لماذا كل هذا الحزن على سامي كلارك؟

حجم الخط
10

اختلف عشاق الفنان اللبناني سامي كلارك في تناقل خبر وفاته، قسم اعتبره جزءا من طفولتنا الجميلة، لارتباط اسمه ببطلنا «غرندايزر» وقسمٌ رفض هذا الوصف، باعتبار أغنية لشارة مسلسل «أنيمي» لا تناسب مقامه، مُذكرا بمساره الفني العظيم الذي لا يمكن اختصاره، فالرجل في جعبته أكثر من سبعمئة أغنية، وقد بدأ حياته طالبا في كلية الحقوق، قبل أن يذهب إلى الفن طواعية ويعطيه كامل عمره. حياة مكتظة بمنجز فني أسسه وكبره بصوته الأوبرالي المميز، ومن المستحيل اختصاره في مقال.
الرجل الذي لم يخنه صوته أبدا طيلة الثلاث والسبعين سنة، التي عاشها، جال عواصم العالم، وغنى بعدة لغات، ونال جوائز عالمية، لكن أغنية شارة المسلسل الكرتوني، الذي عرضته القنوات العربية نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، غيّرت تماما من حجم شهرته ونوعيتها. قد نختلف في حب أم كلثوم وفيروز مثلا، لكننا لن نختلف في حب أغنية غرندايزر بصوت سامي كلارك، أجيال بأكملها تحفظها وتردد كلماتها التي كتبها الشاعر السوري موفق شيخ الأرض، الذي سبق كلارك إلى الرفيق الأعلى قبل خمسة أشهر فقط عن عمر يناهز الـ104 أعوام.
أي نعم هو ليس وديع الصافي، وليس صباح فخري، هو بكل بساطة سامي كلارك، الذي اكتسب جمهورا عريضا من كل الأعمار، وحتى الأطفال أحبوا صوته وعشقوا كلمات أغنياته، وكانوا على يقين من أن اللغة العربية لا تفقد من جمالياتها حين تُغنى، وهو واحد من الفريق الذي ينسب للزمن الجميل، مدهشا طفولتنا وصبانا بروعة هذه اللغة. يستحيل اليوم أن تدخل اللغة العربية قاموس لغة الأطفال اليومية، فيما على أيامنا زمان كانت كذلك، كنا لا نكتفي بحفظ أغاني الشارات، بل نحاول إتقانها ونحن نعيد تمثيل كل ما تأثرنا به من مشاهد الكرتون المدبلجة. بالتأكيد حصلت اللغة العربية على كل مقومات نجاحها آنذاك، وأولها الأصوات شديدة الخصوصية التي قدمتها لنا في أبهى حلة، مع الإلقاء الحسن، والنطق السليم. أما فخامة صوت سامي كلارك فهي قصة طويلة لوحدها، دامت منذ تلك الأيام ولا تزال باقية. عن الكلمات التي لم تغادر أذهاننا أبدا وهذا جزء منها،
«هذي الأرض يا غرندايزر كوكب صغير
خيرها يزهو، حبها يسمو، للعدل تسير
دافعوا دافعوا حتى تفوزوا بالحب العظيم»
نتوقف متسائلين هل يمكن مقارنتها بكلمات أغاني أخرى مثل «بوس الواوا» للحسناء الفاتنة هيفاء وهبي، التي بالتأكيد غنت الأغنية للبالغين من باب الإغراء وليس للأطفال، و»شخبط شخابيط» وأغان أخرى، ملأت ألبوما كاملا للبنين والبنات لنانسي عجرم، التي حتما لم ترسخ في ذهن أي طفل، ولعلها علقت في أذهان أطفال فوق الثامنة عشرة، وهذا ليس الهدف من الألبوم غير المدروس جديا من المشرفين عليه.
والصراحة منذ استسخف كتّاب الأغاني عقل الطفل، واستسهلوا الكتابة له، فشلت تماما كل المحاولات للوصول إليه بأي نتاج فني عربي. ومنذ أصبح يُقاد إلى حلبات الكبار في برامج تنافسية تسحق طفولته، أصبح يبتكر عالمه، ويعيش فيه على طريقته. نتساءل مثلا من باب الفضول لماذا «شخبط شخابيط» وليس شيئا مثل أشعارنا القديمة:
«نقطع الدروب، نُفرِح القلوب، ولنا في كل شارع صديق،
نقطع المدى، لا نؤذِي أحدا، نزرع الأفراح في كل طريق»؟
ولا بأس بالتذكير أن كلمات شارة مسلسل «ريمي الطفل الشريد» مفهومة لدى الجمهور العربي من الخليج إلى المحيط، فيما تبقى كلمات أي أغنية على نسق «شخابيط» مفهومة وغير مفهومة. العربية الفصيحة تبقى المشترك بيننا شئنا أم أبينا، وهذه نقطة أخرى يجب التوقف عندها كثيرا. ربما اجتهد أنصار اللغة المحكية لإنتاج أغانٍ شبيهة بـ»ماما زمانها جاية» و»ذهب الليل طلع الفجر والعصفور صوْصوْ» ومجموع أغاني محمد فوزي التي لا نزال نتذوقها بلذة ونسمعها بإعجاب، وإن كان لا يخلو من نوستالجيا لعمر مضى.

الآن يمكننا أن نفهم لماذا بكت كل هذه الجماهير سامي كلارك، لقد كانت الدموع دائما علامة على سلامة القلوب من القسوة والشر، والتعاطف مع الآخر، كما كانت علامة على ثقة كبيرة بالنفس، وبكاء كلارك كان بكاء لكل ما يرمز إليه، من نقاء وحب وجمال، ربما بكيناه أيضا أسفا على تقصيرنا تجاهه، وذهابنا مع الموجة التي اخذتنا بعيدا عن أحلامنا القديمة.

سأبوح لكم بشيء آخر، لا أعرف مقاييس السعادة بالضبط، لكني متأكدة من أن طفولتنا كانت أكثر من سعيدة، ليس لأننا كنا نعيش في كامل حواسنا، دون أن نهمل واحدة منها، فقد ركضنا وقفزنا، وغنينا ورقصنا، وتشاجرنا وتصالحنا، وقعنا ونهضنا، بكينا وضحكنا، وعشنا كل شيء على الواقع بعيدا عن العالم الافتراضي الذي يسرق أطفالنا اليوم، حتى من أحضان آبائهم وأمهاتهم، بل لأننا عشنا متعة تذوق الفن الحقيقي، وتعلمنا كيف ينتصر الخير على الشر بالحب.
اليوم وأنا أتابع مراسيم دفن الفنان سامي كلارك، عبر مقاطع الفيديو المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولمستُ كم الحزن الذي اجتاح المنصات العربية، أدركت أن كم البراءة، لا يزال كبيرا في عالمنا العربي، لقد شعرتْ هذه الجماهير باليتم، وهي تفقد بطلها للمرة الثانية، ففي النهاية كلارك مثل «غرندايزر» تماما حارب الشر، وقاوم الحرب اللبنانية بأغنياته، ومضى عكس التيار في أيام حالكة عاشها لبنان، رافضا مع كوكبة من أنصار الحب والسلام، أن يخسر وطنه كل شيء جميل دفعة واحدة، قاوم مع المقاومين ليبقى لبنان في الواجهة الثقافية في كامل سحره، فيما الميليشيات مشغولة بالقتال وعقد صفقات السلاح. ولعل أكثر ما أثر فيّ ما رواه بعض أصدقائه عن رفضه أن يحال على الهامش لأنه أصبح «مسنا» فأسس فرقة تذكر الناس بالزمن الذهبي واستمر في نضاله السلمي غير مبال بالنكران الذي قوبِل به.
أي نعم ظل الجمهور العربي وفيا لصوته وفنه، وكان حاضرا في مهرجانات عربية خارج لبنان، لكن هل انتبه اللبنانيون إلى الكنز الذي يملكونه؟ لعل الإجابة عن السؤال جارحة وغير مجدية، لكن علينا أن نستخلص الدروس مما يحدث، إذ لا يمكن لوفاة سامي كلارك وكل هذا الحزن الجماهيري أن يمرا مرور الكرام على المشهد، ثمة شيء يستحق الوقوف عنده بشكل جدي، والتأمل فيه، والخروج منه بقرارات صحيحة. علينا أن نتساءل أيضا أين هم الباقون على قيد الحياة، لنتدارك أخطاءنا معهم؟ وإن كانت بعض الأصوات تشيخ، فإن بعضها الآخر لم يشخ بعد، وإن كان كُتاب الأغاني اليوم عاجزون عن الكتابة عن الحرية والحب والصداقة والقيم الجميلة، فإن الكتب القديمة تعج بنصوص غاية في الجمال. كم من شاعر للأطفال ظلمناه بتركه في الركن البعيد عن الأضواء؟ ما أقسى أن يهمش شاعر شاعرا آخر، ويحارب كاتب كاتبا آخر! عاش موفق شيخ الأرض 104 سنوات ولم يُلقَ عليه الضوء ولو مرة واحدة، ويقدم للجمهور العريض الذي يحفظ أغنية غرندايزر، وهذا يجعلني شخصيا أعتب على نفسي، فقد كنت أبحث عن أدباء تركوا بصمتهم على تكويني الأدبي، وأسافر إليهم إلى آخر الدنيا، ولم يخطر ببالي أن أبحث عنه، كنتُ مأخوذة بأذواق الكبار، معتبرة المؤثرين الذين صنعوا طفولتي قد ذهبوا معها، فيما الحقيقة تقول أن لا طفل يموت في داخل صاحبه، كلنا أطفال في لحظات معينة، كلنا نحلم برحلة عجيبة عبر الزمن، تنْقُلنا في لمح البصر من حاضرنا إلى حصيرة الماضي، أمام شاشة تلفزيون بالأبيض والأسود تبث أشرطة الكرتون التي صدقناها حتى البكاء، وآمنا بكل ما تركته فينا من وصايا الخير والمحبة.
الآن يمكننا أن نفهم لماذا بكت كل هذه الجماهير سامي كلارك، لقد كانت الدموع دائما علامة على سلامة القلوب من القسوة والشر، والتعاطف مع الآخر، كما كانت علامة على ثقة كبيرة بالنفس، وبكاء كلارك كان بكاء لكل ما يرمز إليه، من نقاء وحب وجمال، ربما بكيناه أيضا أسفا على تقصيرنا تجاهه، وذهابنا مع الموجة التي اخذتنا بعيدا عن أحلامنا القديمة.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية