إلى جانب ما يَحفل به تراثنا الشعري العربي من أمثلة القوّة الرجولية والشهامة، كما في شعر عنترة بن شداد الذي «يغشى الوغى ويعُفّ عند المَغنَم»، نجد غيرَ قليل من الأمثلة على شعرٍ يمثل نوعاً من الميوعة العاطفية التي يُستغرَبُ وجودها عند ربّات الحِجالِ، فما بالُك لو وجدناها عند الرجال؟ وقد ظهر بعض ذلك في بدايات القرن العشرين، وخاصة عند مثقفي بلاد الشام ممن اطّلعوا على الأدب الفرنسيِ في نهايات القرن التاسع عشر. لا أستطيع الجَزم عن رواية تيوفيل كوتييه ( 1811- 72) بعنوان «مادموازيل ده موبان» إن كانت معروفة بنصّها الفرنسي أو إن كانت قد تُرجمت إلى العربية في بواكير القرن العشرين، وصارت معروفةً لدى أدباء ذلك العصر وشعرائه. اللحن الرئيس في هذه الرواية هو البحث عن البالغة الجمال التي تُرضي العاشق دالبيير الذي أقبل في زيّ امرأة، وبدأ بمغازلة هذه المعشوقة المثالية التي كانت تقضي الليالي مُتقلِّبةً في عذابات حُبٍّ مثالي مُتَخَيّل.
يبدو لي أن صُوَر الحب والغزل في بعض شعر المثقفين «الشوام» تحمل مياسم غير بعيدة عن أجواء «مَرَض العصر» كما كان الفرنسيون يطلقون على أدب نهايات القرن التاسع عشر، من انشغاله الكبير بالمشاعر الشخصية وأوّلها الحب.
ويحضر إلى الذهن في هذه المناسبة شعر الأخطل الصغير، بشاره الخوري (1885-1968). فقد كانت قصيدته بعنوان «الصِبا والجمال» ذات أثر كبير في إشاعة اللحن الرئيس في رواية «مادموازيل ده موبان» في السعي إلى الصِبا والجمال مؤطّراً بالحب، المفهوم على المستوى البشري دون ما في رواية كوتييه من غرائب السلوك وتزييف شخصية العاشق. ولكن المبالغة عند الشاعر الشامي-اللبناني تبقى في المتناوَل لأنها تتحدث عن صُوَر يمكن تقبّلها بابتسامة، لا باستنكار وعزوف، كما قد نفعل تجاه عاشق يقلب طبيعته لكي يدخل إلى مغاني الحبيبة التي أضناها السهر. فالحبيبة هنا ملكة جمال، اجتهد كثيرات من حسناوات لبنان للتماهي معها:
الصِّبا والجمالُ مِلكُ يَديك ِ
أيُّ تاجٍ أعزّ من تاجَيكِ!
نصبَ الحُب عرشَه فسألنا
من تُراها له فدلَّ عليكِ
فاسكُبي روحَكِ الحنونَ عليه
كانسِكاب السماء في عينيكِ
كلّما نافسَ الصِّبا بجمالٍ
عبقريِّ السَّنا نَماهُ إليكِ
قتلَ الوردُ نفسَه حسداً منكِ
وألقى دماه في وجنتيكِ
والفراشاتُ ملَّتِ الزهرَ لمّا
حدّثتها الأنسامُ عن شفتيكِ
وكان ذلك في حدود عام 1935 في لبنان. فانتشرت سمعة القصيدة في أرجاء الوطن العربي فتلقّفها مُطرب الجيل محمد عبد الوهاب ولحّنها وغنّاها مما زاد في سمعة الشاعر والمغنّي معاً، وزاد في انتشار مفهوم الحب والجمال، وصار الشباب يترنّمون بالقصيدة في مشاويرهم وأثناء العمل.
كانت هذه الأوصاف جديدةً في طراوتها، تستهوي المحروم من الحُب والحنان، حتى ولو كان أميراً يتربّع على أكياس من المال وهو «يقرض» شعر الحُب والحنان؛ فما بالكَ بنفرٍ من عامة الناس يقرأ أو يسمع هذه الأوصاف العجيبة للحُب والجمال!
نَصَبَ الحُبُّ عرشَه فسأ لنا/ من تُراها لَهُ، فدلّ عليكِ!
هذه هي المعشوقة التي يحلم بها السامع! يا للميوعة التي يصعب الإمساك بها. فاسكُبي روحَك الحنون عليه. على من؟ على عرش الجمال؟ أم على العاشق المُتيَّم المحروم؟ كانسكاب السماء في عينيكِ. وعيناها زرقاوان بزُرقة السماء. لكن بعد أيام الأخطل الصغير صار الغزَل لا بالعيون الزُرق، بل بالعيون الخُضر، «أوخوس فييرذيس» كما تترنّم تلك الغادة الإسبانية ذات الأصول الأندلسية. ثم نصل إلى: قتل الورد نفسه حسداً منكِ/ وألقى دماه في وجنتيكِ. هذه وحشيةٌ في وصف حُمرة الخدّين. وقد تطوّرت لحُسن الحظ في اللهجة اللبنانية الجميلة إلى «خَدِّك نوَّر تفّاحو» والنوّار الزهر في أول تفتّحه يكون ضارباً للحُمرة، وهكذا تكون حُمرة الخدّ بالنوّار الأحمر لا بالدم الأحمر. أما الفراشات المسكينة فقد احتارت بين الزهر الأحمر وبين شفتي المعشوقة المثالية. يا للحيرة!
وقد توسّع الاهتمام بمشاعر الحب والتغنّي بها على مستويات شتى في المجتمعات العربية على امتداد عقد الأربعينات من القرن العشرين، وبخاصة في مصر، مع بروز أم كلثوم التي استهوت بأغانيها جميع طبقات الشعب في مصر وفي بقية البلاد العربية. وكانت أغاني الحب الأولى التي تقدّمها أم كلثوم من عيون الشعر العربي الفصيح، من أعمال ديك الجن الحمصي: «قولي لطيفك ينثني عن مضجعي وقت المنام» ، ومن أبي فراس الحمداني: «أراكَ عَصيّ الدمع شيمَتُك الصبرُ». وكانت الأغاني قصيرة نسبياً، يَخلد الجمهور فيها إلى التأمّل والسكون. ويغيب في أحلامٍ ورديّةٍ عن الحب والجمال، أو هذا ما كانوا يدّعون. لكن ذلك الوضع قد تغيّر بالتدريج على امتداد عقد الخمسينات وما بعده، فصارت أغاني أم كلثوم بالعامية المصرية في الغالب، ولكن هذا لم يمنع من انتشارها في بقية البلاد العربية. والملاحظ أن الأغاني أصبحت طويلة، وأحيانا طويلة جداً، وما عاد الحبُّ همساً وإيحاء بل ميوعة عاطفية صارخة، ومحاكمة ومحاولة لإفحام الخصم:
«حُب إيه دا اللي انت جاي بتؤول عليه/ إنتَ عارف أبل معنى الحب إيه؟؟؟» وتتكرر هذه الأسئلة مرات عديدة والجمهور يستطيب الإعادة والتكرار وكأنهم تحت تأثير مخدِّر. وهكذا تصبح الميوعة العاطفية تعبيراً عن الحب ولكن بشكل مقلوب.
أذكر أني حضرتُ مرَّةً مجلساً لبعض من كانوا شباباً في عقد العشرينات من القرن الماضي، يوم جاءت أم كلثوم إلى بغداد بدعوة رسمية وقدّمت بعض الأغاني. لم يكن حضور حفلة أم كلثوم ميسوراً لعامة الشعب، بل كان مقتصراً على خاصة المدعوّين إلى «هوتيل زيّا» في آخر شارع الرشيد، قبل بداية شارع أبي نواس، على امتداد ضفة دجلة اليسرى. كان الجمهور يحترم المناسبة الخاصة ويُظهر الإعجاب بتصفيق هادئ والجمهور يَضم كبار المسؤولين من رجالات الدولة. وفي فترة استراحةٍ قصيرةٍ جاء مُنسِّق الحفلة المصري وخاطب مسؤول الحفلة العراقي بغضب: «إيه دَه؟ تصفيق حاف؟ دَه إحنا عاوزين نشوف الطرابيش بتتطاير بالهوا !!!» وكان مدير الأمن من بين الحاضرين فأعطى أوامره لعدد من رجاله أن يُسرِعوا إلى شارع أبي نواس ويجمعوا ما يتيسَّر من السُكارى من «مايخانات» ذلك الشارع لينضمّوا إلى كبار المدعوين ويعبِّروا عن استحسانهم الغناء بقذف الطرابيش في الهوا إكراماً لسيدة غناء الحب!
في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كانت دار المعلمين العالية ببغداد تموج بالشعراء الشباب، المتطلّعين إلى الجديد والساعين إلى التغيير في شتى مناحي الحياة، وكان نصيب الشعر من محاولات التجديد نصيباً ليس بالقليل. فإضافةً إلى شباب الشعراء العراقيين القادمين من شتى أنحاء البلاد، من الموصل شمالاً إلى البصرة والعمارة جنوباً، وما بينهما، هذا بالإضافة إلى عدد من شباب بعض الأقطار العربية، وخاصةً سوريا، إذ كان «طلاب البعثات العربية» مُتحمّسين لفكرة العروبة التي يُعبِّرون عنها بالشعر. وكان أبرز هؤلاء الشباب سليمان أحمد العيسى، القادم من أنطاكيا السليبة، فراح يتدفّق شعراً من حُب العروبة ومن شعر الغزل، يجمع بينهما بشكل عجيب. فقد استحدث، بل استعاد، النظم بالوزن والقافية ولكن على الأشطار المتلاحقة في مقطع ذي سبعة أشطر وقافية واحدة، يتبعها مقاطع ذات سبعة أشطر تلتزم الخمسة الأشطر الأولى قافيةً واحدة، يعقبها شطران من قافية المقطع الأول. وهكذا نرى أن التجديد في النظم لم يخرج عن الوزن والقافية ولكن بنظام جديد. ومن مُجايلي سليمان برز كلٌّ من نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وراح كل منهما يجرّب التجديد في نظم القصائد بالتغيير في نظام وعدد التفعيلات في أشطر متلاحقة. فنَشر بدر قصيدةً بعنوان «هل كان حُبّاً» بتاريخ 29- 11- 1946 تختلف فيها التفعيلات والأشطر نظامًا وعدداً، وفيها صُوَرٌ من الميوعة العاطفية تثير الإشفاق:
هَيِئي يا كأسُ من حافاتك السكرى مكانا
تتلاقى فيه يوماً شفتانا….
أي ثغرٍ مسّ هاتيك الشفاها
ساكباً شكواه آهاً … ثم آها؟
وبهذه القصيدة يُصرّ بدر على أنه كان أسبق من نازك الملائكة في النظم بقصيدة «الشعر الحُر» أي قبل أن تنظم قصيدة الكوليرا عام 1947. ولكن الجدل حول الأسبقية ليس سوى جدل عقيم، فالمُهم كيف ومن الذي استمرّ في التطوير وأبدع فيه. وثمّة قصيدة «ديوان شِعر» نظمها بدر بتاريخ 21 -3- 1944 في سنته الأولى بدار المعلمين العالية، وقد وجد نفسه في محيطٍ يختلف عن قريته في «السيبة» في قضاء أبي الخصيب بظاهر البصرة، محيطٍ من الصبايا الجميلات يختلفن عن «وفيقة» التي لم يُبصرها أصلا إلا ّمن وراء شُبّاك أزرق ينخفض عن مستوى الزقاق. لكن الصبايا في محيطه الجديد يتسابقن في استعارة ديوان شعره، أو هكذا خُيِّل له . تُصوِّر هذه القصيدة الميوعة العاطفية التي تصوِّرها قصيدة الأخطل الصغير وغناء عبد الوهاب، بل قد تزيد عليها:
ديوانُ شِعرٍ مِلؤه غَزَلُ/ بين العذارى بات ينتقلُ
أنفاسي الحرّى تهيم على/ صفحاته والحُب والأملُ
وستلتقي انفاسُهنّ بها / وتَرِفّ في جنَباته ُالقُبَلُ…
ولسوف تَرتجُّ النهود أسى/ ويثيرها ما فيه من نجوى
ولربّما قرأته فاتِنتي / فمَضت تقول من التي يهوى؟
فطوَته فوق نُهودِها بيدٍ / واسترسلت في شبه إغفاء….
يا ليتني أصبحتُ ديواني / لأفِرَّ من صَدرٍ إلى ثانِ…
سأبيتُ في نَوحٍ وتَسهيد / وتبيتُ تحت وسائد الغيد!
هذه بعض الصُوَر عن المشاعر التي كانت سائدةً بين شباب الناس عامةً، والشعراء بشكل خاص، في الفترة في حوالي منتصف القرن العشرين، وقد امتدّ بعضُها إلى الأغاني التي زادَ في نشرها الراديو والتلفزيون لاحقاً، وصار الذوَبان في العواطف صفةً تُحاكي التكرار المُمِلّ في «الحُب كده/ أهو من دا وِدَه» وتطوّرت إلى «أدوب، أدوب أدووووب، وأرجع أدوب تاني». هل بنا حاجةٌ إلى هذه النِعمة؟