مَشغلُ الرَّسام العراقي المُغترب فلاح العاني: نسيجٌ مُركَّب مِن الإِحالات الرَّمزية

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
2

انغمس الرسم الحديث بمجمل تياراته التي خصبتها التجارب الطليعية منذ مطلع القرن العشرين في اجتراحات خطابه الفني بحساسيته العالية إزاء الشكل، في أن يخرج عن قصدية تأكيد فكرة محددة قد تشي بها اللوحة، بذلك انعطفت العلاقة بين التجربة الفنية والمتلقي إلى منطقة جديدة تسودها ظلال كثيفة، لاشك في ان غموضها يحفِّز على الحوار والتأمل واستمرار طرح الأسئلة، من دون التوصل إلى إجابات محددة، وفي هذا السياق الاستيلادي المتقاطع مع الفهم الكلاسيكي للتجربة الفنية، ذهب الرسام بعيدا في نزعة تمرده لتكون التجربة بكُليتها، انحرافا عن المتداول والمتوقع، من حيث التكنيك والأسلوب وتنوع الخامات المستخدمة، ما يعني ان ذات الفنان الخلاقة ومن خلال التمترس بهذه الرؤية باتت تتقصد الابتعاد عن فكرة تجسيد الواقع كما يبدو شاخصا وملموسا للعين المجردة، والاقتراب من الحالة التي تبدو فيها التجربة الفنية أقرب ما تكون إلى المتاهة. إذ لم يعد في حسابات الرسام الوصول في خطاب نصه البصري إلى إحداث تأثير على المتلقي عبر الإفصاح المباشر والصريح عن قصدياته، فمثل هذه الفكرة ما عادت معقودة في ما يذهب إليه من مشاريع فنية، بل اتجهت إشارات بحثه إلى بنية شفافة من المجاز تحمل سطوة لغته وفرادتها للتعبير عن العالم المتحرك داخل مخيلته.

استعارات مجتزأة

الفنان التشكيلي فلاح العاني يقف في أعماله عند لحظة زمنية مفارقة، تستحيل فيها اللوحة إلى نص بصري ساخر وزاخر بالقسوة والمرارة، تتضافر في بنيته الانشائية مستويات متراكبة من دلالات التعارض والتداخل، لتتشكل في الفضاء بنية تعددية تشير إليها مفردات تنتمي إليه. تكاد ان تتكرر في الكثير من لوحاته «المرأة والرجل والحصان والطيور» وهذا ما يستفز ذائقة المتلقي ويدفعه للعودة الدائمة صوب انغلاقات ما يمكن ان تبوح به من إشارات تتواصل مع ذاكرته، لتُحرِّرها مما تختزنه من صور تسللت إليها من سلطة الواقع.
هناك دائما احتمالات تقف شاخصة في فضاء أعماله، تأخذ خيارات دلالتها من وحي تجربته الذاتية وقاموس مفرداته الخاصة التي لا تفصح عن معانيها بسهولة، وهي بذلك تدفعنا إلى ان نبذل جهدا ذهنيا لإيجاد روابط مشتركة مع ما يلح من ضغوطات فرضها علينا العالم الذي يحيط بنا، في المقدمة منها بيئة كونية آلت عناصرها الطبيعية إلى التفكك، بسبب ما أصاب الهواء من تلوث بفعل الفيروسات ومخلفات الأسلحة المحرمة، فاستحال الكون إلى زمن تكاد فيه الحياة ان تنعدم، من بعد ان أمسى مقطَّع الأوصال وليصبح بالتالي كل ما يشغل الإنسان التشبث بما تبقى لديه من آمال لأجل ان يتحقق التوازن.
يستعين العاني في أعماله باستعارات مجتزأة ومختزلة من شظايا الواقع، لإعادة تركيب العلاقات الإنسانية من بعد ان تمزقت أواصراها في عالم استهلاكي، ولا غرابة في ان تكون مثل هذه المجترحات سائدة في مجمل أعماله، لان تجربة الغربة التي يعيشها منذ أكثر من ربع قرن لم تستطع ان توقف تلك الاستدعاءات الإنسانية من مرجعيته العراقية.

مسائلة جمالية

هناك مُسائلة جمالية مستمرة للشكل، تحمل في داخلها تأملا ينثال على شكل صيغ عاصفة من تمردات الوعي نجدها معبأة بالإدانة، وليس في قصديات هذا النزوع التساؤلي تفكيك الشكل واختزاله في إطار الشكل وحده أو البحث عن شكلانية فردية مجردة مكتفية بذاتها، انما دافعه هاجس قائم على نسج خيوط إيحائية من التواصل اللامألوف مع المتلقي بما يتعبأ في داخله من قلق إزاء ما وصلت إليه الحياة الإنسانية من صور احتشدت فيها ملامح التخريب والتدمير، وبما أفضت إليه ماكنة الحروب من تحطيم للروح الإنسانية، وما أفرزته ماكنة الحضارة المعاصرة من سموم حاصرت الإنسان وكثفت في داخله خوفا وهلعا جعلته ينزوي بملامحه خلف كمامات كتمت أنفاسه ونبرات صوته الإنساني، بالتالي أحالت كل شيء إلى صورة أقرب ما تكون إلى المسخ، وهنا تتجلى حداثة الشكل الذي ينشده العاني في أعماله، إذ ليس هناك استقرار يمكن ان يلاحظ في توزيع العناصر، وهذه الحساسية من السهولة الاستدلال عليها وهي تتجلى في إصراره على ان يعيد لملمة أشلاء عالمه، وفتح مغاور الوعي لبناء سرديةِ علاقاتٍ إنسانية (يَفترض وجودها راسخة في الواقع) اعتاد ان يحيلها إلى فضاء لوحاته، ولن نجد صعوبة في ان نلتقط بحواسنا ماعصف بها من تشوهات دامية على أجسادها، محتفظا لها بسياق من الرغبات والأحلام، تتجاوز فيها ما انتهت إليه من سقوط في ظواهر مفككة في حياتها.

علاقات وجدانية

في لوحاته نجد عكوفا على سبر أغوار الذات الإنسانية، رغم الاختفاء التام للضربات الحادة والخشنة على سطوح أشكاله، وهذا المنحى السائد في أسلوبه يدفعنا إلى عدم الانبهار بغرابة ما يؤسسه بفعل تكرار مفرداته، بل يدفعنا إلى المضي في لحظة من التوغل والاندماج العميق لاكتشاف ما يمكن ان تخفيه من علاقات وجدانية متشابكة، وأظن ذلك مرتبط بجذوره العراقية التراجيدية التي ما زالت تفرض سطوتها على تجربته، بما يجعلها في حالة افتراق ملموس عن ما يصله من تدفق تقني وأسلوبي نتيجة إقامته الأوروبية الطويلة، وهنا تبرز نوعية ما يقدمه من نتاج فني وسط مشهد تشكيلي غربي ضاج بالتحولات الأسلوبية، إذ ليس من السهل على فنان قادم من جهة الشرق (بما عرف عن هذه المنطقة من اقتفاء فنانيها لكل ما تجترحه الذاكرة الفنية في الغرب) ان يؤكد حضورا متفردا في المشهد التشكيلي الغربي، إلاَّ ان العاني كان سعيه واضحا في ان يقلص المسافة في تجربته ما بين هذين الزمنين، وقد تأتى له ذلك من خلال كسر الحدود الفاصلة بين جذور شخصيته العراقية، وما آلت إليه آفاق تجربته التي تموضعت بتقنياتها في قلب المشغل الفني الغربي. وفي إطار هذا المحور الرئيسي من مشغله، هناك بحث دائب لترسيخ حساسيته الذاتية وفق نسق يتحرك بعيدا عن التنميط، قوامه ينهض على بناء نسيج مركب من الإحالات الرمزية تتجاور فيها صراحة البحث عن بنية بصرية شعرية ومنحى شفيف لتوظيف دلالات عراقية ينفتح في صياغاتها الشكلية على ما تحفزه اخترافات الرسم الأوروبي الحديث.
تجربة العاني تنطوي على رؤية فنية تحمل في خياراتها أبعادا فلسفية تجمع في نسق تأملاتها تناقضات الوجود الإنساني، وقد تظافرت على خلقها روافد مختلفة ومتنوعة، توزعت ما بين الشرق والغرب ما أحال فضاء لوحاته إلى ان ينتظم في عالمٍ حدوده الزمن الحاضر، بدون ان يُسلِّم نفسه إلى ارتدادات نستالجية باعتباره مغتربا، وهذه الميزة جعلته مشتبكا مع الظواهر التي تجابهه، مما يعني ان تجربته قد انفلتت من قدرية العلاقات التي غالبا ما تستسلم لها ذات الفنان إذا ما ابتعد عن موطنه الأول.
سيرته الذاتية تشير إلى انه من مواليد مدينة بَلد العراقية 1967 ويقيم حاليا في مدينة نوركوبينغ في السويد، وقد تخرج من قسم الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد 1992 ثم تخرج من مدرسة الفن ليليهولمن، في السويد 2013 وفي رصيده ما يزيد عن ستة وعشرين معرضا، منها ثمانية معارض شخصية وثمانية عشر معرضا مشتركا، وسبق له ان فاز بالجائزه الثانية في معرض وزارة الثقافة العراقية 2005 وجائزة موا مارتينسون السويد 2016 وله مقتنيات في متحف الفن في مدينة نوركوبينغ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية