المعرفي بين السخرية وتمثيلات القوة والسلطة في شعر محمود قرني

عادل ضرغام
حجم الخط
0

القارئ لشعر محمود قرني سوف يدرك من البداية أن هذا الشعر يستند إلى معرفة لافتة في مجالات عديدة، وهي معرفة منفتحة حدودها مرنة، ويستطيع من خلال الشعر أن يغيّر في طبيعتها، وفي إدخالها إلى نسق فني متجاوزا حدودها الزمنية، فكلها تتجمّع وتتضافر فيما بينها في كتابته الشعرية، وقيمة الشاعر هنا تتمثل في إيجاد الإطار المناسب لهذه المعارف العديدة، وفي إعادة صياغتها لتغادر أطرها وتكوّن – من خلال التغيير والإضافة أو الحذف أو التحوير- فصائل دالة في نصه ونفسه الشعري.
وفي ظل وجود هذه المعرفة في نصه الشعري تتعدد – تبعا لذلك – المناحي العديدة، منها على سبيل المثال بناؤه واستدعاؤه للشخصيات التاريخية، فليس هناك ثمة رابط على المستوى الواقعي، ولكن يتولد لدينا رابط قائم على الحدس تكوّنه وتشكل إطاره الشاعرية أو الفحوى التي يخلقها النص الشعري. وهذا يحيل النص – أو نصوصه – من نص زمني يرتبط بواقع ما، إلى نص فكري ينفتح على هوية تتلبس وتتورط بالعالم في كل العصور، هوية خاصة بالشمال في مقابل الجنوب، هوية للسلطة والحكام في مقابل الشعب، ولكنه بالرغم من يقينه باستمرار سيطرة الأنساق الكاشفة عن هوية ما، لا يكفّ عن الصراخ والعواء، فالشعر في أعمال محمود قرني صراخ وعواء لعالم أصم، لا ينصت إلا لصوته ومنطقه المتهافت وقوته وقدرته.
أهم جزئية يقوم بها التخييل تتمثل في فكرة تذويب الحدود بين المعرفي والفني، ففي كسره للتراتب الزمني بين الحركات السياسية والتاريخية والمذهبية ودمجها من إطاريها العربي والأجنبي يحدث تواشجا فيما بينها، وتترابط لتتحول إلى أفكار مستندة إلى إدراك التشابه في المواقف والتوجهات، ويمكن أن نجد صدى للفكرة المهيمنة على الحوادث أو الشخصيات التي أصبحت سائلة ومحددة بسياقها النصي الجديد. وهذا قد يشدنا إلى طبيعة تجلي الوظيفة الأخلاقية في شعر محمود قرني، فهي وظيفة لا يتم التعبير عنها بشكل مباشر أو زاعق، وإنما يتمّ التعبير عنها بشكل طولي، من خلال ممارسة القراءة الدالة لحوادث التاريخ على امتداده، من خلال عرضها دون توجيه إلا من خلال مسحة السخرية التي تعتبر الآلية الأكثر حضورا، لكي يهشّم من خلالها كل يقين، حتى لو كان يقينا جزئيا. ففي نصه (شرفات بولاق) ليس هناك وعظ أو إدانة لأحد، ولكن هناك إشارات دامغة متوالية لصور الهامش بكل تجلياته، وفي كل نصه الشعري من البداية إلى النهاية لا يتورّط بحكم، لكنه فقط يكتفي بالعرض.

المعرفي بين جدوى الشعر وهامشيته

يتجلى الجانب المعرفي في شعر محمود قرني من خلال بعض الظواهر اللافتة، منها اهتمام الشاعر بالهوامش، والإلحاح عليها بهذه القوة والجسارة يشير إلى أهميته وتوازيه مع الفني، ومع الحياتي المعيش، وكل هذه الجوانب تحتاج إلى قدرة خاصة للجمع بينها، وهذه القدرة الخاصة تمثل عصب الشعر العاري الذي لا يمكن تكديسه أو يمكن الإمساك به. ولكن الهوامش في شعر محمود قرني ليست لتقديم معرفة فقط، ففي هذه الهوامش يمارس نوعا من السطة بتوجيه القراءة، ويمارس نوعا من الوصاية على القارئ، لأنه لا يتركه يواجه النص مواجهة حرة، ربما بسبب تعدد أوجه القراءة، فكأنه من خلال بعض الإشارات يخطط ويكشف عن طبيعة نصه في بعض هذه الهوامش. ففي قصيدة (قوس قزح) من ديوانه «تفضل هنا مبغى الشعراء» يؤسس الهامش لنفي التناقض في الحدس الشعري في النص، فحين يقول عن ألكسندر بوشكين: (كان قريبا من الطبقات الشعبية، وكتب قصائد عدة عن الحرية) فهذا معناه أنه – حتى وإن كان من النبلاء – داخل دائرة المقاومين لكل سلطة قابضة، وداخل سياق الخارجين من الشعراء في نزوعهم للمثالي، وابتعادهم عن النمط المهيمن، فهو شديد الارتباط بالآخرين من الشعراء في النص، وشعر محمود قرني في مجمله يؤسس لهؤلاء الخارجين، ويتماهى معهم، ومع توجههم الإبداعي والحياتي.
ولكن المعرفي في شعر محمود قرني لا يتجلى في إطار الهوامش الملحقة بالدواوين، بل يتوزّع وجوده إلى أشكال عديدة، منها تناول النص في أحيان ليست قليلة لموضوعات فكرية، أو نجده في بعض الأحيان يقوم بعمل تحويرات استنادا إلى مسّ أو إضافة الآخرين، ففي نصه عن الشاعر – وهو منحى إبداعي يتكرّر كثيرا في شعره – يستند إلى رؤية سارتر لفلوبير ليحدث نوعا من الإحالة في إطار مغاير، لكي يخلق إطار معرفيا خاصا بكائن تتعدد وجوهه وهيئاته، ويصعب الإمساك بملامح قارة له، فهو دينامي ومتغير، ويجب أن ندرك أن (عبيط العائلة) في نصه (حديقة فلوبير) من ديوانه «تفضل هنا مبغى الشعراء»، لا ينفصل عن حكيم العائلة في نصه (خاتم فيروزي لحكيم العائلة) من ديوانه «ترنيمة إلى أسماء بنت عيسى الدمشقي»، فكلاهما يشير إلى المعرفة المختزنة التي يمثلها الشعر والشاعر.
والصراع يتبدى بين الشعر والعلم – في النص الشعري – من خلال وجهة نظر كل فريق، فالأول يرتبط بمفاهيم مثالية مشدودة للعدل الإنساني دون تحيز طبقي أو عرقي بين البشر، والآخر ينطلق من منطق الربح والخسارة، فالأول يشكو من استغلال النساء من خلال تحويلهن إلى سلعة، والآخر يستند إلى المنطق (خاطبه بلهجة تليق بخازن/ لامبراطورية مترامية الأطراف/ يومها نسى الشاعر عقله/ وشكر الرب على أنه فقد حقيقته).
ومن هذا الصراع يتولّد في نصوص الشاعر نوع الاصطفاء الشعري، ليصبح الشعر وثيق الصلة بالشعراء الخارجين عن الإجماع النمطي المستقر والمستقوي بسلطة المهادنة والاستقواء والقبول. ففي قصيدته (مقعد في الجحيم: أربع منابذات على أبواب رسالة الغفران) نجده لا يختار الشعراء في نصه اختيارا عشوائيا، لكنه يختارهم بعناية لافتة فهم جميعا خارج سطوة المقدس الديني، ويشكلون هامش الرؤية المختلفة التي تحفر مسربا جديدا، هامش الفرادة في مقابل سلطة تدفع إلى التسليم والخنوع داخل المجموع، هامش الرؤيا في مقابل رؤية مقننة جاهزة.

السخرية وتمثيلات السلطة والقوة

ينحاز محمود قرني في شعره للهامش والمقهور، فهو في كل إبداعه دائم الإشارة إليه، ففي قصيدته عن قناة السويس وحفرها بوسائل بدائية عادية، لا تستعبده السردية الرسمية، ولكن يستوقفه عرق هؤلاء الكادحين، وفعل الاستعباد أو السخرة التي تعرضوا لها، فكأنه يقيم من خلال نصه نصبا تذكاريا لهؤلاء الذين ماتوا ولم يشعر بهم أحد. في بداية النص هناك صورة مأثورة عن امرأة عمياء تتلمس الجثث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي الصورة التي نقلها السياب في شعره، ومارست تأثيرا على الشعراء في التعبير عن ضحايا الحروب، فالبدء بهذه الصورة يحدّد وجهة النظر التي تفرض حضورها وهيمنتها على النص.
ففي نصه (خاتم فيروزي لحكيم العائلة) – الحكيم الذي لا ينفصل عن الشاعر أو صاحب المعرفة – يمكننا الوقوف عند مجموعة من الصور في قوله: «أما كلبي الذي يروي لأترابه/ حكايات مبالغا فيها عن خوفي ووحدتي/ فقد ارتدى كسوة أسد/ وانتصب كجندي غيور/ دفاعا عن صداقتنا الطويلة/ بعد أن كتب على باب البيت/ هذا عرين أخي في الرضاعة». في مقابل نسق يتجلى بشكل مستمر وله هيمنة وحضور لا يجد الشاعر خروجا من هذا المأزق سوى الاتكاء على السخرية، تلك السخرية التي تنطلق من معرفة مختزنة، لكن صاحبها نشأ على الخوف غير المبرّر والامتثال والتسليم الذي أصبح جزءا من هوية الإنسان العربي. السخرية في أشعار محمود قرني تتحوّل إلى نوع من المقاومة، فالسخرية بها نوع من الحماية الذاتية، لأنها تجعلنا نعيد تأمل حياتنا التي لا نستطيع أن نغيّر طبيعتها أو أنساقها الفاعلة والمستمرة، وتجعلنا نستقوي في الوقت ذاته على هذه الأسس غير العادلة التي تحرّك العالم.
القصيدة لا تتورط فقط بالإشارة إلى تمثيلات الآخر، وإنما تشير إلى رؤية ذاتية، فيوجهنا النص الشعري إلى فكرة الامتثال والتسليم التي تأتي بوصفها جزءا أو مكوّنا من مكونات الهوية عبر التاريخ، فهناك دائما التسليم من المحكومين لكل صاحب سلطة، يقول النص» (منذ فجر التاريخ/ يمتدح أجدادنا الصدق والامتثال/ وقد أدركوا بفطرة مبكرة/ أنه لا يصحّ لأحلامهم أن تنمو/ بدرجة تجرح صفاء سادتهم/ ولأنني رجل يحترم الأقدام المفلطحة للتاريخ/ فقد فعلت ما يتوجب على رجل مثلي أن يفعله/ وعندما كانت الحرب تدور رحاها/ فوق سقف بيتي/ سحبت الملاءة فوقي ونمت».
اعتماد نصوص الشاعر على فاعلية السخرية في مقاومة أنساق متأصلة تاريخيا بين السيد أو العبد أو الأبيض والأسود، لا ينفي وجود نصوص تشير إلى نقد ذاتي للأنساق العربية المهيمنة، وللسلطة التي تأتي في نصوص الشاعر محاطة بالعلو والارتفاع، خاصة حين تتمّ مقارنتها بالبسيط مثل الفلاح، ففي نص (ما الذي تركنا؟) يستمر النسق المباين التقزيمي للأدنى وتقديس الآخر من خلال السخرية في إقامة تواز بين ما يمنحه النسق الفاعل له، وما يمنحه لابنة الباشا: (وكلما قابلتني على الجسر/ أسقط مغشيا/ هل من الإنصاف أن تمنحني كل تلك الفؤوس/ وتمنحها كل هذه الرقة؟).
وفي نص مثل (الجنرال يموت مرتين)، أو في نص (كيف تكون رأسماليا ناجحا؟) تأتي السخرية بوصفها إعادة هدم لسلطة النسق، حتى لو كان هناك صعوبة في الابتعاد عن هيمنته، ففي النص الأخير تتأسس السخرية بشكل جزئي في بعض الصور التي تكشف عن التباين بين التوجه العام والواقع الفعلي، في التباين بين التوجه الرأسمالي والبائع الجوال الذي يطارد الموظفين لسداد ما عليهم. ولكن اللقطة الأخيرة في النص تكشف عن سخرية جذرية في قوله: (من ناحيتي ضحكت طويلا/ من جهامة المفتش العام/ حيث كنت مضطرا لإبلاغه/ أنني أتيت إلى هنا بطريق الخطأ/ فقد كنت أقصد طبيب الأسنان/ الذي يقطن البناية المجاورة).
شعر محمود قرني بحث دائم عن اللايقين الذي يأتي مفتاحا أساسيا لشعريته في انحيازها للجديد، وانفتاحها على الإنساني في مداه الرحب، بعيدا عن الأعراق الضيقة، مستندة إلى فاعلية السخرية التي تشدنا جميعا إلى مشترك إدراكي، يوجه نصوصه بهدوء ودون جلبة واضحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية