الاجتياح الروسي لأوكرانيا الحسابات والتوقعات

صادق الطائي
حجم الخط
1

أطلقت روسيا فجر 24 شباط/فبراير الماضي عمليتها العسكرية في أوكرانيا، وقبل أن ينتهي الأسبوع الثاني من عمليات الاجتياح العسكري ابتدأت وسائل الإعلام الغربية، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومراكز الدراسات الأوروبية طرح قرائتها للموقف، ورسم استراتيجيات للوضع على الأرض، وطرح توقعاتها حول ميزان القوة بين موسكو وكييف، والسعي للخروج بآراء حول مدى إمكانية جلوس الطرفين للتفاوض.
بالطبع الكل يعرف أن هناك فارق قوة كبيرا بين دولة كبيرة بحجم روسيا وبين دولة صغيرة مثل أوكرانيا، لكن المعلقين الغربيين يحاولون التركيز في طروحاتهم على ترسيخ صورة تورط الروس في المستنقع الأوكراني. بينما الجهات الروسية من جانبها ما تزال مصرة على تسويق صورة مفادها أن القوات العسكرية الروسية التي دخلت إلى أوكرانيا مهمتها محددة في مساندة الانفصاليين الروس في شرق أوكرانيا بعد أن تعرضوا للاضطهاد على يد حكومة كييف التي يصفها الإعلام الروسي الرسمي بأنها حكومة يسيطر عليها «النازيون الأوكرانيون».

مقارنة عسكرية

عند المقارنة بين الجيشين الروسي والأوكراني فإن الكفة تميل وبوضوح لصالح الجيش الروسي وبفارق كبير، وبحسب الدراسات المعلنة حول الأمر يبلغ تعداد القوات المسلحة الروسية حوالي مليون جندي ومليونين في الاحتياط، بينما يبلغ تعداد الجيش الأوكراني 200 ألف عسكري وحوالي 900 ألف في الاحتياط، وتبلغ حجم القوات الروسية المهاجمة حوالي 280 ألف جندي.
أما على مستوى المعدات والتسليح فإن الجيش الروسي يمتلك حوالي 2840 دبابة، أي ثلاثة أضعاف تلك التي تملكها أوكرانيا. ويمكن للجيش الأوكراني التخفيف من تأثير الفارق الكبير في سلاح المدرعات بالاعتماد على الأسلحة المضادة للدروع التي جهزه بها الغرب مثل الصواريخ المضادة للدبابات الأمريكية. وبحسب رسم بياني نشره موقع «تي أونلاين» الألماني تمتلك روسيا 570 بارجة وسفينة حربية بما في ذلك 49 غواصة، بينما تمتلك أوكرانيا 24 سفينة حربية فقط وليست لديها غواصات، كما ذكر نفس الموقع أن روسيا تمتلك 1379 طائرة مقاتلة بينما تمتلك أوكرانيا 125 طائرة فقط، وتمتلك روسيا 6255 رأسا نوويا، بينما لا تمتلك أوكرانيا رؤوسا نووية، وحسب وكالة الأنباء الألمانية بلغت الميزانية العسكرية لكييف 4.3 مليار دولار، وارتفعت الآن إلى نحو 5.9 مليار دولار، وهذا يمثل نحو عُشر الميزانية العسكرية الروسية التي تبلغ 61.7 مليار دولار.
أخبار خسائر الحرب قبل نهاية الأسبوع الثاني من العمليات العسكرية بدورها كانت متضاربة بين المصادر الروسية والمصادر الغربية، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية يوم الأربعاء 2 آذار/مارس الجاري، خسائر الجيش الروسي، فذكرت مقتل 498 وإصابة 1597 من العسكريين الروس أثناء العملية العسكرية في أوكرانيا. كما أكد بيان الوزارة أن الخسائر في صفوف الجيش الأوكراني تتجاوز 2870 قتيلا وحوالي 3700 جريح، إضافة إلى أسر 572 عسكريا أوكرانيا.
بينما ذكرت وزارة الدفاع الأوكرانية من جانبها إن أكثر من 5840 جنديًا روسيًا قتلوا منذ بدء الحرب مخالفة بذلك تصريح سابق للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي الذي يبدو أنه بالغ كثيرا في حجم الخسائر الروسية إذ ذكر إن نحو 9 آلاف جندي روسي قتلوا منذ بدء الحرب في بلاده.
كما ذكرت الأخبار الروسية مقتل الجنرال أندريه سوخوفيتسكي القائد العام للفرقة السابعة الروسية المحمولة جواً ونائب قائد الفيلق 41 للأسلحة المشتركة، وكان الجنرال سوخوفيتسكي (47 عامًا) قد ارتقى بشكل سريع سلم الرتب العسكرية، وتولى سلسلة من المناصب القيادية في الحملة العسكرية الروسية في سوريا، ويعد سوخوفيتسكي أكبر ضابط روسي قتل في العملية العسكرية حتى الآن، وقد نعته جهات روسية رسمية.
أما على صعيد تدمير المعدات فلم يتسن التأكيد من مصداقية الأرقام التي ذكرها طرفا النزاع من جهات محايدة، إذ أعلنت هيئة الأركان الأوكرانية، أن الجيش دمر 29 طائرة روسية و29 مروحية و198 دبابة و846 عربة قتال مصفحة و77 نظاما مدفعيا و305 مركبات. بينما أعلنت وزارة الدفاع الروسية تدمير 1612 موقعا بينها 54 مركز قيادة ونقطة اتصالات تابعة للجيش الأوكراني، بالإضافة إلى 39 منظومة مضادة للجو من طرز «إس-300» و«بوك إم-1» و«أوسا» إلى جانب 52 محطة رادار. كما تم تدمير 49 طائرة أوكرانية على الأرض وإسقاط 13 طائرة في الجو، إضافة إلى 606 دبابات، وآليات مدرعة أخرى، و67 راجمة صواريخ و217 مدفعا ميدانيا، و336 قطعة من العربات العسكرية الخاصة و53 طائرة مسيرة.
ورجّحت دراسة حديثة أصدرها مركز الانتعاش الاقتصادي في لندن بالتعاون مع شركة سيفيتا للاستشارات الإدارية في إستونيا ومركز إيزي بيزنس للأبحاث في كييف وتم نشرها يوم 3 آذار/مارس الجاري أن الكلفة المتوقعة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ستكون بحدود 20- 25 مليار دولار. وأضافت الدراسة أن الخسائر المباشرة في الأيام الأربعة الأولى من الاجتياح العسكري بلغت حوالي 7 مليارات دولار، بما في ذلك كلف المعدات العسكرية والخسائر في صفوف الأفراد.

خطر الحرب النووية

تناقلت عدة وسائل إعلام غربية فجر يوم الجمعة 4 آذار/مارس بكثير من الهلع أخبار إصابة محطة زاباروجيا النووية لتوليد الطاقة الكهربائية جنوب شرقي أوكرانيا بضربات عسكرية، وأن هناك تهديدا بتسرب إشعاعي أعاد للأذهان كارثة تشيرنوبل، وبالرغم من إعلان السلطات الأوكرانية المبكر أنها تمكنت من إخماد الحريق في المحطة، وأن سلامتها النووية باتت مضمونة، إلا إن الرئيس زيلينسكي اتهم روسيا باللجوء للرعب النووي، والسعي لتكرار كارثة مفاعل تشيرنوبل.
الرد الروسي على حادث استهداف المحطة النووية جاء مختلفا، إذ نقلت وكالة «إنترفاكس» عن وزارة الدفاع الروسية، قولها إن منشأة زاباروجيا النووية تحت سيطرتها وتعمل بشكل طبيعي. وأضافت وزارة الدفاع الروسية أن قوات الحرس الوطني الروسي تصدت لمجموعة تخريبية في منطقة مفاعل زاباروجيا، كما حمّلت أوكرانيا مسؤولية الحريق الذي نشب قرب المحطة النووية.
وأعلنت الحكومة الروسية أن الهدف من الاستفزاز في منشأة نووية هو محاولة إتهام روسيا بأنها تعمل على خلق بؤرة تلوث نووي. وحسب ما ذكرته المصادر الرسمية الروسية فإن قوات الحرس الوطني الأوكراني غادرت محطة زاباروجيا قبل وصول القوات الروسية. وأوضح بيان روسي رسمي أن قوات الدفاع الروسية تسيطر على منشأة زاباروجيا منذ 28 شباط/فبراير الماضي.
بينما قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ من جانبه، إن دعوات الحلف للسلام لا تعني تخليه عن رفع مستواه الدفاعي وتأمين حدود الدول الأعضاء في الحلف، مطالبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب قواته فورا والبدء في عملية دبلوماسية، قائلا: «نحن لا نسعى إلى الحرب». وبيّن ستولتنبرغ أن الناتو ليس جزءا من الحرب، وسيبقى دوره دفاعيا وسيدعم أوكرانيا ولا يسعى للصدام مع روسيا، مشيرا إلى أن أعضاء الحلف ينسقون ردهم على العدوان الروسي على أوكرانيا وتداعياته طويلة المدى. واعتبر أن الهجمات ضد المنشآت النووية تظهر خطورة الحرب وأهمية سحب روسيا لقواتها والعودة للسلام، مضيفا أن «روسيا دمرت السلام في أوروبا وبدأت حربا لم نرها منذ الحرب العالمية الثانية لخلق واقع جديد».
أحوال المدنيين الأوكرانيين الفارين من مناطق النزاع تزداد سوءا ما دفع موسكو وكييف للجلوس لطاولة التفاوض يوم 4 آذار/مارس للاتفاق على بعض النقاط المهمة، وهذه هي جولة المفاوضات الثانية بين طرفي النزاع، وقد تم فيها مناقشة فتح ممرات إنسانية في بعض المناطق الأكثر تضرراً من العملية العسكرية، مع وقف إطلاق النار فيها بشكل مؤقت. وأشارت تصريحات متطابقة لأعضاء الوفدين الروسي والأوكراني إلى أن الطرفين ناقشا عدد الممرات وآليات عملها. وقال رئيس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي: إن «وزارتي الدفاع في روسيا وأوكرانيا اتفقتا على الآلية» موضّحاً أن الجانبين «ناقشا خلال الجولة بالتفصيل المجموعات الثلاث من الأسئلة التي طرحتها موسكو» في إشارة إلى مطالب نزع السلاح، وحياد أوكرانيا، والاعتراف بسيادة القرم.
وتقول مصادر مطلعة في الأمم المتحدة إن أكثر من 660 ألف مدني فروا من أوكرانيا منذ بدء العملية العسكرية، إذ يعبر اللاجئون الحدود إلى الدول المجاورة غرب أوكرانيا مثل بولندا، ورومانيا، وسلوفاكيا، والمجر، ومولدوفا. وأبلغ اللاجئون أنهم لا يحتاجون إلى وثائق لدخول البلدان المجاورة، لكن يفضل أن يكون لديهم جوازات سفر أوكرانية أو أجنبية وشهادات ميلاد الأطفال المسافرين معهم ووثائق طبية. ويقدر الاتحاد الأوروبي أن نحو أربعة ملايين شخص قد يحاولون مغادرة البلاد بسبب الغزو الروسي. وقد خفف الاتحاد الأوروبي قواعده بشأن اللاجئين، وأشار إلى إن الدول الأعضاء فيه ترحب باللاجئين «بأذرع مفتوحة».

هدف العمليات والسعي لتحقيقه

ذكرت قناة «CNN» الامريكية يوم 4 آذار/مارس الجاري، نقلا عن جون كيربي المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» أن «القوات الروسية لا تزال على بعد 25 كيلومترا من وسط كييف وفق تقديراتنا. وما زلنا نعتقد أن نية القوات الروسية هي تطويق كييف واحتلالها في نهاية المطاف» وأضاف «أن القوات الروسية أصيبت بالارتباك وأصبحت بطيئة الحركة بسبب المقاومة الأوكرانية الشديدة».
وردا على تصريح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوكالة «رويترز» الذي طالب فيه المجتمع الدولي وحلف شمال الأطلسي بفرض منطقة حضر طيران في أوكرانيا، إذ قال: «إن فرض منطقة حظر جوي هو الضامن الوحيد لمنع روسيا من قصف البنى التحتية النووية» وأضاف قائلا: «عشنا ليلة كادت توقف تاريخ أوروبا وأوكرانيا» مشيرا إلى أن استهداف روسيا للمحطة النووية كان مقصودا وهو «إرهاب منظم» حسب وصفه، وقد رد جون كيربي المتحدث باسم وزراة الدفاع الأمريكية على تصريحات الرئيس زيلينسكي بالقول: «لا يمكن فرض حظر طيران فوق أوكرانيا من دون أن تكون قواتنا الجوية في مواجهة مع الروس». فهل يعني ذلك أن الغرب سيترك كييف تواجه قدرها منفردة؟ هذا ما ستظهره الأيام الآتية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية