تزداد الأزمة حول أوكرانيا خطورة وسخافة في آن معا.
أمّا الخطورة، فقد حشدت روسيا أكثر من 100 ألف عسكريّ قبالة الحدود الأوكرانية مطالبة الناتو بعدم قبول أوكرانيا في صفوفه، ووقف سياسته للتوسع في شرقي أوروبا.
وعلى الرّغم من أن الموقف الروسيّ بدا متصلباً بشأن تلك المطالب، فإن موسكو لم تهدد في أيّ وقت بشن حرب، فيما تُقرّع آذان العالم يومياً أصوات إدارة الرئيس الأمريكي بايدن للتحذير من «غزو روسيّ» وشيك.
أما في أوكرانيا نفسها، فإن رئيسها فولوديمير زيلينسكي – الموالي للغرب – فيدعو الأمريكيين إلى الهدوء، لأن مناخ التّوتر العالي الحالي يضرّ باقتصاد بلاد تعاني من التضخّم الحاد والبطالة الواسعة وتفشي الفساد.
وبينما يتولى رئيس الوزراء البريطانيّ بوريس جونسون دور قارع طبول الحرب، فإن الألمان – وإلى حد ما الفرنسيين – لا يريدون التورّط في نزاع مسلّح حول أوكرانيا ستكون له حال حدوثه انعكاسات مروعة أقلّها – من وجهة نظر الأوروبيين – تأثر إمدادات الطاقة الروسية، التي تضمن استمرار دوران عجلة الحياة في معظم القارة الأوروبيّة، ناهيك عن ركود اقتصادي عميق فيما إذا تم تطبيق العقوبات (القاسيّة) التي تهدد الولايات المتحدة وحلفاؤها بفرضها على روسيا.
وأمّا السخافة، ففي دور وسائل الإعلام المرئي والصحافة الغربيّة التي، بدلاً من أن تقدّم للجمهور حقائق تساعده في فهم طبيعة النزاع بين روسيا وأوكرانيا وخلفيّات السياسات الأمريكيّة كما سلوك باقي الأطراف المعنيّة، فإنها تنخرط بشكل فجّ ومباشر في حرب بروباغاندا موازية للأزمة الجيوسياسيّة، وتبدو في أحيان كثيرة وكأنّها تدفع تجاه تصعيد الأمور وتغني للموت.
وغنيّ عن القول، فإن حرباً ولو محدودة وبالأسلحة التقليديّة في المناطق الشرقيّة من أوكرانيا ستكون لها نتائج كارثيّة على جميع المعنيين، وتداعيات سلبيّة تنسحب على نطاق عالميّ، وقد تؤدي في النهاية إلى حرب أوسع بين أطراف كثير منها مدجج بأسلحة نووية.
والمذهل أنّ ذات تلك الشاشات التلفزيونيّة والصحف (العريقة) ووكالات الأنباء العالميّة التي تقود هذه الجوقة من الجنون، لعبت دوراً مماثلاً قبل ثلاثة عقود عندما كانت تنشر أكواماً من الأكاذيب اليوميّة المعدّة في مطابخ دعائيّة عن امتلاك العراق لأسلحة نوويّة وكيميائيّة، وعن قدرة النظام العراقيّ على توجيه ضربات بأسلحة دمار شامل للمصالح الغربيّة خلال دقائق. وقتها كان لتلك الأكاذيب أن غيّبت العقلانيّة وأفشلت الحلول الدبلوماسيّة لمصلحة مذبحة معلنة ذهب ضحيتها ملايين الأبرياء، وتسببت في التأسيس لمناخات التصدّع التي أصابت العراق تالياً وتستمر إلى اليوم. ولم يكن العراق المنكوب وحده الذي دفع ثمن هذا الانخراط المخزي لوسائل الإعلام الغربيّة في المجهود الحربيّ لعدد من الدّول العظمى ضدّ دولة عالمثالثيّة صغيرة، بل دفعت تلك الوسائل والبيوتات الكبرى للإعلام ثمناً باهظاً من ثقة جمهورها، وفقدت مصداقيتها والعديد من متابعيها، حتى أنّها لم تتعاف من ذلك قط، بل وأصبح بعضها مضرب المثل ومثاراً للسخريّة في القدرة على الكذب البواح والمبالغات الحادة. وفي دول (عظمى) ذات موارد هائلة مثل الولايات المتحدّة، تجد أن الغالبيّة الساحقة من المحطات التلفزيونيّة والصحف الجماهيريّة تقف صفاً واحداً وراء حكوماتها وتغرّد معاً على المِنوال نفسه في التّحريض على تأديب روسيا، ومنع «القيصر» من إعادة بناء جبروت الاتحاد السوفييتيّ (المندثر) وحماية أوروبا من «هتلر» جديد، وتستضيف لذلك إما خبراء من مراكز أبحاث وأكاديميين مصابين ب «الرّوسي-فوبيا» أو إعلاميّين أغراراً – أغلبهم دون الثلاثين من العمر ولم يلحقوا بحرب العراق – يعتقدون بأن الحرب نزهة، فيما تغلق الأبواب بحزم حماسيّ في وجه كل صوت مخالف!
لا أحد يريد أن يفهم «القيصر» الجديد
تعمد أوركسترا الإعلام الغربيّ إلى شخصنة روسيا ووصمها الضمني كعدوّ متوحش لا يكلّ في سعيه لتقويض الديمقراطيّات الغربيّة وحرف الانتخابات (الرئاسيّة الأمريكيّة) والاستفتاءات (بريكست البريطاني حول العلاقة بالاتحاد الأوروبي) لمصلحته، وتلك بالطبع ليست صوراً دقيقة للواقع وأقرب إلى كاريكاتير (استشراقيّ) في فهم العالم. فلنتذكر جميعاً أن فلاديمير بوتين ليس فلاديمير لينين، بل شخصية محافظة، معادية للشيوعيّة، وأنّه كان اختيار الرئيس الروسيّ السابق بوريس يلتسين – حليف الغرب – لقيادة الدّولة التي ورثت الديناصور السوفييتيّ، وأنّ الولايات المتحدة وقتها لم تعارض ذلك، وهي التي كان يلتسين لا يرفض لها طلباً. وفي النهاية لا يمكن اختصار الدّولة الروسيّة الهائلة والمعقّدة في شخص رجل واحد – مهما عظم شأنه، وبوتين يتعرّض لضغوط شديدة من مراكز قوى متعددة داخل نظامه وهناك عدم رضى ملموس من تلكؤه بالتدخّل في دونباس والأقاليم الشرقيّة من أوكرانيا، التي تقطنها أغلبيّة ذات أصول روسيّة وتتعرض لاعتداءات دوريّة من قبل الجيش الأوكراني ومتطرفين.
ولعل شُروع الولايات المتحدة في إجراءات إضافيّة تستهدف استيعاب أوكرانيا في الناتو مثّلت تجاوزاً لخط أحمر في استهداف المصالح الروسية، لم يعد ممكناً بعده السكوت، وإذا لم تتحرك القيادة فلا بدّ أنها ستزاح وتستبدل بأخرى قادرة على اتخاذ مواقف أكثر صرامة. وهذا كلّه لا يصل عبر الجوقة إيّاها للجمهور العاديّ مقابل سيل من الشخصنة والشيطنة والمبالغات وأنصاف الحقائق المتلاحقة.
روح الاستعلاء الأمريكيّة القاتلة
على الجانب الآخر، وعبر الأطلسي، تتم مهاجمة الرئيس بايدن على منابر الإعلام الجمهوري الهوى، بوصفه لا يتصرّف بحزم كاف مع روسيا، وتمارس القوى السياسيّة المهيمنة على دولة العالم العظمى ضغوطاً لتأديب بوتين، ودفع أوكرانيا إلى حافة الهاوية لأجل عيون الناتو. روح الاستعلاء والتعالي على روسيا تحديداً اعتماداً على ذكريات الانتصار الحاسم في الحرب الباردة لم تعد واقعيّة في أحسن الأحوال. فروسيا اليوم ليست تلك الدولة الصاعدة من ركام الانهيار، ولا تزال قوّة نووية كبرى وتمتلك موارد هائلة من النفط والغاز تحتاجها أوروبا بشدّة وتكنولوجيّات قتال متطورة. وهناك أيضاً المارد الصيني الصاعد (1400 مليون نسمة) الذي لم يعد يمكن تجاهل وزنه الاقتصادي والعسكريّ في ميزان القوى العالميّ. ولذلك فإن الولايات المتحدة بمراهنتها على التصرف بعقليّة جيل التسعينيات المنتشي بتقويض الإمبراطوريّة الشيوعيّة، تخطئ التقييم وتخاطر في جرّ العالم إلى مساحات لا يأتي من ورائها إلا الدّمار والخراب.
لكّن ذلك لا يبدو أمراً يستحق النقد أو المعالجة في قنوات الإعلام الغربيّ، التي استمرأت التضليل والتجهيل.
الهاربون إلى أوكرانيا من «الدّاخل»: جونسون وماكرون
إلى جانب اللّاعبين الأساسين، روسّيا والولايات المتحدة، والملعب – أوكرانيا، فإن هنالك أطرافاً ثانويّة معنيّة بالنزاع، لا سيّما في أوروبا التي ستدفع أكثر من غيرها حال تطورت الأزمة على جانبها الشرقيّ إلى حرب شاملة.
وباستثناء ألمانيا التي اتخذت موقفاً أقرب لمصلحتها عبر التزام جانب الحياد، ورفضت دعم أوكرانيا بالسلاح أو المعدات سعياً لتجنّب إغضاب الروس، فإن دولا أقلّ أهميّة مثل بريطانيا وفرنسا تبدو أكثر حماسة حتى من الأمريكيين المهووسين أنفسهم في الترويج للحرب والقيام بالعنتريّات ضدّ «الدبّ الروسيّ» أو «القيصر الجديد». لكن الحقيقة أن زعماء تلك الدول يهربون بالفعل من مشاكلهم الدّاخليّة الفظيعة إلى فضاء الأزمة الأوكرانيّة سعياً لاستعادة شيء من احترام مفقود (فضائح بالجملة لحكومة جونسون) أو شعبيّة مترديّة لحظة الاقتراب من الاستحقاقات الانتخابيّة (رئاسيّات فرنسا في إبريل/نيسان المقبل). ومجدداً، فإن إعلام الدّولتين، يصطف إلى يمين قياداتها، ويشغل وقته في التّهويل من الغزو الروسي، الذي حتماً سيصل إلى باريس ولندن في نهاية المطاف، ويتناسى كم قيادات بلاده فاسدة وفاشلة وتابعة!
وهم السلطة الرابعة
الإعلام الغربيّ – والعربيّ الذي ينقل عنه دون تروٍ – أصبح بشكل أو آخر عبئاً على الشعوب وخادماً ذليلاً للسلطات التنفيذيّة مستقيلاً بالكليّة من دوره كسلطة رابعة تمارس النّقد لمصلحة المجتمع العليا، بل وتحوّل شريكاً ومساهماً في مشاريع الحروب والدّمار، مستغرقاً في دونيته، فيكرر أخطاء الماضي دون التعلّم منها. هكذا إعلام، يستحق كل الازدراء وغياب الثقة الذي انتهى إليه. لقد حان الوقت لبناء سلطة خامسة للضغط على صانعي القرار ومنعهم من ارتكاب الحماقات، لكن ذلك حديث آخر.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن