دخان القِرى ولهيبُه

الدخان والرماد سدنة آلهة عظيمة اسمها النار. في بعض الأحيان يموت السدنة من أجل أن تحيا الآلهة، يموتون كي يبنوا لها مجدها، وكي يعبدها اللاحقون. النارُ في الثقافة العربية القديمة ليست موضوع عبادة بلا شك، لكنها موضوع رمزي بامتياز رمزيتها العظيمة لا تنفصل عنها رمزية الدخان المتصاعد في السماء، ولا رمزية اللهيب الذي هو نارٌ مندثرة تخلصت من ثيابها المستعرة، لتعوضها بثياب رمادية باهتة.
في بعض استعمالاتنا الرمزية القديمة يقترن الدخان بالنار، فنحن نقول عمن أذكى الفتنة وتظاهر بالبراءة: يشعل النار ويسأل من أين الدخان؟ عبارة كهذه لم تتخلص من مركزية النار فيها. النارُ في ارتباطها بالدخان جعلته معنى ثاويا في خبايا معانيها، فنحن من الصعب اليوم أن ندرك معنى الدخان من غير أن يمر إدراكنا له عبر معنى النار، مثلما لا يمر إدراكنا للسقف إلا عبر إدراكنا للحائط الذي يرتبط به. هناك معان تقتضي أخرى أو تعلق بها، وهناك معان مستقلة بأنفسها لا ترتبط بغيرها.
معنى النار في هذا السياق وغيره معنى محل، أي معنى تحل به معان أخرى ترتبط به مثل الدخان والرماد. الدخان والرماد هباءان، غير أن الدخان يرتفع في السماء، ويظل الرماد متعلقا بالأرض. يستعمل الدخان علامة على النار يسميها المحدثون المؤشر، واستعمل الرماد علامة على ما بعد النار، سماها القدامى دليلا وقف عنده الواقفون على أطلال الأحبة بعد أن ظعنوا. الدخان دليل آني ينقطع عمله بعد مدة من اشتعال النار، والرماد دليل زماني لا ينقطع إلا بعد مدة أطول من اشتعال نار القرى مثلا.
تجربة الإنسان مع النار والدخان والرماد هي تجربة سيميائية مثلثة، ففي حين تكون النار رمزا يكون الدخان والرماد دليلا. أن تشتغل العلامة رمزا يعني أنها تحمل بدلالات ليست من مقتضياتها، ولا ترتبط بها في الأصل إلا من بعيد. أقدم رموز النار التي استعملتها الأديان هي نار العذاب التي تسمى في عقيدتنا الإسلامية جحيما أو سعيرا. اسم الجحيم هو اسم عربي خالص، لأن الاسم المحيل عليه في الثقافات الأخرى لا يحيل على اللهيب، بل يحيل على العالم الأرضي أو التحتي، لذلك كان الجحيم في الآداب اليونانية واللاتينية تحت الأرض، ولا صلة له بالنار الإسلامية ومشاهد العذاب مثلا في جحيم الأديب الإيطالي دانتي Dante هي مشاهد لا إحالة فيها كثيفة على النار، مثلما في جحيم أبي العلاء المعري على الرغم من أسبقية مشهد الجحيم الإسلامي على مشهد جحيم دانتي، وقول القائلين باطلاع هذا عليه. كان دانتي وفيا لمعنى الجحيم اليوناني، أو قل وفيا لمعنى ما تحت الأرض. عذابات النفوس في الجحيم هي عذابات الروح، لكنها في السعير هي عذابات الجسد في الأصل.

النار في ثقافة عرب ما قبل الإسلام، هي رمز للقِرى أي الكرم، وعلينا أن نفهم هذا الاستعمال الرمزي في سياق الإطار الصحراوي الليلي، الذي يرتحل فيه من يقطعون الفيافي الممتدة للسفر، وهو سفرٌ غير مفهوم إلا في السياق الفني، إذ إن سفرا خارج القافلة وخارج القبيلة، أو قطعا للصحراء في إطار العدوان واللصوصية الليلية هو سفر فني لا يبرره واقعٌ. المسافرون العزل وهم أفراد أو أنفار، هم من تشعل لهم النيران طلبا لهدايتهم واستقبالهم لاستضافتهم. نحن لا نعتقد أن هذا هو شأن عام أو حقيقة شاملة، وإنما هو ضرب من التأويل المقلوب لوقائع لم تحدث في التاريخ، بالترتيب الذي رواه به الشعر وتأوله النقاد وغيرهم ممن تعاملوا مع نار القرى، على أنها مشهد قيمي متكامل العناصر.

يعد الرمادُ دليلا مهما في الأدب القديم يستعمل في سياق الوقوف على الأطلال. الرماد هو أثر النار التي اشتغلت شغلها في حضور أهلها وكثرته، أو قلته بعد رحيلهم ليس أمرا مهما، المهم أنه يستعمل دليلا لا على أن الراحلين كانوا هناك فهذا من تحصيل الحاصل، بل على أنه جزء من حياة كانت ذكية فهمدت أو على وجود حي سرعان ما صار ذاكرة لوجود.

تريد منا نار القرى الرمزية أن نفهم أن من يشعلها هو قادر مقتدر على أن يوفر لقمة زائدة لعابر سبيل أو أكثر، بينما لم يكن هذا شأنا شائعا لدى من يعيش على الكفاف في مناطق الانحباس والجفاف. ويراد لنا أن نفهم أن نار القرى هي نار النوايا الحسنة التي تهدي سابلة مُسَالمين وزُوارَ ليل مسافرين من غير المغيرين واللصوص الذين يمكن أن يهتدوا بالنار إلى أهدافهم. عليك كي تفهم رمزية نار القرى بالمعنى الذي تسوق لها الأشعار والأخبار العربية القديمة، أن تكون سليم النية طيب الطوية كي ترى مسافرا أدركه الليل وليس له من قوت ولا زاد، فيشعل له العرب المقيمون على الأقل وقتيا في مكان ما يصادف أن يكون في خريطة عبورهم نارا كي يستقدموه إليهم، ويوفروا له خدمة مجانية توفرها نزل المسافرين في عصرنا الحديث، لكنها توفرها من غير معلوم إلا طلبا للقيمة، بما هي شيء يطلب لذاته.
صنعت الأدبيات العربية هذا المعنى في نطاق ما يعرف بكرم العرب الخارق، الذي يمكن أن ينحر فيه حاتم الطائي فرسه لرسول القيصر، ويعلم بعد نحرها أن الرسول جاء يبتاعها لسيده. ضاقت الدنيا على قيصر وعلى الخيول كي يطلب فرسا من بدوي عربي ينحرها لرسوله، من غير أن يرى الرسول نار القرىǃ
يمكن أن تستعمل نار القرى رمزا عكسيا يدل على التقتير مثلما هو في بيتي الأخطل إذ يهجو جريرا وقومه فيقول:
أو بما يمكن أن يعد على العكس من ذلك تقتيرا مقيتا يمكن أن يهجى به ويقذع فيه كما فعل جرير حين هجا الفرزدق فقال (قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار // فتمسك البول بخلا أن تجودَ به وما تبول لهم إلا بمقدار).
حتى نفهم نار القرى في سياقها التاريخي، علينا أن نسندها بالدعائم المنطقية فهذه النيران التي لا بد أن توقد لشيء في الأصل غير القرى، صارت عنصرا من عناصره بالتبعية. يمكن أن توقد القبيلة النيران للدفء أو للسمر أو للطهو أو للإنارة هذه وظائف النار الأساسية، لكن عابري السبيل ممن نفق زادهم أو قل ماؤهم، أو استوحشوا الطريق ليلا يمكن أن يستعملوه في طلب الاستضافة. ينبغي أن يكون طالب القرى فردا أو مجموعة صغيرة غريبة ومسالمة، وينبغي لمن استقرى الضيف أن يكون قبيلة أو ما شابهها، تستطيع أن تقري لكن أيضا تستطيع أن تحمي نفسها من هذا الغريب الوافد ليلا يطلب القرى.
يعد الرمادُ دليلا مهما في الأدب القديم يستعمل في سياق الوقوف على الأطلال. الرماد هو أثر النار التي اشتغلت شغلها في حضور أهلها وكثرته، أو قلته بعد رحيلهم ليس أمرا مهما، المهم أنه يستعمل دليلا لا على أن الراحلين كانوا هناك فهذا من تحصيل الحاصل، بل على أنه جزء من حياة كانت ذكية فهمدت أو على وجود حي سرعان ما صار ذاكرة لوجود.
في هذا السياق عادة ما يجمع الرماد مع بعر الآرام الأول، أثر النيران البشرية التي توقد لتأكل أو لتطعم أو لتقري السابلة، والثاني أثر الطعام الحيواني الذي هو رمز للمال والثراء، وبين بعر الآرام والنار وشائج كثيرة ينبغي أن تؤول تأويلا يضع القبيلة في سياق الغنى والشرف والبذل. وسوف يصبح بعر الآرام أو ما شابهه وقودا للنار في تاريخ لا يشهد لمستعمليه بالغنى، بل بالفقر.
ويحضر الرماد في أمثال العرب باعتباره دواء في عبارة «ذر الرماد في العيون» الدالة على الغش والخداع. العين التي ترى الدخان فتستدل به على النار نهارا والدخان الذي اشتغل وما يزال دليلا على منبعه الناري، يترك مكانه للدخان كي يعالج العين المرمدة. ومن استعمالات العرب: أرمد البكاء عينه أي أصابها بالرمد. علاقة القرابة الاشتقاقية، تجعل الرماد دواء والرمد داءً وهذا موضوع بحث ميثولوجي وإيتيمولوجي ثري. يصيح دخان من بعيد: أسفلي نار تستعر احذروها. تحت الرماد لهيب يقول، انقذوني من ثعبان يلتهمني لأخمد إلى الأبد، الدخان نارٌ لا ترى، والرماد نارٌ لا تتنفس، هذان بعدان لو تعلمون للروح.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية