عندما يهدأ هدير الطائرات الحربية ويختفي أزيز الرصاص في سوريا، تظهر المآسي محملة بالإحصائيات المرعبة التي خلفتها آلات الحرب طيلة السنوات الماضية، والتي يمكن أن تضاعف أوجاع السوريين في أي وقت جراء انسداد الأفق أمام الحلول السياسية والتعويل على الحسم العسكري في البلاد، خاصة من قبل النظام، ليبقى الإنسان السوري وحده من يعاني سواء كان في مناطق سيطرة النظام أو المعارضة، من معاناة شديدة مع الفقر، وغياب للاستقرار، وحياة بالغة الصعوبة في الخيام تحت ظروف معيشية قاهرة.
الأمم المتحدة، أعلنت من جانبها تصنيف سوريا كأكبر دولة في العالم من حيث عدد النازحين داخل الجغرافية السورية، مشيرة في ذات الوقت إلى أن الفقر بين السوريين وصل إلى 90 في المئة من إجمالي السكان.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أعلن مطلع شهر آذار/مارس الحالي عبر بيان رسمي، أن «الاحتياجات الإنسانية في سوريا تتزايد بشكل مضطرد، حيث يوجد الآن 14.6 مليون محتاج هذا العام ونحو 6.9 ملايين شخص من النازحين».
واستطرد قائلًا: «هذا هو أكبر عدد من النازحين داخليا في العالم، وهم يواجهون احتياجات عالية وقدرة محدودة على الوصول إلى الخدمات الأساسية» حيث رد المسؤول الأممي أسباب ما آلت إلى الأوضاع السورية إلى ما اسماه «الأعمال العدائية المستمرة والبنية التحتية السيئة والقوة الشرائية المتناقصة باستمرار تقوض قدرة الناس على الصمود».
الفقر يسود في البلاد
تشتهر سوريا عبر التاريخ بالعديد من الصناعات والزراعات التي تخولها تحقيق اكتفاء ذاتي على عدة أصعدة، إلا أن الفساد قبل الثورة التي اندلعت في البلاد عام 2011 كان سببا رئيسيا في جعل المواطن في فقر دائم وحاجة مستدامة.
بعد الثورة وآلة القمع العسكرية التي انتهجها النظام الحاكم في البلاد، خسر الجميع المزيد من مقومات الاستقرار الأولية، حتى أجبر البعض على الزراعة على أسطح المباني وأمام المنازل للحصول على بعض الخضروات في ظل الحصار الذي أحكمه جيش النظام على المدن والبلدات التي طالبت بالحرية وإسقاط النظام.
الحرب في سوريا دمرت وفق تقارير حقوقية ودولية البنى التحتية في البلاد، وهُجر الملايين نحو الشمال السوري أو إلى خارج البلاد، وتعقدت الحسابات وتدهور الأوضاع الإنسانية أكثر فأكثر، وهو ما جعل الأمم المتحدة تعلن عبر المتحدث باسمها ستيفان دوجاريك أن التقديرات تشير إلى أن 90 في المئة من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، ومن المتوقع أن تؤدي الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة إلى زيادة مستويات الفقر المدقع.
وشدد دوجاريك على أن سوريا «باتت تصنف بين أكثر البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم، حيث يعاني أكثر من نصف سكانها من انعدام شديد في الأمن الغذائي، كما يواجه ربع الأطفال دون سن الخامسة التقزم، مما يتسبب في أضرار لا رجعة فيها على نموهم» مشيرا إلى أن «الأمم المتحدة وشركاؤها يعملون على تكثيف الجهود لدعم المرونة وبرامج التعافي المبكر، لتنشيط الوصول إلى الخدمات الأساسية الحيوية جنبًا إلى جنب مع العمل المنقذ للحياة». وفق وكالة «الأناضول» التركية.
فيما أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة في شهر شباط/فبراير الماضي، إلى أن انعدام الأمن الغذائي يظل مرتفعا للغاية في جميع أنحاء البلاد: مع وجود ما يُقدّر بنحو 12 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، وصُنّفت سوريا على أنها من بين أكثر عشر دول تعاني من انعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم بحلول منتصف عام 2021.
كما تعاني سوريا أزمات تفاقمت عبر السنين الماضية، حيث توقف الإنتاج بشكل شبه كامل وهوت قيمة الليرة أمام الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، ويشكل رحيل رؤوس الأموال والفساد والإنفاق العسكري وخسارة موارد النفط أهم أسباب التدهور الاقتصادي.
تداعيات كارثية
ممثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (التابعة للأمم المتحدة) لدى الأردن دومينيك بارتش، أشار إلى وجود صعوبات وتحديات تواجههم بما يخص الداخل السوري، وقال خلال لقاء مع وكالة الأناضول: «زملاؤنا هناك لديهم عمل كبير، وكجزء من استجابة أسرة الأمم المتحدة نحن ندعم بشكل خاص السكان النازحين داخليا».
أما التحدي الذي يواجه المفوضية في الداخل السوري، فيتمثل بحسب بارتش في عدم إمكانية الوصول إلى جميع أنحاء البلاد، «إذ ثمة مناطق لم يتم فيها تسليم المساعدات لبعض الوقت».
في حين أن مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني قال لـ «القدس العربي»: تداعيات التصريحات الأممية حول أعداد النازحين في الداخل السوري كارثية، وهي أحداث كانت متوقعة في سوريا، كنتيجة النزوح المستمر للملايين من الشعب السوري، فهذه النسبة أصبحت بعد ذلك عاطلة عن العمل، ما أدى إلى كسر عجلة الاقتصاد في البلاد، وبالتالي نحن أمام فقدان للأمن الغذائي.
كما حمل المتحدث، النظام السوري تحطيم النظام الاقتصادي في البلاد، على اعتباره المسؤول الأول عما آلت إليه الساحة السورية، خاصة تنفيذه لعمليات «قصف وحشية» مع حليفه الروسي أدت إلى تدمير أحياء سكنية كاملة ومصانع وبنى تحتية في عموم الأراضي السورية، وهي هجمات أدت في النهاية إلى تهجير ونزوح نصف الشعب السوري، ربعهم نازح داخل الحدود الجغرافية والربع الآخر أصبح خارج سوريا، وهذا يدل على أن ما نسبته 50 في المئة من الشعب توقف عن العمل والإنتاج فيها.
كذلك أثرت عمليات النزوح وفق عبد الغني، على حياة الأطفال والنساء الذين يعيشون ضمن ظروف معيشية سيئة، وهي ظروف من شأنها رفع نسبة الوفيات في سوريا، والإعاقة نتيجة سوء التغذية، وبالتالي نحن مع شريحة من المجتمع السوري تعاني صحيا وهو من شأنه التأثير على الأجيال القادمة أيضا، علاوة عن هشاشة الأوضاع الأمنية ومصاعب العمليات التعليمية، وكل هذه الأزمات سببها الأساسي هو النزوح الذي سيؤدي أيضا إلى معاناة أخرى للنساء والأطفال، كـ «الابتزاز الجنسي والمالي والتجنيد».
أوضاع مأساوية
يعاني الملايين من النازحين في الشمال السوري من أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة في المخيمات المنتشرة شمال البلاد، جراء إيوائهم في مخيمات بدائية لا تقيهم موجات البرد وسط ضعف في أساسيات التدفئة، في حين أن الأمطار تُغرق العشرات من الخيام سنويا، وهي ظروف تؤدي إلى تشريد الآلاف منهم.
حيث لا تمتلك الأسر النازحة في المخيمات سوى البطانيات والنفايات البلاستيكية التي يجمعونها من مكبّات القمامة، كوسيلة للتدفئة والحماية من برد الشتاء القارس، وأمام هذا المشهد المليء بالتحديات، يقوم الآباء بالمناوبة ليلاً، حرصاً على سلامة الأولاد في حال انهارت الخيام جراء الثلوج أو تسربّت المياه إلى الداخل نتيجة الأمطار.
ولا تستطيع الأسر النازحة العودة إلى منازلها وديارها في مختلف المدن السورية، خشية الاعتقال والتعذيب على يد نظام الأسد وحلفائه، وهو ما يدفعها لتحمل الأحوال الجوية والمعيشية السيئة مقابل عدم تعرضها للأذى والعنف من قبل النظام.
وفي أيار/مايو 2017 أعلنت تركيا وروسيا وإيران التوصل إلى اتفاق على إقامة «منطقة خفض تصعيد» في إدلب، ضمن اجتماعات أستانا المتعلقة بالشأن السوري، إلا أن قوات النظام وداعميها تهاجم المنطقة بين حين وآخر، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 5 آذار/مارس 2020.
خطة عمل مطلوبة
الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، ذهب من جانبه إلى ضرورة وضع خطة عمل من قوى الثورة السورية من شأنها الدمج بين الوضع في أوكرانيا وسوريا، على اعتبار المسبب واحد، ألا وهو روسيا، وفق قوله.
وأشار خلال تصريحات أدلى بها لـ «القدس العربي»، إلى أن الإعلان الأممي بأن سوريا فيها أكبر عدد نازحين في العالم يمكن اعتباره بـ «الأمر الإيجابي» معللا ذلك بأهمية إقرار الأمم المتحدة بالواقع المأساوي للشعب السوري، ومشيرا إلى أن هذا الواقع ليس وليد مدة زمنية قصيرة، فهو واقع عمره من عمر ولوج النظام السوري إلى استخدام العنف بأقصى درجاته ضد الشعب الذي طالب بالديمقراطية وتداول السلطة.
كما اعتبر أن الأمم المتحدة في تصريحاتها الأخيرة ترغب في مجاملة السوريين، بعد استنفارها الكبير لاحتواء الأوضاع الإنسانية في أوكرانيا، كما تُظهر الأمم المتحدة لهم انهم ما زالوا ضمن أجنداتها.
التضخم والبطالة
كشف الباحث الاقتصادي شامل بدران، خلال ندوة أقامتها «الجمعية العلوم الاقتصادية» في دمشق في أيلول/سبتمبر من عام 2021 أن التضخم في سوريا وصل إلى مستويات قياسية بعد تجاوزه لعتبة 800 في المئة، مع تراجع معدلات النمو في البلاد، وارتفاع البطالة إلى ما نسبته 31.4 في المئة خلال عام 2019 بحسب ما نقلته صحيفة «الوطن» المقربة من النظام السوري.
كما فاقم انهيار الليرة السورية من الأزمة المعيشية للسوريين، بعد أن عبر حاجز 3800 ليرة للدولار الأمريكي الواحد، وهو ما أدى إلى عجز كبير في القدرة الشرائية، وسط أزمات المواد الأساسية من الخبز إلى المحروقات، وتدني الأجور في القطاعين العام والخاص.
هذه العوامل التي ضيقت الخيارات أمام السوريين، جعلتهم يميلون إلى فكرة الهجرة الطوعية من البلاد نحو دول الجوار السوري وخاصة تركيا رغبة منهم في الحصول على حياة أكثر استقرارا.
وهو ما أكدته تركيا عبر وزير داخليتها سليمان صويلو مؤخرا، إلى أن جزءا كبيرا من السوريين الذين يحاولون المجيء إلى تركيا حاليا هم من المناطق المحيطة بالعاصمة السورية دمشق، وربط ذلك بالأزمة الاقتصادية في سوريا، كما كشف صويلو أن عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية حتى نهاية العام الماضي بلغ أكثر من 193 ألفا.