يحيى جابر يتصدى مجددا عبر المسرح للطائفية في لبنان

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي» : الزجل الطائفي من الحفلات الأكثر إنتشاراً في لبنان، وهي مزدهرة منذ ما قبل نشوئه ككيان مصطنع. هذا الزجل كان له تجسيداً المسرحي بين مجموعة من الشباب بصيغة معاصرة وفنية، تحت عنوان «تعارفوا». زجل طائفي أراده الكاتب والمخرج يحي جابر متشحاً بالكوميديا، فكان له ما أراده عبر شخصيات نافرة، واخرى كاراكتير إلى جانب الشخصيات النمطية وهي الغالبة.
قد تكون الكوميديا من خلال الطائفية والطوائف طبقاً مسطحاً ومؤلماً، للبعض ومضحكاً لآخرين. فهي اغتالت احباء لنا ومعارف، واغتالت الأحلام، وبالإذن من الصديق يحي جابر الذي سيقول وما المفرّ؟ لا بأس أن نعيش الطائفية وجهل كل منا للآخر عملياً ومن خلال الفن والمسرح لأيام. وهذا ما جسّدته مجموعة من 18 شابة وشاباً من مناطق لبنانية مختلفة. فهل سيساهم المسرح بحك حيز الوعي لديهم من مخاطر الطوائف على الوطن، فيربحهم الخط المناهض؟
«تعارفوا» هو التعاون المسرحي الثالث بين الكاتب والمخرج يحيى جابر وجمعية مارش التي تأسست سنة 2011، وأخذت على عاتقها مهمة مد جسور والوصل والتواصل بين مجموعات من مناطق لبنانية تناحرت كفاية، وبات لقاء أطرافها ضرورة، فشكّل الفن والمسرح نافذة نحو الهدف المنشود. وهذا ما كان في مسرحية «هنا بيروت» سنة 2014 التي شكلت تعاونه الأول مع جمعية مارش. في هذه المسرحية أتى الحب خلاّقاً جداً بين شباب باب التبانة وبعل محسن في طرابلس. تلك الجبهة التي بلغت أخبارها الآفاق.
على مدى 60 دقيقة تحول مسرح دوّار الشمس حيث عُرضت «تعارفوا» إلى مساحة من الحيوية والفرح. أحسن المخرج اختيار ثيمة اللقاء لتحقيق التعارف. إنه برنامج منوعات أو مسابقات يقدمه «باتريك» ومن خلاله تكرج الشخصيات الممثلة لطوائفها تباعاً. تُدلي بدلوها، تركز على محطات القوة ومحطات الضعف. وأحياناً كانت الصالة تتوقع من كل قادم جديد إلى البرنامج أن يكون من هذا الحزب أو ذاك، من هذه الطائفة أو تلك. ولكن، لم تُصب مرّة توقعات المحيطين بي.
خلطة الطوائف والمذاهب والمناطق على خشبة المسرح شكّلت مسلكاً جديداً لهذا الفريق المؤلف من 18 شابة وشاب. ربما لم يحلُم بعضهم بأن لقاءً مماثلاً سيتحوّل إلى حقيقة. ولم يكن في باله أنه سيكتشف الآخر المجهول وجهاً لوجه. لكنّ المسرح والفن آداة جمع لا تفرقة. وبعد تدريب مكثّف مع المخرج بات الجزء الأكبر منهم مندمجاً مع دوره، وبعيداً عن التكلّف في الآداء.
مشروع جداً الهدف الأساسي للعرض المسرحي «تعارفوا» والمتمثّل في لم شمل الطوائف، واتاحة الفرصة لهؤلاء الشباب باكتشاف هوياتهم وليس هويتهم وحسب. وبدا اللافت والبارز بوضوح إلى جانب التناحر العمودي والأفقي بين الطوائف، أن ما يجمع غالبية فريق «تعارفوا» هو الفقر. هذا الفقر المنتشر من الأوزاعي إلى الشويفات إلى فردان، عابر للطوائف، لكنه يتنحى جانباً حين يتلقى أمراً بالإختباء.
الكوميديا الطائفية «تعارفوا» وضعت الإصبع على جرح الهوية في لبنان.إنها الهويات المتداخلة لشباب ولدوا في لبنان وكبروا فيه، لكنهم ممنوعين منه، ولا حقوق لهم على أرضه، بعضهم من فلسطين أو من سوريا أو من جنسيات عربية أخرى. إلى جرح الهوية لا بأس من التذكير بجرح العنصرية. اللبنانيون عنصريون بين بعضهم البعض فكيف مع آخر من لون مختلف، أو من أم ليست بيضاء و«شق اللفت»؟ ويبقى التنمّر كاسراً للأمواج خاصة في المدارس ومن المعلمات. كلها فجوات ظاهرة في نفوس الشباب والشابات، تتوازى أو تفوق احياناً مؤثرات الطائفية المدمّرة، حضرت في «تعارفوا» بسلاسة وبرّدت قلوب الشباب.
«تعارفوا» نص مسنود إلى الواقع. بعض شخصياته عانوا من الإنقسام المذهبي وبخاصة الإسلامي. لكن دخول العرض إلى حيز التنمّر والفقر والهوية والعنصرية شكّل منعطفاً بليغ الأثر في حياة هؤلاء الشباب. ظهر مسرح يحي جابر كشعلة من الحيوية، رقص الشباب البريك دانس والرقص التعبيري. وكان لبعضهم صوتاً جميلاً أطربنا. وبعضهم الآخر شكل علامة فارقة بكاريكاتير الجسد أو الحركة. يتقن جابر أسرار التعامل مع ممثلين لم يسبق أن تعرّفوا إلى فضاء المسرح. ويقرأ مفارقات في شخصية كل منهم ويتجه لتنميتها لتصبح مميزة.
نجح جابر وجمعية مارش في جمع هؤلاء الشباب خلال ايام التمارين والعروض، والأمل أن يستمروا «متعارفين». مع العلم أن لقاءهم وعروضهم تمت في مسرح دوّار الشمس في منطقة الطيونة. ومنذ أشهر اطلّت الطائفية والفتنة برأسها من هناك وخطفت أرواحاً. إنها أحدث المنازلات الطائفية. فهل تكون الأخيرة؟
«تعارفوا» في عرضها 11 وهي مستمرة إلى نهاية الأسبوع المقبل وقد تُمدد مجدداً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية