تخليق العنف والإرهاب في العقل العربي

يكتسي التحليل المنهجي المدقق في حقل صناعة التطرف في المجتمعات العربية، وترسيخ العنف كأحد وسائل التفاعل الجمعي في الواقع العربي بصعوبة بالغة تتعلق أساساً في التداخل المتراكب لجدلية تفاعل الداخل عربياً والخارج دولياً، الذي لا يمكن تبرئته من فعل تراكمي أدى إلى مفاقمة الأعطاب الذاتية في البنية الاجتماعية العربية، وتحويلها إلى ثقوب في الحياض الاجتماعي العربي، يكاد ينسل منها كل نسيج وتعاقد اجتماعي سالف التحقق في المجتمعات العربية، ولا تبقي خلفها سوى كتلة هلامية من البشر الذين لا يجمعهم سوى الوجود في المكان والزمان في مجتمع هو الهشيم بحد ذاته.
وقد يكون البعد الذاتي بوجهه المتمثل بإخفاق جميع الدول العربية الخارجة من رحم الاستعمار، ومبضع اتفاقيات سايكس بيكو الخبيثة سياسياً وتاريخياً بالمعنى المنهجي، في تشكيل هوية وطنية جامعة تنطلق من حدود واضحة للعقد الاجتماعي الناظم للعلاقة المؤسسية بين أبناء الوطن الواحد في ما بينهم، وهؤلاء الأخيرين مع الدولة التي يفترض بها ضبط وصيانة ذلك العقد الاجتماعي. وفعلياً لقد أخفقت النظم العربية جميعاً على اختلاف الاتجاهات التي اتخذتها، سواءً القومية، أو الاشتراكية، أو الدينية المحافظة، أو الليبرالية المنفلتة من كل عقال، أو العفوية المنفعلة التي لا تحكمها إلا سياسة الانقياد لما يريده أسيادها في الغرب والمستثمرون المتوحشون ومتعددو الجنسيات على أراضيها، في تشكيل هوية وطنية تتجاوز القشرة الدعائية التي تحتاجها الأنظمة العربية، لإسباغ شرعية مختلقة تدعي امتلاكها بدون أن تستحقها فعلياً، في سياق تحقق ذلك العقد الاجتماعي الحاضر بلاغياً في خطاب تلك النظم، والغائب كلياً في واقعها العياني المشخص.
ولقد مثل غياب الهوية الوطنية الواقعة الجامعة لأرهاط البشر المتكدسين في الأحواض الجغرافية العربية، على اختلاف توجهات دولها، حجر الزاوية في تشكيل البنية التأسيسية لحالة التشوه المعرفي لدى السواد الأعظم من أبناء المجتمعات العربية، التي وجدت نفسها غارقة في تناقضات جوهرية، تاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية معرفية، كان من المفترض أن الهوية الوطنية الجامعة كفيلة في تذويبها، والبناء على ما تم صهره منها في عملية التنمية والتوحيد للمجتمع، كما هو الحال في المجتمعات ذات الاختلافات العرقية والمذهبية والإثنية، في العديد من الدول الناهضة من ركام ما تركه المستعمرون في أراضيهم في شرق البسيطة وغربها، سوى تلك التي تنطق بلغة الضاد.
وقد يكون المفعول البديهي لحالة التشوه المعرفي ذلك، متحققاً في ضبابية التعريف العربي لماهية (الأنا) الجمعية في مواجهة أولئك (الآخرين)، فلا حدود واضحة للذات الاجتماعية العربية، فهي سائلة في فيض من التعريفات القسرية لتلك (الأنا) بدون أن يكون أي منها طبيعياً واجتماعياً بالمعنى العلمي، فهي تارة قبلية، إثنية، لغوية، مناطقية، طائفية، مذهبية، مافيوية، ميلشياوية؛ وكأنها أقنعة تتم المبادلة فيما بينها بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، بدون أن يكون للمجتمع ككل اعتبار فعلي عند اختيار أفراده لأي قناع يتوجب ارتداؤه في تلك الشروط، ويتوجب خلعه، وتغييره عقب تبدل تلك الأخيرة.
وإن استبطاناً معرفياً لأزمة غياب الهوية الوطنية الجامعة لدى السواد الأعظم من أبناء العرب، يلخص حالة الهلام والتقلب المهول في الأهواء والانتماءات لدى شرائح كبيرة من أولئك، فهم تارة في المقلب اليساري الإرادوي الذي يظن قدرته على اجتراح المستحيل إيديولوجياً، وطوراً في ركن قومي ملتهب خطابةً وحسب، ومرة سلفياً حاكماً باسم الله، أوقَبَلياً، أو ليبرالياً متوحشاً، أو متنكساً لا أدارياً منسحباً من كل ما له علاقة بالكينونة الاجتماعية للإنسان. وذلك الهلام هو ما يمثل الأرضية النموذجية لاختلال الأدوات المنهجية في تعريف (الأنا)، وما يرتبط بذلك من تضاد فطري، وبدائي في آن معاً مع ذلك (الآخر) ومن لف لفه في لحظة وزمان معينين، وهو ما اقتضى كنتيجة حتمية حالة ضبابية سهلت وتسهل استمراء تنميط ما يفترض بأنهم في الأحوال الطبيعية شركاء في الوطن، كونهم من فئة (هم) الضالة، وما يستتبع ذلك من كل مفردات القاموس التبريري لأدوات التعامل مع تلك الفئة؛ فهم ليسوا من فئة (نحن) التي لا جناح عليها في كل ما تفعله بكل ما ينتمي ظنياً إلى أولئك الآخرين من فئة (هم).
ويستدعي البحث العلمي الرصين في إنتاش جذور الإرهاب في العقل الجمعي العربي، استحضار جدلية تأصيل الإرهاب والوعي العنفي في سياق فعل الدولة الأمنية العربية، التي عملت على ترسيخ نفسها كونها رقيباً وحسيباً يحصي على أبناء الوطن كل حركاتهم وسكناتهم وحتى أنفاسهم وأحلامهم، ويعاقبهم بكل أشكال التنكيل الهمجي والبدائي، في حال زيغانهم ولو بشكل محتمل عن مصالح الطغم الحاكمة، التي يفترض أنها تحكم باسم من تحكمهم ولمصلحتهم. بالتوازي مع الفعل الملازم لكينونة الدولة الأمنية العربية المتمثل في تحويل الجيوش الوطنية العربية، مما يفترض أن تكون عليه، كبواتق لصهر الاختلافات الصحية في كل المجتمعات الحية على وجه البسيطة، لصالح تحويلها إلى بنية وطنية جامعة لكل أبنائها الذين يشكلون عديد تلك الجيوش العتيدة، إلى مستنقعات للفساد والإفساد، ونهب ثروات الوطن وفقرائه، ومقصلة من حديد ونارٍ مسلطة على رقاب العباد، مسؤوليتها الأولى توطيد سلطة الدولة الأمنية، وتثقيل وزنها النوعي في مواجهة أي إرادة شعبية تختلف مع تلك الأخيرة. وهو ما أدى كنتيجة طبيعية إلى إحساس الغالبية شبة المطلقة من أبناء المجتمعات العربية بتضاد مطلق مع مفهوم الدولة، وكل ما يتفرع عنها؛ فهي دوماً في وجدانهم مخابرات، وقمع، وعسس، وتنكيل، وفساد وإفساد، مع تباينات طفيفة بين المجتمعات العربية المنهوبة والمفقرة، وأقانيمها الريعية البنيان، التي لازالت تستطيع ذر بعض فتات اقتصاداتها الريعية لرشوة مواطنيها وتأجيل تنافرهم المطلق مع بنية الدول الأمنية القمعية التي يعيشون فيها.
ولأن الإنسان كائن اجتماعي نمطي في معظم الأحوال، يتقن تكرار ما تعلمه من أدوات للتواصل مع الآخر؛ فإن ثقافة العنف المنفلت من كل عقال التي وطنتها الدولة الأمنية العربية، وأصبحت هي المنطق النموذجي السائد في تفاعل الأرهاط الهلامية من البشر، التي لم تفلح في تلمس هوية جامعة لها مع من تتشارك معهم ضمن الحدود الجغرافية الافتراضية للعقد الاجتماعي المغيب قسراً في ما بينهم، وهو ما يفصح عن نفسه في ترسخ أدوات العنف في مفاصل حياتية مهمة في حيواتنا، نحن العرب، بوضوح متفاوت على المستويات الأسرية والاجتماعية والسياسية، وحتى الثورية في غالب الأحيان.
إن تفاعل مركبي تغييب الهوية الوطنية والتعملق السرطاني للدولة الأمنية العربية، يمثل البنيان التأسيسي لاستبطان وإعادة إنتاج الوعي العنفي في العقل الجمعي العربي، واستمراء الإرهاب وسيلة للتفاعل مع من يفترض أنهم إخوة في الوطن الطبيعي الجامع لأبنائه، وهو الذي لم يتحقق حتى لوجنينياً في الجغرافيا العربية منذ استقلالها الشكلي عن مستعمريها وحتى اللحظة الراهنة. وعسى أن يستطيع الربيع العربي في مخاضه العسير والمضني، وجهاده الجدلي الطويل الذي لا يزال في بواكيره التاريخية، أن يحقق ذلك بأيدي أبنائه أنفسهم، وينقذه ممن يحاول اختطافه والعودة به إلى مربع العنف والإرهاب المقيم.

٭ كاتب سوري مقيم في لندن

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية