تُرخي الحرب الروسية على أوكرانيا بظلالها على كل الملفات، لا بل باتت نقطة تحوُّل سترسم معالم النظام العالمي الجديد. في نهاية الأسبوع الأول من آذار/مارس، كانت التحضيرات الاحتفالية في فيينا على قدم وساق لإبرام اتفاق بين القوى العالمية وإيران يُعيد الأخيرة إلى الامتثال للقيود على أنشطتها النووية، ويُعيد الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي المبرم عام 2015، الذي انسحبتْ منه إدارة دونالد ترامب في 2018 مُعيدة فرض العقوبات على طهران.
لكن الفرحة المنتظرة نغَّصتها موسكو حين طلب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بشكل غير متوقع في اللحظة الأخيرة، ضمانات شاملة من واشنطن باستثناء التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري الكامل والحر والتعاون العسكري الفني مع إيران من العقوبات المفروضة على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا، الأمر الذي أعاد خلط الأوراق وأدى إلى تعليق المحادثات مؤقتاً، وهو تعليق يضع الاتفاق المحتمل أمام خطر الانهيار الكامل.
ويكشف منظرو «محور إيران» أن الطلب الروسي لم يكن وحده العقبة التي برزت في اللحظة الأخيرة، إنما كان هناك مُستجد أمريكي وُضع على الطاولة. ورغم أن المفاوض الإيراني لم يكشف طبيعة المُستجد أو العنوان علانية، فإن التقديرات الآتية من العارفين ببواطن الأمور على ضفة طهران تذهب إلى الاعتقاد أنها ترتبط بمطلب إيران من ضمن لائحة المطالب المقدمة، وهو رفع مؤسسة «الحرس الثوري» عن لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية التي أدرجتها عليها إدارة ترامب في نيسان/أبريل 2019. يقول هؤلاء إن الوفد الأمريكي عبّر عن صعوبة تقبّل الرأي العام الأمريكي لهذا المطلب، وقد كان الجواب الإيراني بأن ثمة نقاطاً عدة في الاتفاق لا يرضى عنها الرأي العام الإيراني، إذا كانت هذه المعادلة هي التي ستحكم قاعدة المطالب.
محادثات فيينا
في الواقع، فيما كانت أذرع إيران تتهيّأ لـ«الحدث السعيد» كانت التساؤلات – في دوائرها – حول قدرة محادثات فيينا على الصمود أمام الرياح الأوكرانية. المخاوف لدى تلك الدوائر من أن تطول فترة التعليق، فتبرز عقبات جديدة تنسف جهود أحد عشر شهراً صُرِفت من أجل إحياء اتفاق العام 2015. والأمل في تلك الدوائر معقود على أن تُعطي الرغبة الأمريكية – الإيرانية المشتركة بالتوصل إلى اتفاق، وحاجة الطرفين لذلك، قوّة دفع للعودة سريعاً إلى المفاوضات قبل أن تتلاشى الفرصة نهائياً، إذ إن عامل الوقت يلعب ضد الطرفين، خصوصاً أن الرئيس الأمريكي سيواجه ضغوطاً أكبر، وسيُصبح مُكبلاً أكثر مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس والتي تشي بإمكان أن تنتقل الأغلبية فيه ليد الجمهوريين.
غير أن منظري «المحور» يُسقطون كلياً أي احتمال لإحياء الاتفاق بعيداً عن روسيا، ولا سيما أنها ليست فقط شريكاً في الاتفاق كما باقي الشركاء (أمريكا، وفرنسا، وبريطانيا، والصين، وألمانيا) بل تتقدمهم في دورها كونها هي الضامن لليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة، وستكون الجهة التي سيُنقل إليها، فضلاً عن أن لطهران حسابات استراتيجية وجيوسياسية مع روسيا الاتحادية لا يمكن أن تتجاهلها أو تُخاطر بها.
على أن التحوّلات الدولية، على وَقْع الحرب الروسية على أوكرانيا، تطرح تساؤلاً عمّا إذا كان لـ«سيد الكرملين» فلاديمير بوتين مصلحة في إحياء الاتفاق النووي وتذليل العقبات من أمام التقارب الأمريكي مع إيران في هذا التوقيت، وفتح أسواق النفط والغاز الإيراني لأوروبا بديلاً عن الغاز الروسي الذي يضع الأوروبيون خططاً لإنهاء الاعتماد عليه؟ والتساؤل الأهم لدى منظري «المحور» هو عمّا إذا كانت هناك ثمَّة مصلحة لموسكو في فتح الأبواب لطهران للخروج من تموضعها الجيوسياسي الراهن؟ ويذهب بعض هؤلاء في استنتاجاته إلى أن إفشال الاتفاق هو مصلحة روسية – إسرائيلية، ولم تكن الدوافع وراء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت إلى موسكو، التي كان عنوانها أوكرانيا، بعيدة عن تجديد التفاهمات حول سوريا ورفض العودة مجدداً إلى اتفاق فيينا حول النووي الإيراني.
والسؤال أيضاً عمّا إذا كانت مآلات مفاوضات فيينا ستنسحب على المحادثات السعودية – الإيرانية التي تنتظر جولتها الخامسة في بغداد، وأي مسارات قد تسلكها تلك المحادثات في ظل تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا والتي شهدت تمايزاً في المواقف الخليجية، ولا سيما مواقف السعودية والإمارات، عن مواقف الحليف الأمريكي، والتي تقترب أكثر إلى الموقع المحايد والوسطي؟
في رأي كثيرين أن المحادثات السعودية – الإيرانية ما كانت لتشق طريقها لولا عودة القوى العالمية إلى محادثات فيينا. لا شك أن وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض بدَّل المشهد الإقليمي. فالرئيس الأمريكي تعهد خلال حملته الانتخابية بالعودة إلى الاتفاق النووي، ووقف الدعم الأميركي للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن. وحين استلم بايدن الإدارة رفع «جماعة الحوثي» (أنصار الله) عن قوائم الإرهاب، كإشارة حسن نية تجاه طهران بعدما أدرجهم ترامب عليها، ومارس شتى الضغوط على المملكة تحت عنوان «إنهاء الحرب في اليمن» وهو ما كان متوقعاً.
واستدعى التبدّل في المشهد الإقليمي، المعطوف على القرار الأمريكي بالانسحاب من المنطقة، ذهاب كل الأطراف إلى ترتيب أوراقها، والذي أفضى إلى «الاتفاق الإبراهيمي» وإلى نهج دول المنظومة الخليجية سياسة تصفير المشاكل في الإقليم، سواء مع إيران أو مع تركيا. كل تلك العوامل ساهمت في تبلور اتجاه مسار الحوار، وإنْ كان المشروعان التركي والإيراني يختلفان في منطلقهما، بحيث إن الأول يحمل أحلام العودة إلى الإمبراطورية العثمانية نفوذاً وتوسّعاً إلى الجزيرة العربية، فيما يستند الثاني إلى أبعاد إيديولوجية عقائدية لتحقيق الاختراق.

حوار استكشافي
ذهبت السعودية إلى حوار استكشافي على مستوى أمني مع إيران في بغداد، ولكل من الجانبين عناوينه. يومها كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن حصول اللقاء في التاسع من نيسان/أبريل 2021. بعدها خرج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 27 نيسان/أبريل في مقابلة مع قناة سعودية ليعلن عن تحوُّل في موقف الرياض من طهران، بقوله «إن إيران، في الأخير، دولة جارة وكل ما نطمح إليه أن تكون لدينا علاقة طيّبة ومميّزة معها». وهو تحوُّل كبير تلا موقفاً سابقاً قبل سنوات في أيار/مايو 2017 خلال مقابلة أيضاً مع قناة سعودية سأل فيه عن «كيفية التفاهم مع نظام قائم على إيديولوجية متطرّفة وهدفه الرئيسي الوصول لقبلة المسلمين» معلناً يومها أنه «لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، بل سنعمل لكي تكون المعركة عندهم في إيران وليس في السعودية».
وعاد بن سلمان على مشارف التحضيرات التي كانت جارية لعقد الجولة الخامسة من المحادثات في العاصمة العراقية إلى التأكيد في مقابلة مع مجلة «ذا أتلنتك» الأمريكية في الثالث من آذار/مارس الجاري، حين سُئل عن إيران بالقول: «إنهم جيراننا، وسيبقون جيراننا للأبد، ليس بإمكاننا التخلّص منهم، وليس بإمكانهم التخلّص منا، لذا فإنه من الأفضل أن نحلَّ الأمور، وأن نبحثَ عن سُبل لنتمكن من التعايش، وقد قمنا خلال أربعة أشهر بمناقشات، وسمعنا العديد من التصريحات من القادة الإيرانيين، التي كانت محل ترحيب لدينا في المملكة العربية السعودية، وسوف نستمر في تفاصيل هذه المناقشات، وآمل أن نصل إلى موقف يكون جيدًا لكلا البلدين، ويُشكّل مستقبلًا مشرقًا للسعودية وإيران».
على أن بن سلمان، بعد إعلان التحوُّل نحو «سياسة مدّ اليد» حدَّد بوضوح أن الإشكالية مع إيران تكمن في التصرفات السلبية التي تقوم بها، سواء من برنامجها النووي أو دعمها لميليشيات خارجة عن القانون في بعض دول المنطقة أو برنامج صواريخها الباليستية. هي ثلاثة عناوين تُشكّل في واقع الأمر لبّ المشكلة ليس للسعودية فقط بل للخليج والمنطقة العربية، فطهران – عبر أذرعها – تتمدّد في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن حيث تُشكّل خطراً على الأمن القومي السعودي والأمن القومي الخليجي والعربي.
كانت الرياض قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بعد اقتحام مقار بعثاتها الدبلوماسية في إيران في 2016 بعد إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر. نقطة الانطلاق في الجولات الأربع من المحادثات تناولت ملف العلاقات الثنائية. هذا الملف فُتحت أبوابه، وباكورته كانت الإعلان عن عودة ممثلي طهران إلى منظمة التعاون الإسلامي في جدة. والبحث وصل إلى حدّ ترتيب زيارات بين البلدين واقتراب استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات في كل من الرياض وطهران.
في المعلومات أن النقاش في القنوات المفتوحة كان يتمُّ حول مَن هي الجهة التي ستقوم بالزيارة الأولى. اقترحت المملكة أن يزورها أولاً الوفد الإيراني، ولا سيما أن إيران تُدين بالاعتذار للمملكة عن الاعتداء على سفارتها في طهران وقنصليتها في مشهد، فيما طلبت طهران أن تكون الزيارة الأولى إليها. وفي رأي المتابعين، أنه بغض النظر لمن ستكون الخطوة الأولى، فإن الوصول إلى بحث تبادل الزيارات هو تقدُّم ملموس على مستوى العلاقات الثنائية.
العلاقة يشوبها الكثير من انعدام الثقة بين الطرفين، حتى إن وزير الخارجية أمير عبد اللهيان، وهو يُرحِّب بموقف ولي العهد، تجنّب تسميته بالاسم واستخدم تعبير «المسؤول السعودي رفيع المستوى»، والسعوديون لُدغوا مراراً من الإيرانيين حين انفتحوا عليهم ومدّوا جسور العلاقة ليظهر أن خلف الستارة توزيع أدوار لمشروع عقائدي يُشكّل جزءاً من الدستور.
ولكن كلاً من الطرفين يُدرك اليوم أن الخطوة المفتاح في فتح طريق الحوار على مصراعيه تبدأ من اليمن. كانت طهران تُراهن على سقوط مأرب بيد الحوثين قبل أن تنقل البحث إلى الملفات الإقليمية، وفي مقدمها الملف اليمني الذي تحوَّل إلى جرح نازف في الخاصرة السعودية، لكن حلم مأرب سقط، وظهر جلياً لطهران وأذرعها أن هناك خطاً أحمر مرسوماً سعودياً وخليجياً ودولياً ولا يمكن تجاوزه، وبالتالي، لا بدَّ من المضي قدماً نحو حلحلة الملفات، خصوصاً أن الوضع بات ضاغطاً على الجميع. ويقول في هذا الصدد أحد المحللين القريبين من طهران أن الجولة الخامسة من المحادثات في بغداد كانت ذاهبة إلى لحظة واعدة، بحيث كان الوفد الإيراني يتحضر لإطلاق مبادرة تمَّ العمل عليها، ومن شأنها أن تُشكّل اختراقاً في الملف اليمني، مستبعداً أن تُطيح تداعيات مفاوضات فيينا والحرب الروسية على أوكرانيا بما تحقق على مستوى المحادثات السعودية – الإيرانية. فكل الأطراف مدركة لدقّة المرحلة، والحاجة إلى احتواء المشاكل على الساحة الإقليمية في لحظة التحوّلات الدولية الكبرى والتحدّيات التي تواجه الجميع، ولن يكون مفاجئاً إنْ التقط الطرفان ما يمكن وصفه بـ«الفرصة الإيجابية السانحة».