في ذكرى ولادتها: الثورة السورية مازلت حيّة في نفوس الشعب السوري

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي» : رغم حالة الجمود التي تعتري الثورة، ورغم ما عاناه السوريون في مواجهة أكبر مآسي التاريخ العربي المعاصر، بقي الشعب السوري مصرا على نيل حريته، ولم يزل الشعار الأكثر شهرة من بين جميع الشعارات التي رددها ملايين السوريين «الشعب يريد إسقاط النظام» شعارا متقدا في كل التظاهرات، يقود ملايين السوريين نحو هدف واحد.
وهذه الأيام، يحتفل السوريون بمرور 11 عاما على اندلاع الثورة السورية، التي انطلقت على هيئة احتجاجات في شهر آذار /مارس 2011 من درعا جنوب البلاد، ثم انتقلت إلى كل المحافظات، وشكلت هذه الاحتجاجات السلمية نقطة تحول في تاريخ سوريا، شارك فيها ملايين السوريين من كافة الشرائح والأعمار، ضد نظام حكم قمعي يستند إلى ديكتاتورية عسكرية – بعثية، رفض المطالب الشعبية المحقة في انتخابات ديمقراطية تنهي حالة حكم المتوارث، وتغول الأجهزة الأمنية.
المطالب الشعبية، قابلها النظام السوري بالحديد والنار، منذ بدايتها ورغم سلميتها، فأخرج الجيش من الثكنات، وسمح لهم بقمع المظاهرات بالقوة، فاستخدموا الرصاص الحي ضد المتظاهرين، ما أدى على مقتل آلاف الضحايا، بموازاة عمليات دهم واعتقال تعسفي.
ولمّا دفع النظام السوري، الثوار دفعا إلى حمل السلاح، استخدم للقضاء عليهم، المدافع الثقيلة والدبابات، وسخّر سلاح الجو لاستهداف وقصف المناطق الثائرة، وجنّد ميليشيات محلية وأجنبية لدعم ومساعدة الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما فتح الباب على مصراعيه، أمام هذه القوى، لممارسة أفظع أنواع الانتهاكات، وصل الكثير منها إلى جرائم ضد الإنسانية.
ثم تحولت هذه الثورة الشعبية، التي فشلت في الوصول إلى أهدافها وعلى رأس هذه الأهداف إزاحة الرئيس بشار الأسد عن منصبه، إلى صراع متعدد الأطراف انزلقت إليه قوى عالمية، إذ لم يكن للنظام السوري أن يصمد في وجه العاصفة الشعبية، لولا دعم حلفائه وفي مقدمتهم إيران وروسيا، حيث ساندت هذه الأخيرة، النظام السوري سياسيا وعسكريا، وتدخلت بشكل مباشر في الميدان نهاية أيلول /سبتمبر2015، ووفرت لقوات النظام الأسلحة، وأمنت لها التغطية الجوية في عمليات الاقتحام والتوغل في مختلف المدن والقرى السورية، كما قصفت أهدافا مدنية بما فيها المستشفيات والمدارس والتجمعات السكنية، واستعمل النظامان سياسة الأرض المحروقة وسلاح الحصار والتجويع، ما مكّنهم من استباحة المناطق الآمنة، واقتحامها والتوغل فيها، ثم إعادة السيطرة على جزء كبير من الجغرافية السورية، التي كان النظام قد خسرها لصالح الثوار، وفقد السيطرة عليها.
ارتكب النظام السوري خلال هذه الحرب العنيفة التي شنها ضد شعبه، والتي لم تنته بعد، انتهاكات جسمية بحق الشعب السوري، وواجههم بعنف مفرط، عبر قصف المناطق الخارجة عن سيطرته والمأهولة بالمدنيين بأعتى أنواع الأسلحة، بما فيها الذخائر العنقودية والأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا، ولم تفرق آلة الحرب بين مسلح ومدني، أو رجل أو امرأة وطفل.
ووفق أرقام الأمم المتحدة، فقد أسفر النزاع في سوريا منذ اندلاعه في العام 2011، عن مقتل 400،000 شخص نتيجة النزاع، كما احتجزت قوات النظام والميليشيات التابعة لها بشكل تعسفي أو غير قانوني عشرات الآلاف من الأفراد في مراكز الاحتجاز الرسمية والمؤقتة في جميع أنحاء البلاد.
عدا عن تشريد أكثر من ستة ملايين سوري داخل البلاد، وتهجير أكثر من 5.6 مليون شخص خارجها، كما أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، أنه منذ أن بدأت الاضطرابات في آذار/مارس 2011، شُرد مئات الآلاف من الأشخاص من ديارهم وأصبح أربعة ملايين شخص في حاجة إلى مساعدة إنسانية عاجلة، كما أن النظام السوري لم يسمح بعد للجنة بإجراء تحقيقات داخل البلد، وبعد إحدى عشر عاما من النضال والقمع العنيف.
وفي ذكرى ولادتها التي شكلت محطة فارقة في تاريخ سوريا، وبعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، والفشل في تحقيق الانتقال السياسي نحو الديموقراطية، وبالنظر إلى واقع الثورة، التي طرأت عليها الكثير من النكسات، وتراجعت جغرافيا وسياسيا، تتدافع مجموعة من الأسئلة التي تطرح نفسها وعلى رأسها: أولاً: ماهي أخطاء الثورة حتى وصلت إلى ما آلت عليه؟
ثانياً: هل كانت المعارضة مؤهلة لقيادة الثورة؟ ثالثاً: كيف أثرت مواقف الدول في مسار الثورة السورية؟ رابعاً: هل الثورة السورية مازلت حيّة في نفوس الشعب السوري؟ خامساً: هل فشلت الثورة؟
أدى الوضع السياسي والإقليمي بالغ التعقيد إلى تطور شديد التعريج للأزمة السورية، حيث شهدت الساحة خلال الأعوام الماضية سلسلة من التحولات السياسية والمتغيرات الميدانية، بتأثير العوامل الخارجية والفواعل الدولية والإقليمية، جعلت طرفي الصراع، النظام السوري والشعب الثائر، الحلقة الأضعف في القرار السوري، فتحول السوريون إلى مجرد عامل ثانوي مكمل للمشهد لا أكثر.
أولاً: ماهي أخطاء الثورة حتى وصلت إلى ما آلت عليه؟
يرى سكرتير المكتب السياسي في حزب اليسار الديمقراطي السوري سامر كعكرلي، أن أهم خطأ وقعت فيه الثورة السورية هي تسليم الراية لتيار الإسلام السياسي، وفق رأيه، عازيا السبب في حديث مع «القدس العربي» إلى أن هذا التيار «لم يعمل وفق الأجندة الوطنية بل عمل وفق الأجندة الحزبية وهذا ما ترتب عليه الكثير من الأمور السلبية وعلى رأسها تغيير مواقف بعض الدول التي أيدت الثورة في بدايتها، لأنها تخوفت بأن تكون سورية القادمة مركزا لانطلاق الفكر الجهادي التكفيري الذي تخشاه كافة الدول.
بينما اعتبر الخبير السياسي محمد العطار، أن الأخطاء الأساسية التي وقعت فيها الثورة أنها بعد مضي أحد عشر عاما، مازالت تراوح في مكانها، إذ أنها حافظت على شعبويتها دون أن تصبح قوة منظمة لها هيكلية معينة من «قيادة ومؤسسات وعسكر وسياسية» وغيرها، معتبر أن ما أوصل الثورة السورية إلى هذا الحال، هو « 50 عام في حكم نظام البعث أدى إلى تفريغ أو تصحير الشعب السوري من السياسيين والمفكرين والمثقفين إذ أنهم لوحقوا على الغالب واعتقلوا أو هجروا، وبذلك وصل الشعب إلى مرحلة عدم الاعتراف بالآخر وعدم وجود مفكرين قادرين على أن يمثلوا نبض الشارع، ويتقبل الشارع منهم الفكر والتعليمات وغيره».
وأضاف لـ «القدس العربي»: «ذلك فضلا عن سياسات الدول المطبقة على الثورة، إذ تم تجزئة وشرذمة قوى الشعب السوري بتبعية كل مجموعة لدولة قد تتناقض أهدافها مع دولة أخرى، مما أحدث شرخا أو تمزيقا لقوى الثورة التي استعملت لصالح الدول التي كانت تحركها أو تدعمها من الخلف.
ثانياً: هل كانت المعارضة مؤهلة لقيادة الثورة؟
يقول الخبير السياسي والقانوني محمد سليمان دحلا في تصريح لـ «القدس العربي» أن المعارضة ولأسباب ذاتية وموضوعية، لم تكن مؤهلة لقيادة دفة الثورة لأنها لم تكن منظمة ولم تمتلك عمق شعبي ووجدت نفسها فجأة أمام الاستحقاق الذي فرضه الحراك الشعبي جزء من المعارضين كسروا قوالب الايديولوجيا البالية، وانخرطوا بالثورة كفعل شعبي وقسم آخر بقي أسير القوالب الحزبوية المنعزلة عن الشارع، ومن البديهي أنه لا يمكن قيادة الحراك الشعبي من خارج الحدود بل من أرض الحدث، وعندما أمعن النظام المجرم في سياسة القتل والتنكيل والاعتقال ازداد نزيف النخب الواعية إلى الخارج وبعد التدخل الروسي الإجرامي تم تهجير كل الثوار من مناطقهم وتكبيلهم من خلال الداعم او الحليف الدولي وخارج دوائر تأثيرهم فتحول الجميع من ثوار إلى معارضين لأنهم فقدوا زمام المبادرة داخل مدنهم وقراهم وجغرافيتهم.
ثالثاً: كيف أثرت مواقف الدول في مسار الثورة السورية؟
يقول عضو هيئة القانونيين السوريين، الناشط السياسي والمحامي عبد الناصر حوشان، لـ «القدس العربي» إن العلاقات الدولية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح ، فمن تقاطعت مصالحهم اتحدوا ومن اختلفت مصالحهم تعادوا، وسوريا هدف لكثير من القوى الدولية كونها منطقة استراتيجية في السياسة الدولية لذلك شهدنا دعما كبيرا في بداية الثورة للثوار من دول ارتبطت مصالحها بإسقاط النظام، و تحالفت دول أخرى مع النظام فتحوّل الصراع في سوريا إلى صراع دولي تتحكم فيه الدول الفاعلة عبر أدواتها المحلية والإقليمية مما أنتج لنا مسارات ومنصات وهيئات و…. ترتبط ارتباطا وثيقا مع تلك الدول أدى الى سلب القرار الثوري والوطني.
من جهته، اعتبر الخبير السياسي والقانوني محمد سليمان دحلا لـ «القدس العربي» أن العامل الدولي أثر سلبا لأن مواقف الدول المتدخلة جميعها مبنية في الأساس على مصالحها الاستراتيجية وليس على القيم والقوانين والمعايير الأخلاقية والانسانية وما دامت تلك المصالح لكل دولة متقاطعة حينا، ومتعارضة أحيانا مع مصالح باقي المتدخلين، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على انقسام الشعب السوري أفقيا فضلا عن انقسامه العمودي وتكريس الانتماءات والهويات الما دون وطنية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
رابعاً: هل الثورة السورية مازلت حيّة في نفوس الشعب السوري؟
تقف الثورة السورية الآن في محطة من محطات عمرها التي أجبرت على الوقف بها، بناء على السياقات التي فرضت على الثورة خارجيا، مما أدى إلى إطالة زمن انتظار الثورة في الوصول إلى أهدافها، وهو ما يدفعنا إلى السؤال عن استمراريتها لدى الجمهور المعارض للنظام السوري.
يقول الخبير السياسي محمد العطار، إن وقوف الثورة في هذه المحطة يدل على استمرار توقد شعلة الثورة في نفوس الثوار مهما طال الزمن ومهما تحملوا من مصاعب ومشاق، ومن المعلوم، أن الثورات لا تقاس بالزمن، إذ أن الظروف فرضت على الثورة، مسارات لم تكن مسحوبة في سياقاتها، والظروف الدولية التي فرضت على الثورة، وتغيرات مواقف الدول من الثورة جعلها تستمر لفترة أطول، وجعل النظام بحالة أقوى نتيجة الدعم العسكري الذي تلقاه من حليفين طامعين في الأراضي السورية، وهما روسيا وإيران، حيث قدما السلاح والعتاد والجنود لنظام بشار الأسد المستبد القائم، مما أدى إلى تأخر نجاح الثّورة.
كمل اتفق معه سكرتير المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري سامر كعكرلي، حيث قال إن الثورة مستمرة لدى جمهور الثورة الذي أنتمي له – مميزا بين جمهوري الثوري والمعارضة – وأضاف «أؤكد بأنه لا يمكن التراجع عن ثوابت الثورة على المستويين، قبل تحقيق أهدافها وهو التغيير الشامل من دولة الاستبداد إلى دولة الحرية والديمقراطية والمدنية والتعددية التي تنعم بالعدالة الاجتماعية».
فالثورة وفق رأيه «كانت وما زالت ثورة شعب تتصف بالعفوية والفوضوية ولم تكن نتاج فعل معارض منظم بالمعنى المعروف للكلمة لذلك يمكن القول في الإجابة على الشق الثاني بأنه، يصعب الحديث عن جمهور « للمعارضة» ورغم انسداد الأفق لا تزال كل المؤشرات تشير إلى تمسك شريحة كبيرة جدا من السوريين بالثورة وأهدافها وأخلاقياتها، وكذلك بالرغم من فشل من تصدروا المشهد السياسي والعسكري، وعلى الصف المعارض ترجمة تلك المبادئ والأخلاقيات إلى سلوك وسياسات فليس مطلوب من شعب ثائر أن يضع الآليات والسياسات البديلة لما ثار ضده وانما هي وظيفة النخب التي فشلت حتى الآن في الاستجابة والتعاطي مع الاستحقاق».
خامساً: هل فشلت الثورة؟
يقول الخبير السياسي والقانوني محمد سليمان دحلا «لا يمكن الحديث عن نجاح الثورة أو فشلها من دون النظر إلى مؤشر أو مقياس ما، وبالتالي هناك نجاح في مكان ما وفشل في مكان آخر ولو سلمنا بفرضية فشل الثورة فذلك يعني أن النظام قد انتصر وهذا غير صحيح».
وأضاف «التدافع الفكري والقيمي الأخلاقي لا يزال موجودا بل ازداد على مستوى المجتمع السياسي السوري وليس على مستوى ثنائية نظام معارضة فقط وهذا أمر منطقي بالنظر لنصف قرن من غياب حرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية في النهاية دوافع التغيير لا تزال موجودة وتزداد اتساعا وهو آت لا محالة».
بينما اعتبر عضو هيئة القانونيين السوريين، المحامي عبد الناصر حوشان أن قدرُ الثورات أنها محكومة بقانون «الهزيمة والنصر»، وطالما لم يرفع السوريون راية الاستسلام فالثورة مستمرة، وطول الأيام والسنين ليس معيارا لتحديد النصر والهزيمة، وخاصة في الثورات العظيمة التي تعتبر لحظة مفصلية في حركة التاريخ كثورتنا.
وقال: الثورة حركة مستمرة متجدِّدة، تتعثر أحيانا وتنهض أحيانا، وثورتنا استثنائية من حيث كمّ الأعداء، وتفاوت موازين القوى، معتبرا أن الانتصار الحقيقي للثورات يكون في اللحظات الأولى من اندلاع شرارتها فإن تحوّلت الشرارة إلى كتلة من النار في وجه الطغاة تلفح وجوههم وتهدم عروشهم، وتسقط هيبتهم عندها تكون لحظة الانتصار، ويكون ما بعدها معركة تطهير البلاد من الخبث.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية