المخرج هاني أبو أسعد لـ«القدس العربي»: سنحذف المشهد الذي أثار سخطا في العالم العربي

حسام عاصي
حجم الخط
1

لوس أنجليس – «القدس العربي»: بعد أن رُشح فيلم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد «عمر» لأوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية عام 2014، قام أستاذ مدرسة ثانوية في بلدة فلسطينية بعرض الفيلم على طلاب صفه. وعندما شاهد أحد الطلاب بطل الفيلم يقبل بطلته، اتصل بوالديه وأخبرهم بالأمر. وسرعان ما داهم أهالي الطلاب المدرسة وانهالوا بالضرب المبرح على الأستاذ إلى أن وصلت الشرطة وأنقذته من موت محتم.
لهذا عندما شاهدتُ مشهد تعر كامل في فيلمه الجديد «صالون هدى» في مهرجان تورنتو العالمي للأفلام العام الماضي، أدركت أنه سوف يشعل جدلاً حاداً في فلسطين والعالم العربي ويتعرض للاستنكار من قبل عدة جهات.
أبو أسعد كان أيضاً يدرك ذلك، لكنه كان مقتنعاً أن المشهد كان ضرورياً من الناحية الدرامية لكي يصدم المشاهد. «أنا أحترم مشاعر الناس في مجتمعنا»، قال لي أبو أسعد، «وسوف أحذف المشهد من نسخة الفيلم التي ستعرض في العالم العربي وسأبقي عليها فقط في النسخة التي ستعرض في الغرب. تاريخياً علينا أن نسجل هذه الأحداث مع أن هناك نوعا من التحدي فعندنا غايتان: الأولى إثارة النقاش في مجتمعنا عن القضايا التي نطرحها في الفيلم، والثانية هي أن نفضح جرائم الاحتلال للعالم الخارجي وهذا المشهد استعارة لتعرية الاحتلال لنا كشعب». يتناول الفيلم الاستغلال الجنسي الذي تمارسه المخابرات الإسرائيلية بحق فتيات فلسطينيات وإجبارهن على التعاون معها من خلال «صالون هدى» قصة ربة منزل من بيت لحم، تدعى ريم وتؤدي دورها ميساء عبد الهادي، تخدرها مصففة شعر، تدعى هدى (منال عوض) وتصورها عارية بجانب شاب عار في سريرها، وعندما تستيقظ تخبرها هدى أن عليها التعاون مع المخابرات الإسرائيلية إذا أرادت أن تتفادى نشر الصور. فتجد ريم نفسها أمام خيارين: إما الفضيحة ودمار حياتها الشخصية والزوجية أو خيانة وطنها. وتتأزم أمورها وتقع في دوامة مرعبة عندما ينكشف أمر هدى، ويعتقلها شباب المقاومة ويجدون الصور ويشرعون بالبحث عن الفتيات للتحقيق معهن.
«أنا لا أعرف مدى تفشي هذه الظاهرة لأن البنات اللواتي يقعن في فخ المخابرات الاسرائيلية لا يتحدثن عن الأمر. لهذا، الإسرائيليون وحدهم يعرفون عدد البنات اللواتي تم استغلالهن»، يقول أبو أسعد.
بدلاً من متابعة شخصية ريم في حبكة تشويقية واحدة، يطرح أبو أسعد حبكة موازية يتناول فيها شخصية هدى ودوافعها في مشاهد حوارية بينها وبين زعيم المقاومة، من أجل تفادي استخدام أسلوب فلاش باك لسبر ظاهرة ابتزاز النساء من خلال قصة ريم، ما يجعل الفيلم يبدو كفيلمين متنافسين على القصة. الأول يتناول وقوع هدى في فخ المخابرات الإسرائيلية وإجبارها على تجنيد فتيات أخريات من أجل تفادي فضيحتها، والثاني يتمحور حول وقوع ريم في نفس الفخ على يد هدى.
أبو أسعد أقر أن اتخاذه هذا الأسلوب في طرح الفيلم كان مجازفة وأنه أراد أن يجرب أسلوباً سينمائياً مغايراً للأساليب الدارجة في سرد مثل هذه القصص.
«أردت أن أخلق توازياً بين الروايتين» يقول أبو أسعد. «الفتاة التي جندوها قبل خمس سنين والفتاة التي جندت حالياً، ذلك التوازي مكنني من خلق فلاش باك دون أن أستعمل الفلاش باك».
الفيلم لا يتطرق إلى الاحتلال الإسرائيلي، بل يسلط الضوء على عيوب المجتمع الفلسطيني الذكوري الذي يحمل المسؤولية للضحايا النساء بدلاً من مساندتهن في التصدي لابتزازهن من قبل عملاء الاحتلال، ما يثير تعاطفنا مع أولئك النساء، اللواتي يبدين محصورات بين المطرقة والسندان. فهن من جهة يواجهن تهديد الاحتلال واستغلاله لهن ومن جهة أخرى يخشين العقاب من مجتمعهن وذويهن، الأمر الذي دفع ببعضهن إلى الانتحار.
«منذ 1948 يحاول الاحتلال أن يخرب قيم مجتمعنا»، يقول أبو أسعد «مسؤوليتنا كمجتمع هو أن نفتح نقاشاً ونبحث عن نقاط ضعفنا حتى نقويها. فجزء من مجتمعنا يلوم الضحية بدلاً من لوم الجلاد ويصب غضبه على البنت التي أخطأت بدلا من أن يصب غضبه على الاحتلال. فعلينا أن نفتح هذا النقاش لكي نقوي أنفسنا ونتغلب على ضعفنا».
الفيلم، الذي بدأ عرضه في الولايات المتحدة هذا الأسبوع، قوبل بمديح النقاد منذ عرضه الأول في تورنتو، وتحديداً أداء ميساء، حيث صرح البعض بأنها تستحق الترشح للأوسكار. لكن الجماهير الفلسطينية والعربية لم تعر اهتماماً لجودته الفنية أو مضمونه، بل انهالوا عليه بالاستنكار بسبب مشهد التعري، الذي اعتبروه انتهاكا لقيم المجتمع وإهانة لشرف المرأة الفلسطينية. كما اتهم بعضهم أبو أسعد بالخيانة وتشويه سمعة القضية الفلسطينية مع أنه كان المخرج الذي خاض صراعاً مع أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة الأمريكية وأجبرها على قبول فلسطين في المنافسة على أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية، فضلاً عن نيل أفلامه ترشيحين لفلسطين، وما زال فيلمه «الجنة الآن» الفيلم الفلسطيني والعربي الوحيد، الذي فاز بغولدن غلوب أفضل فيلم بلغة أجنبية.
«أنا أعتقد أن هذا الجزء من المجتمع الذي تحدثت عنه سوف يهاجمنا». يعلق أبو أسعد. «لكن بما أننا احترمنا مشاعره وحذفنا المشهد من النسخة العربية عليه أن يحترم خيارنا الفني. الأمر الأهم الذي يجب أن نركز عليه هو ما يفعله الاحتلال ضدنا وليس تصوير مشهد ما».
هذه هي المرة الثانية التي يواجه فيها أبو أسعد حملة استنكار خلال أقل من شهرين. الأولى اشتعلت بعض عرض فيلم من إنتاجه وهو «أميرة»، الذي اتهم أيضا بإهانة شرف المرأة الفلسطينية والإساءة للمساجين الفلسطينيين. هذه الحملات أثارت مخاوف صناع الأفلام الفلسطينيين. وإذا استمرت فسوف تدمر السينما الفلسطينية وتفتح المجال للسينما الإسرائيلية للهيمنة على سردية الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني أمام العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية