بيروت – «القدس العربي»: بعد أن حضر في محطات سينمائية كبيرة منها مهرجانا برلين والقاهرة الدوليان، سيكون فيلم «دفاتر مايا» متاحاً للجمهور اللبناني، بدءاً من الثالث من آذار/ مارس المقبل. الفيلم المُهدى للأجيال الحاضرة والمقبلة من أبناء الوطن الممزق أعاد ذاكرتنا إلى مرحلة الثمانينيات القاسية، وليالي القصف المرعبة. وإلى جانبها محاكمة دون محكمة لسلوك الإنكار والصمت، والتعالي على الجراح والإقفال على الماضي، مما يراكم الأعباء النفسية والجسدية.
إنها ليلة عيد الميلاد في مونريال، جدّة وحفيدتها تحضّران للسهرة وتنتظران الأم مايا. في هذه الأثناء يطرق ساعي البريد الباب ليسلّم صندوقاً. تحاول الجدة رفضه «ليس لنا» والحفيدة أليكس تتسلمه. تسعى الجدة لإخفائه عن ابنتها «بدو يخربلنا سهرة الميلاد» ولا تنجح.
صندوق وصل من عائلة ليزا الصديقة المقرّبة جداً لمايا، بعد موتها في حادث سير في فرنسا. إلى الرسائل الكثيرة التي يتضمنها الصندوق ثمة أرشيف غني بالصور كانت مايا قد إلتقتطها، ومنها صور جثمان والدها المُسجّى داخل المنزل في بيروت قبل دفنه. صور بقيت شريطاً في الكاميرا، ظهّرتها ألكس وأخرجتها إلى النور.
ومع هذا الصندوق فتحت أليكس جروحاً كانت الجدة وابنتها تجتهدان لختمها بالشمع الأحمر دون برائها. جرح أليم تمثّل بفقد العائلة لإبنها شادي خلال الحرب، لازم الأب وكشف شحنة العاطفة التي بداخله. عاطفة عذّبته وأفضت به للإنتحار. فقررت الأم مغادرة وطن اغتالت حروبه ابنها وزوجها، وصار لها بيت صغير في كندا يلفه الصقيع والماضي المنبوذ. وهناك صارت مايا أماً عزباء. يتناول فيلم «دفاتر مايا» الحرب الأهلية اللبنانية ومآسيها دون خوض في المسببات والمتسببين والمشاركين في تأجيجها. فيلم إنساني وعاطفي ووطني دون ملامسة للشعارات. فمن خلال عائلة صاحب المدرسة ومربّي الأجيال «عادل» نتواصل مع الجانب السلمي الإنساني لفئة كبيرة من اللبنانيين رفضت الحرب. مايا عرّفت والدها خلال الفيلم وقارنته مع حبيبها الذي تركها ملتحقاً بالبندقية، إذ تقول «بيي ناضل كل حياتو ليعلِّم الناس ورجا بدّو يحارب»!
وهو عاطفي حين يضعنا على تماس مباشر مع علاقة حب نمت بين مايا ورجا، والمغامرات التي يعيشانها، وكأن شعارهما بات الصراع بين الحرب والحب. والفيلم وطني بالمعنى المجازي دون توجيه مباشر، إذ يُظهر بشاعة وعمق الجراح التي تتركها الحرب في نفوس البشر. فهل تتعظ الأجيال الصاعدة وترفض استعادتها؟ إنه الرجاء.
دفاتر مايا يجمع ثلاثة أجيال مختلفة من النساء. الجدة التي قررت اقفال صندوق الماضي وتمنت لو يندثر من الوجود. هذه الجدة المهتمّة بالصورة والنمطية لم يهُن عليها التسليم بانتحار زوجها وضعفه وعدم تقبُله موت ابنه، فأطلقت عليه طلقتين من المسدس نفسه، وقالت لإبنتها «بيك ما انتحر بيك كان بطل». تأثرت مايا بحياة والدتها وصارت تشبهها في مكان ما فأقفلت على ماضيها، وتركت الصراع المكتوم قائماً بينها وبينه. أما الحفيدة أليكس فلم تقنعها الأقنعة وأصرّت على الحقيقة. رفضت الكذب «لا ارى سبباً لأن تخفي أمي وتكذب».
مع مشاهدتنا ولمسنا لكثير من الضغوط والتأزم وأصوات القصف العنيف، وصور كرات النار المتطايرة ليلاً كمشهد سيريالي قاتل، كانت المشاهد الرومنسية بين مايا ورجا تذكّرنا بأن للحياة طعما آخر يختلف عن الموت. ولرقص الشباب وموسيقاهم المحببة أن تنتصر على أفعال القذائف ونتائجها على البشر والحجر. مشاهد تسللت إلى الشاشة بسلاسة وحب وهدوء. وتبعتها الكثير من المشاهد المؤثرة كما صور الذكريات التي جمعها الصندوق. ومشاهد الشمس والقمر المتوالية بسرعة خلال زيارة مايا وأليكس لبيروت، وغيرها. رغم الحرب التي هي الأساس، تضمّن دفاتر مايا ألواناً جميلة ومشاهد مميزة.
«دفاتر مايا» يبلغ ذروته بزيارة مايا وأليكس لبيروت. إنها رحلة التصالح مع الماضي والذات. يرتاح وجه مايا وتختفي تقلصاته التي لم تفارقه في مونريال، وتنفرج أسارير أليكس بمشاهدة مرابع طفولة وشباب والدتها. نكشها لمحتويات الصندوق وحوارها المتواصل مع والدتها رغم توتره، شجع الأخيرة لمواجهة الماضي وفي مكانه بالتحديد.
الثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج قدما في جديدها الذي يمتد ل102 احاطة رشيقة على صعيد الصورة والحكاية. إنها مرحلة مؤثرة في حياة اللبنانيين هي عقد الثمانينيات. استعملا كافة الوسائل التقنية المتاحة لإغناء صورة سينمائية أراداها رسالة دون وعظ. تجلّت الذاكرة بكل قوتها. ذاكرة تمس القلب، موجعة وقاسية، وجميلة للحظات. ذاكرة يصعب ختمها بالشمع الأحمر كما قررت الجدة ولم تفلح مستدرجة معها ابنتها. وإذ بها تتمنى من حفيدتها خلال زيارتها لبيروت «صوريلي بيروت والشمس..ما تنسي الشمس أيه تاتا».
خيارات موفقة للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج على جبهة الممثلين. جميعهم تميز بحضور طبيعي مما اضفى على الفيلم مزيداً من الواقعية والحقيقة. دفاتر مايا فيلم يقارع الموت بجرعات من الحياة، فالحروب الأهلية في وطننا عبثية.