الجزائر – «القدس العربي»: تحول موضوع التعديل أو التغيير الحكومي في الجزائر إلى «مسلسل مكسيكي» طويل حلقاته لا تنتهي، يمكنك أن تفوت مشاهدة عشر حلقات، دون أن يفوتك أي شيء من القصة، فمنذ أكثر من شهرين بدأ الحديث عن التعديل الحكومي ثم تحول إلى كلام عن تغيير حكومي واسع، ليعود بعدها الكلام إلى مجرد تعديل حكومي، قبل أن ينسف الوزير الأول كل شيء بالقول أن التعديل ليس ضمن أجندة الحكومة، وهذا الكلام مردود عليه، بحكم تجارب سابقة.
إذا عدنا إلى الوراء قليلا نجد أن التعديل الحكومي هو «لعبة الرئيس» المفضلة، فمنذ تولي عبد العزيز بوتفليقة السلطة في نيسان/أبريل1999، أصبح تشكيل وتغيير الحكومات مصحوبا بجدل كبير في الكثير من الأحيان، وعادة ما تسبقه إشاعات وفترات من الشك والريبة.
مباشرة بعد دخوله قصر المرادية (الرئاسة) اعتقد الجميع أن بوتفليقة سيسارع لتشكيل أول حكومة في عهده يبدأ بها مشروعه لإصلاح الدولة، الذي وعد به خلال الحملة الانتخابية، خاصة وأن حكومة اسماعيل حمداني التي أوجدها لما اعتلى الحكم، كانت انتقالية عينها الرئيس السابق اليامين زروال لتنظيم تلك الانتخابات الرئاسية، التي قررها مبكرا، لمغادرة الحكم، في إطار استقالة مقنعة، لكن الذي حدث أن بوتفليقة أبقى على حكومة حمداني معلقة، واستمر هذا الوضع من نيسان/ابريل 1999 إلى كانون الأول/ديسمبر، قبل أن يعلن عن تشكيل أول حكومة بقيادة أحمد بن بيتور.
ولادة قيصرية
الغريب أن ولادة حكومة بن بيتور لم تكن سهلة، بل صاحبها جدل كبير، خاصة عندما أعادت «وكالة الأنباء الجزائرية» نشر برقية لوكالة «رويترز» تتحدث عن خلافات بين الرئيس وقادة الجيش بشأن منصب وزير الدفاع، وهي البرقية التي أثارت ضجة كبيرة، قبل أن يخرج الرئيس بوتفليقة بتصريح يقول فيه إنه هو من أمر بنشر البرقية لكشف بعض الجهات التي تعمل على زعزعة الاستقرار، بالتأكيد فإن الكثيرين لم يفهموا مغزى هذا الكلام، لكن الكلام الذي تسرب من الكواليس آنذاك، كان يشير إلى وجود خلاف بشأن منصب وزير الدفاع، لأن الرئيس الجديد أراد أن يعين أحد أصدقائه المقربين، وهو نور الدين يزيد زرهوني على رأس وزارة الدفاع، لكن قادة المؤسسة العسكرية رفضوا هذا الاقتراح، ليعين زرهوني في الأخير على رأس وزارة الداخلية التي قضى على رأسها سنوات طويلة، محاولا تعزيز صلاحيات وتعداد جهاز الشرطة المدني.
لم تكن هذه الحلقة سوى بداية مسلسلات التعديل الحكومي، فبعد أقل من سنة دب خلاف بين رئيس الحكومة أحمد بن بيتور، وبين من كانوا يسمون «وزراء الرئيس» الذين جاء بهم بوتفليقة في حقائبه، وأغلبهم كانوا يشتغلون في مؤسسات مالية دولية، أمثال شكيب خليل، وعبد الحميد تمار، وعبد اللطيف بن أشنهو، هؤلاء كانوا يتصرفون كوزراء فوق العادة، لا يأتمرون من طرف رئيس الحكومة، ولا يقدمون أمامه أي حساب.
ورغم أن بن بيتور حاول أن يفرض سلطته عليهم، إلا أن الأمور لم تستمر طويلا، إذ اشتكى هذا الأخير للرئيس أكثر من مرة، ولما وقع الخلاف بين الرئيس ورئيس حكومته بشأن قانون القرض والنقد الذي أراد بوتفليقة تمريره بأمر رئاسي خلال فترة عطلة البرلمان، كان الخلاف بين بن بيتور ووزراء الرئيس هو السبب الذي أعطي للطلاق بينهما.
الجميع كان يعلم قبل أيام من إعلان القرار بشكل رسمي أن استمرار بن بيتور على رأس الحكومة أضحى مستحيلا، إلا أن القرار تأخر بضعة أيام، قبل أن يعلن عن تكليف علي بن فليس بتشكيل حكومة جديدة، هذه الحكومة عمرت قرابة ثلاث سنوات. لما بدأ بن فليس يطمح في الترشح للرئاسة، بتشجيع من طرف أقطاب النظام، وقع الشقاق بين الرئيس ورئيس حكومته، وظلت الأمور معلقة لأيام، قبل أن يعلن عن تغيير حكومي، وخرج بن فليس أمام الصحافة، مؤكدا أن مسؤولا في الرئاسة ساومه بين التخلي عن فكرة الترشح لانتخابات الرئاسة التي كانت مقررة في نيسان/أبريل2004، وبين الاستمرار في منصبه على رأس الحكومة.
رجل كل المهام
بعد ذلك جاء الدور على محطم كل الأرقام القياسية في تولي رئاسة الحكومة ومغادرتها ثم العودة إليها، ويتعلق الأمر بأحمد أويحيى، الذي يعتبر من القلائل الذين بقوا في الملعب منذ عهد الرئيس زروال، فقد خلف «سي أحمد» كما يسميه المقربون بن فليس على رأس الحكومة، ونظم الانتخابات الرئاسية، و»ضمن» نتائجها لصالح الرئيس بوتفليقة بنسبة فاقت الـ80 في المئة، واعتقد الكثيرون أنه مستمر في منصبه إلى رحيل بوتفليقة عن السلطة، لكن الأمور سرعان ما ساءت سنة 2006، ولأسباب غير معروفة، فتحول أويحيى فجأة إلى «العدو رقم 1»، وأطلق عليه نواب حزب الأغلبية الذين شنوا عليه هجوما غير مسبوق، بل وصلت الأمور إلى حد منعه من تقديم حصيلة حكومته أمام البرلمان، تحت طائلة التهديد بسحب الثقة منه إن أصر على فعل ذلك.
وأدرك الجميع أن أيام أويحيى على رأس الحكومة أضحت معدودة، وتأكد «سي أحمد» نفسه أن لا مجال للمعاندة، ولا معنى لمواجهة خصومه في حزب الأغلبية أو في البرلمان، لأن هؤلاء تلقوا ضوءا أخضر من فوق لإهانته قبل أن يصدر في حقه حكم الإقالة، وظل هذا الأخير ينتظر صدور الحكم عدة أيام في مكتبه بقصر الحكومة، الواقع بشارع الدكتور سعدان.
وكانت الصورة التي ظهر بها الرئيس وهو يستقبل أويحيى ليقدم له استقالته أو ليبلغه بإقالته معبرة عما وصلت إليه العلاقة بين الرجلين، فبوتفليقة كان يشيح بوجهه عن النزيل الذي يستعد لمغادرة قصر الدكتور سعدان. وكان خليفة أويحيى هذه المرة هو عبد العزيز بلخادم. اللافت في هذا التعديل، هو أن بلخادم صرح مباشرة بعد تكليفه بقيادة الحكومة، أنه سيقوم بمشاورات واسعة مع الأحزاب من أجل تشكيل حكومة أقرب إلى حكومة وحدة وطنية، لكن في اليوم نفسه وفي نشرة الثامنة للتلفزيون الحكومي، فوجئ الجميع، وحتى بلخادم نفسه، بالإعلان عن تشكيلة الحكومة.
واستمر بلخادم في منصبه حتى عام 2008، وتقرر في الأخير التخلي عنه، ولم يكن هناك بديل غير طلب خدمات أحمد أويحيى مجددا. الأغرب هذه المرة أن الرئيس بوتفليقة لم يستقبل لا المغادر الجديد ولا الوافد الجديد، وبدا أن الإقالة والتعيين نفذا عن طريق الهاتف، وأغلب الظن أن الرئيس لم يكن هو من اتصل.
وجوه لسياسة واحدة
وفي ايلول/سبتمبر 2012، تقرر إجراء تغيير حكومي جديد، جاء بعبد المالك سلال على رأس الحكومة، هذا الأخير الذي تجاوز كل من خلفوه على رأس الحكومة في إثارة القلاقل والمشاكل، وحتى الأزمات، بدليل مزحته في حق «الشاوية» التي التقطتها كاميرا إحدى القنوات التلفزيونية، أشعلت منطقة الشرق بأكملها، إلى درجة أنه وجد نفسه ممنوعا من دخولها خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلا أن الرئيس تمسك به، وعينه مديرا لحملته الانتخابية، بعد أن أسندت له مهمة الإعلان عن ترشح الرئيس لولاية رابعة، من منصبه كوزير أول متجاوزا كل الأعراف والتقاليد السياسية والقوانين، قبل أن يعفى من تلك المهمة مؤقتا، ليتفرغ للحملة الانتخابية، ثم عاد بعد الانتخابات وزيرا أولا.
الاعتقاد نفسه ساد بأن سلال هو رجل المرحلة بعد انتخابات الولاية الرابعة، وأن وفاءه للرئيس سيضمن له الاستمرار في المنصب لوقت طويل، لكن الأمور ساءت لسبب غير معروف بعد زيارته إلى فرنسا شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، مع أن الكلام عن تعديل حكومي كان قد بدأ قبل ذلك بعدة أسابيع، لكن مع التأكيد على أن سلال باق في منصبه، غير أنه بعد عودته من زيارة باريس التي أفرد لها التلفزيون الحكومي نصف نشرة أخباره الرئيسية، بدأ الكلام يتسرب من الكواليس بأن أيام عبد المالك سلال أضحت معدودة، وأن تعليمات أعطيت لوسائل الإعلام الحكومية بتقزيم خبر زيارته إلى لندن أسبوع تقريبا بعد زيارة باريس، فالتلفزيون الحكومي لم يبث سوى خبر من خمس ثوان تقريبا دون أي صورة لهذه الزيارة.
وعاد الحديث مجددا عن أحمد أويحيى رجل كل المهام وكل المراحل، لخلافة سلال على رأس الحكومة، علما أن أويحيى غادر المشهد السياسي أيضا في كانون الثاني/يناير2013، بعد استقالته من منصبه كأمين عام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، عندما أدرك بأن «العناية الرئاسية» لم تعد تريد رؤيته على رأس حزب السلطة الثاني، سرعان ما طلب منه العودة ليشغل منصب مدير الديوان الرئاسي بالإضافة إلى منصب وزير دولة، وهي سابقة في توزيع المناصب والألقاب، وكان ذلك قبيل الحملة الانتخابية الأخيرة.
لكن الأمور سرعان ما تغيرت مجددا، وعاد الحديث عن تعديل حكومي يبقي على سلال، ولكنه يدفع ببعض الوزراء إلى باب الخروج، ويعيد هيكلة بعض الوزارات بإدماج بعضها في البعض الآخر، في إطار ترشيد النفقات.
صحيح أن الكلام عن التعديل الحكومي هذه المرة اقتصر في البداية على الأخبار الواردة والمسربة من الكواليس، والتي نشرتها الصحافة على شكل سبق صحافي متكرر من نوع «عاجل: تعديل حكومي اليوم» أو «تعديل حكومي قبل نهاية الأسبوع»، لكن الأمور أخذت طابعا أكثر جدية، عندما أعلن عمار سعداني زعيم حزب جبهة التحرير الوطني (الاغلبية) أن التعديل الحكومي سيكون في غضون أيام، وكان هذا في بداية شهر كانون الثاني/يناير الماضي. لكن التعديل طال انتظاره، قبل أن يخرج الوزير الأول عبد المالك سلال قبل أيام عن صمته، ليؤكد أن التعديل الحكومي ليس ضمن أجندة الحكومة.
كلام سلال يناقض ما جاء على لسان سعداني، الذي يقدم على أنه أحد المقربين من الرئيس وشقيقه الأصغر ومستشاره الأكبر السعيد بوتفليقة، وهو ما يوحي بأن الأمور ليست محسومة داخل الفريق الحاكم. وعلى أي حال فإن التجارب السابقة تؤكد أنه لا سعداني ولا سلال يعرفان متى وكيف سيحدث التعديل الحكومي، لأن بوتفليقة عادة ما يختار التوقيت الذي يريده هو، وليس الذي يريده الآخرون.
كمال زايت