ولعي بالبطاريق قديمٌ، فهي جنس من الطيور يَستهويني دون غيره، يعيش في القطب الجنوبي، ولم يفكر يوما بالهجرة إلى الشمالي. طائر لا يستعمل جناحيه في الطير، بل للسباحة ثم هو طائر اشتراكي يجمع فراخه في محضنة عامة ويسافر بعيدا كي يحمل المرعى فهو طائر كادح وفراخه صبورة. لو كانت الفراخ ممن يكتب رسائل الشوق إلى الآباء لما وجدت لا ريشا ولا ورق بردي ولا حبرا.. لا تكتب البطاريق رسائل إلى أهلها المغتربين عنها لأنها مريضة بالنسيان: كلما نبت ريش وقوي نسيت أمهاتها وصارت هي نفسها أمهات يضنيها بحث الباحثين عن عش بين الجليد.
قد يسأل القارئ عما يمكن أن يجمع بين لساني مثلي وطائر لا يطير كالبطريق. في نظرية الطراز العرفانية فكرة تقول، إن المَقْولة لا تكون بالاعتماد على السمات التي أسستها نظرية الشروط الضروية والكافية الأرسطية، بل تقوم على شبه العناصر في مقولة بعنصر يعد أبرز أنواع المقولة. ففي منطقة صحراوية يكثر فيها النخيل فإن الشجرة الطرازية ستكون النخلة، وتكون الثمرة الطرازية التمرة، وقياسا على معرفة ساكن الصحراء بالشجرة الطرازية والثمرة، يتعرف المرء على بقية الأشجار، التي يراها في مناطق أخرى عندما يسافر أو عندما يشاهد التلفزيون .كذلك الأمر بالنسبة إلى الطيور، فإن النسور هي طراز الطيور في المناطق التي تكثر فيها، وقياسا عليها تصنف طيور أخرى مثل الدوري أو الببغاء أو غيرهما، ويصنفان في مقولة الطير ويعرف قياسا على الطائر الطرازي، وهو أجود أنواع الطير، يمكن أن يعرف المرء مثلا أن الديك أو الديك الرومي، وإن كانا مزهويين منفوشي الريش بدرجات متفاوتة، فإنهما ليسا من الطيور القريبة من النسر بما هو الطراز، بل هما هامشيان.
إن كان الديك أو الديك الرومي هامشيين بالنسبة إلى من تعود على رؤية النسر في الصحراء، أو الدوري في منطقة البحر المتوسط وقاس عليهما البقية، فإن البطريق سيكون بدوره أكثر هامشية من الديك، فعلى الأقل يستطيع الديك أن يطير ولو قليلا بجناحيه وليس ذلك ممكنا لصديقي البطريق.
حتى يصبح البطريق طائرا طرازيا، لا بد أن يوجد طفل يولد هناك، ولا يرى إلا هذا الضرب من الحيوانات، ولست متأكدا من أنه سيعتبره طائرا إن رآه يسبح أو يغطس في الأعماق كي يجلب قُوتَه؛ ولست متأكدا إن كان من يلد في بلاد تسكنها البطاريق سيحتاج كثيرا من الطيور كي يميزها.. بل لست متأكدا أنه سيتعرف على مقولة الأشجار أو الأعشاب أو غيرها من الكيانات التي نعرفها نحن، بحكم معرفتنا المرجعية بها. البطريق استحق أن يُصنف في مقولة الطيور لأن إدراكنا له كان من خارج بيئته، أي في بيئات كانت فيها النسور أو الببغاوات، أو الغربان أو الدوريات، أو حتى الفراريج الدنماركية طرازات للطيور. بهذا نقول إن الكائنات التي توجد في مناطق متنائية عنا ومنعزلة تحتاج منا أن نمقولها بمراعاة ما عندنا من طرازات. لكن تصوروا لو أننا نكتشف ذات يوم في مناطق لم تصلها عين إنسان، ولا قدمه، كيانات لم يكن لنا قِبَلٌ بها ولا يمكن أن نقيسها قربا أو بعدا بعناصر المقولات التي عندنا. أمر كهذا مستبعد لكنه ممكن، غير أن العلماء يقولون في هذا المجال أقوالا تشبه أقوال فقهائنا القدامى: دعها حتى تقعǃ
في عالم لساني آخر غير عوالم المقولة الطرازية، أجد إلى جواري البطاريق مجددا، أنا الذي لم أرها ولم استمتع بصوتها وهي تصيح بأصوات تؤنس وحشتها لأنها وهي الموحشة، تنسى أن فضاء رتيبا من الجليد يغطي المحيط المتجمد من كل جانب، وأن الصحراء يمكن أن يكون لها لون آخر من جليد.
كثيرون هم من يبيعون أجنحة تحملهم إلى الأرحب ليشتروا بها زعانف قصيرة قد تقتلهم وهم في رحلة خاطئة، كانت تطلب العلو في الأسفل ظنا منها أن العمق هو سماء أخرى، وأن أمواج البحر الهدارة هي كمويجات الهواء المنبعث طلقا في السماء. لكن أنى للرئة أن تستنشق الهدير.
يمكن تطبيق نظرية الطراز على بعض دروس العربية الحرف، مثلما طبقناه على البطريق. فمثلما توجد طيور كثيرة يمثل البطريق مثالا هامشيا منها، لأنه طائر لا يطير بجناحيه بل يسبح بهما فكذلك توجد أنواع كثيرة من الحروف مثل (ما) النافية منها ما يكون عاملا مثل (ما) الحجازية في قوله تعإلى (ما هذا بشرا) وتكون غير عاملة تنفي ولا تعمل في مثل (ما زيد قائمٌ ) وتسمى ما التميمية. في المسألة اختلاف إجرائي (إعرابي) لأسباب لهجية جعلت أهل الحجاز يقيسون (ما) على (ليس) في النفي وفي العمل، لكن بني تميم يهملون عملها ولا يقيسونها عليها. هذا الاختلاف الإعرابي لأسباب لهجية معروف، وقد استوعبته العربية استيعابا، منه ما قُبل بموقف معياري فيه تشديد على درجة الفصاحة رفعة ووضاعة، ومنها ما فيه سكوت على ذلك، كما هو الحال ههنا لأنه في الإعراب غير ذي موضوع، فإن تجري الإعراب قياسا على (ليس) أو تجريه من غير قياس عليها، وتنسب العمل إلى غيرها، فالمهم أن النفي واقع في الكلام، وأن الإعراب واقع بها أو بغيرها، لكن الإشكال فيمن حمل وهو من بني تميم لهجته وهاجر إلى الحجاز، كما في بيت الشاعر الأموي المغيرة بن حبناء إذ يقول (سأترك منزلي لبني تميم // وألحق بالحجاز فأستريحا) هل سيمارس الإعراب بحجازية هي ليست له؟ أم سيترك الإعراب بها على عادة لهجته التميمية؟ لو صدقنا النحويين في زعمهم أن ما الحجازية هي لغة في الحجاز شائعة، فإن إبطالها يعد تميزا في الإنجاز داخل ثقافة تجانسها في إجراء الإعراب. سيقول هذا التميمي الذي يسمع شعرا لا يعجبه (ما هذا شعرٌ) بدلا من (ما هذا شعرا) وعندها سيكون قد اعتدى على الشاعر والشعر واللغة معا في نظر أهل الحجاز والحق أنه يتحدث إعرابا بلهجته.
سيكون التميمي وهو في الحجاز كمن اعتبر البطريق طائرا طرازيا، بل طائرا من ذوات الجناح في ثقافة تكثر فيها النسور على الذرى. المسألة لمن اعتبر البطريق طائرا ليست في كونه لا يستحق أن يكون فردا في هذه المقولة، بل في اعتباره أن الأعضاء يمكن أن تتعطل عضويتها لأسباب تتعلق بعدم الحاجة إليها، فأين تراه سيطير بطريق أمامه جليد وخلفه جليد؟ بل على أي جانبيه يطير؟
حيلة استعمال ما الكافة وهي (ما) التي تكف العمل الإعرابي، كما في قوله تعإلى (وإنْ تَوَلوْا فإنمَا عليكَ البلاغُ) هي حيلة لغوية جيدة هي طراز ثالث من الماءات لا هي عاملة ولا هي مهملة، بل هي كافة العمل. أين نضعها في عائلات الماءات النافية، حتما ستكون كالبطريق بالنسبة إلى الطيور.هي تشبه جناح البطريق فهو لا يطير به أي لا يعمل به العمل الذي عليه أن يعمله، بل الأكثر من ذلك أنه يستعمله في وظيفة تستعمل فيها الأسماك زعانفها. لقد جعل البطريق من جناحه أداة لكف الطير كفا نهائيا وإلى الأبد، لأنه صرفه عن وظيفته الأصلية إلى وظيفة السباحة. لكن جناحه الذي زُعنِفَ (أي صار زعنفة) لن يسمح له بأن يكون سمكة، ربما حاول الغوص في الأعماق كي يجرب العيش في المياه العميقة فهي أرحم من الأبدية الجليدية السطحية؛ لكنه كان يفشل في سفر الإقناع بالانتساب إلى مقولة الحوت. الحوت لن يعترف بمن باع جناحه في سبيل سباحة لا تجدي ولا تأخذ صاحبها بعيدا.. فالزعنفة جعلت للعمق وجعل الجناح للسماء.
كثيرون هم من يبيعون أجنحة تحملهم إلى الأرحب ليشتروا بها زعانف قصيرة قد تقتلهم وهم في رحلة خاطئة، كانت تطلب العلو في الأسفل ظنا منها أن العمق هو سماء أخرى، وأن أمواج البحر الهدارة هي كمويجات الهواء المنبعث طلقا في السماء. لكن أنى للرئة أن تستنشق الهدير.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.