخْلِق/ لديباجَتَيْه، فاغتربْ تتَجدَّدِ» قد استغلّها لتعميق موقفه المبدئي وتجذيره أكثر فأكثر.
كان حداثياً منذ البدء.. ولم يكن حاقداً على أحد، ولا حتى على سجّانيه، لكن مفهوم الحداثة الإنسانية عنده، مع الوقت، تطوّر وتعمّق أكثر. وسنوات السجن الطويلة التي عاناها صارت شيئاً يشبه الحلم عنده. ولكَم كان يبدو سعيداً، وأنا لا أضع هذه الكلمة بين قوسين، عندما كان يستعيد، في باريس، تلك «السنوات السجينة» حتى إنه يكاد أن يسميها بالسنوات العظمى في حياته، وهو ما كان يدفعني إلى تساؤلات كثيرة لا مجال للحديث عنها، الآن. يومها، كان يبدو مدفوعاً بقوّة لكيْ يفعل شيئاً أساسياً لثقافته العربية، وهو قد أدرك أن تجاوز الثقافة السائدة التي خلّفها وراءه، والتي هي، في نواحِ عديدة منها، من بقايا الماضي، حتى لا نقول من بقايا الاستعمار، أمر بالغ التعقيد، يتطلب عقلاً نابِهاً، وعزيمة قوية، وفضاء مفتوحاً لا رقابة لأحد فيه عليه. وأهم من ذلك، كله، أدرك أيضاً، كما أحسب، أن «الفعل» اجتماعياً كان، أم سياسياً، لا جدوى منه دون بُعْدٍ فعّال يلازمه، هو «البعد المحرّض». وقد كرّس نفسه بشكل صريح لهذا المفهوم الجدليّ للوجود، ووضع فيه كل إمكانيته المعرفية.
في جامعة باريس الثامنة «فانسين» التي استحدثت بعد أحداث 68 الطلابية الثورية، في فرنسا، صار أستاذاً، وأبدع في دروسه فيها. فالوعي السياسي عنده كان له بعد ثقافيّ أصيل، حتى كاد السياسي أن يتحوّل إلى ثقافيّ. وقد تحوّل في النهاية.
وكما أتصوّر، فإنه كان على يقين، من أن مقاومة الاستبداد، وتحريك الركود الفكري المتجذّر في الثقافة العربية المعاصرة المرتبطة بالسياسة بعمق، ليست حركة آنية، أو لحظوية، تبدأ وتنتهي فوراً، بل هي حركة عميقة، بعيدة المدى، ومستمرة. وهي لا بد من أن تبلغ هدفها المرسوم، كما كان يأمل. فظاهرة الاستبداد السياسي والثقافي في العالم العربي، ليس في متناول المرء الخلاص منها بسهولة. إنها، كما كان يقول، إمكانية، وككل إمكانية لا بد لها من زمن طويل، ومن صدفة عظيمة، لتَتحوّل، ربما، إلى نقيضها: الحرية.
ورغم الموانع والمخاطر التي كانت تحيط به، لم يكن يخشى التصدّي لمساوئ الاستبداد العربي المعمَّم سياسياً وثقافياً. كابوس السيطرة السياسية التي فَرّ منها لم يكن يخيفه، إذن، بل كان يشجعه على الاستمرار في نضاله الهادئ والأكيد، بشكل لا تراجع فيه.
في باريس تعمّق التزامه بمقاومة التخلّف والاستبداد والفكر السائد، دون أن يتحوّل إلى «كائن أيديولوجي» بحت، أو بمعنى آخر دون أن تبتلعه «الدوغما» الجامدة، التي كانت في أوجها يومذاك. ظلّ اجتماعياً بشكل مذهل، بسيطاً وقريباً من القلب، رحب الابتسامة، ودوداً، لكن مَنْ يلتقي به، أو يعرفه، سرعان ما يدرك نبض التمرّد الدفين، والنزوع الجوهري إلى الحرية، عنده. وسيدرك، بسهولة أكثر، كم كانت أعماقه مفعمة بآمال التحول الديمقراطي والمعرفي المنتظر في العالم العربي. لقد كان متفاهماً مع التاريخ، مع تاريخ الإنسانية المتنوّر، بشكل يثير الإعجاب، وفي الوقت نفسه ملتصقاً بتاريخ مجتمعه الخاص بعد أن أعاد النظر به بشكل جذري. لقد كان وضعه المعقّد كمثقّف احتجاجي خارجٍ على سلطة بلاده، وعلى معوّقاتها المعرفية والثقافية، وراء تحوّلاته الإنسانية العظيمة التي عاشها بشكل مبدع وسعيد.
هو لم يكن يبحث عن «المِثْل» أو «الشبيه» وإنما عن «النقيض». ولم يكن يتوسّل «المجزي» وإنما «المجدي». وتحت غطاء الثوري الزاهد المسالم، كان يخفي شغفاً وهّاجاً لمفكّر حيويّ عنيد يطمح إلى أن يحقق أحلامه التنويرية دون أي تنازل. وهذا البحث النابه الذي يستند إلى الفكر النقدي الحديث، هو الذي نقله من «الوعي الذاتي» إلى «الوعي الموضوعي» على حدّ تعبيره في دراسته النقدية، حول رواية «القطيعة» المنشورة في مجلة «إبداع» القاهرية.
في جامعة باريس الثامنة «فانسين» التي استحدثت بعد أحداث 68 الطلابية الثورية، في فرنسا، صار أستاذاً، وأبدع في دروسه فيها. فالوعي السياسي عنده كان له بعد ثقافيّ أصيل، حتى كاد السياسي أن يتحوّل إلى ثقافيّ. وقد تحوّل في النهاية. لم تكن الكلمات عنده تنفصل عن الحرية، ولا الحرية عن الحالة الاجتماعية، وهو ما جعل سلوكه يقترن اقتراناً وثيقاً بفكره، ويجعل مفاهيمه التنويرية، في متناول حياته، لأن المعرفة والسلوك عنده هما اللذان يقودان إلى الحقيقة، وليس «الفكر الإنشائي» المبتذل المنتشر الآن في الساحة العربية بتأثير «ثقافة الدولار» البذيئة.
وفي النهاية، كما يبدو لي، كان انتماؤه الوحيد إلى التراث الإنساني العظيم، وقبله إلى التراث العربي النقدي الذي كان له تأثير كبير عليه. كان يهتمّ بتفاصيل الوجود، لا بجوانبه العريضة، وبمشاكله الكبرى، فحسب. وهو ما جعله يبدو «أخاً» لا معلّماً، ولا مرشداً،
ولا دليلاً، «أخاً» نبيلاً، متسامحاً بعمق، وقريباً من القلب، وقد أدرك أن دور الثقافة الانسانية، وطاقتها على التأثير في مناحي الحياة، هو كونها بلا قَسْر.
كاتب سوري