فاشية الطغاة لا تكتمل إلا بالسيف والرياضة والفن

إذا رأينا أحدهم ينشد الشعر وتنبلج من بين كلماته عاطفة جيَّاشة تحتضن بؤس الفقراء والمحتاجين، وتذرف الدمع على مآسي المنكوبين، لشهدنا له بلين ورقَّة القلب. وحين نرى آخر يخوض معترك الرياضة؛ مُظهرا البسالة والتفاني، ومقتنصا لميداليات الفوز، لشهدنا بأنه فارس مغوار لن يتردد في نصرة الضعيف، لكن، بالاقتراب من أحدهم وكان عاملا في مجال السياسة، فعندئذِ نكتشف أنه أحد الطغاة، الذين يذيقون شعوبهم، ولربما العالم بأسره، الهوان، وحينها سوف نشهد بأنه شيطان مريد.
وتعجّ سطور التاريخ الإنساني بنماذج عدَّة من طغاة بلغت شرورهم عنان السماء، ولسخرية القدر يجيدون اللعب على أوتار القلوب، سواء باحتراف الشعر أو الرياضة أو كليهما. ومن أشهر طغاة التاريخ الإمبراطور المهووس «نيرون» الذي نصّب نفسه فنانا ورياضيا غير مسبوق. فلم يكن صوته عذبا، لكن استحوذ على المديح لإصراره على إقامة حفلات غنائية يحضرها شعبه قسرا، ولا يغادرونها إلا بعد أن ينهيها؛ علما أنها قد تستمر لأيام، لدرجة أن النساء الحوامل كن يلدن، ولا يسمح لهن أيضا بالخروج. فالمغادرة مبكرا لا تتحقق إلا بوفاة المُستمع.
ولهذا، عمد البعض إلى ادعاء الموت حتى يتمكنوا من الخروج للهرب من صوته الرديء. ومع كل هذا، كان يحظى بجميع جوائز الغناء. وحتى يضمن وجود معجبين، وظَّف خمسة آلاف من الشباب الأقوياء؛ ليندسُّوا وسط العامة، ويصفقوا بحرارة لغنائه. وبلغ عشقه لذاته أنه عند سفره لليونان؛ موئل الموسيقى والشعر والفن والرياضة، كان يُصمم على أن يُتحف العامة بأشعاره وغنائه، واشتراكه في الساحة الرياضية الأوليمبية بالجري وركوب الخيل والمصارعة، وكان الجميع يدَّعون الهزيمة أمامه. أمّا خيل السباق العنيد الذي كان يسقطه من على صهوته؛ لأن نيرون لا يُحسن امتطاءه، كان علاجه هو إيقاف السباق حتى يستعيد الإمبراطور رباطة جأشه ويستكمل السباق بعد وضعه على عربته. وبتكرار المشهد لعدَّة مرات، يعجز الإمبراطور عن استكمال السباق، لكنه ـ مع ذلك – يفوز بالمركز الأول. وحين يعود لروما مرة أخرى، كانت تقام له الأفراح وتذبح له الذبائح. ويذكر أنه خاض 1800 مسابقة، وفاز بـ 1808 إكليل زيتون (وهو يعادل الميدالية في عصرنا هذا). ولم يكن يكتفي بهذا، بل كان يأمر حرَّاسه بإلقاء تماثيل من فازوا بتلك المسابقات من قبل في المزابل والمجارير. ولم تتوقف غيرة نيرون عند البشر، بل كان يغار من الحيوانات جميعا. ومن ثمَّ، كان يذبحها ويرتدي جلودها، ثم ينزل إلى ساحات القتال، ويهجم على العبيد المقيدين بالأصفاد ويعضهم، فيتعإلى له التصفيق، فيزداد انتشاؤه.

يزخر التاريخ القديم والحديث بقوائم طويلة لطغاة سفاكي دماء جعلوا من الأدب والفن هالتهم. ونسجوا من الرياضة الهالة التي تغلِّف شرورهم، وترهب أعداءهم. الغريب أنهم لا ينتحرون مثلما فعل نيرون، أذلك لأنهم طامعون في الخلود؟

وكان طغيان نيرون يطال كل من حوله، بما في ذلك أُمه التي عذَّبها ثم قتلها عندما اعترضت على زواجه من فتاة أحبها، لكنه لم يلبث أن قتل تلك الفتاة بعدما أعجب برجل؛ فأخصاه، ثم تزوَّجه. ولما ضاق معاونوه من فاشيته وطغيانه، بعدما ثارت عليه الدول المجاورة، وكان الشعب على شفير ثورة عارمة، قرر الجيش ألا يحميه، وذلك يعطي الفرصة لأيِ كان لقتله. فحاول اللجوء لمجلس الشيوخ ليُقنعهم بحيلة حتى يكسب مكانته مرة أخرى، وهي أن يسير حافيا وسط العامة، ويغني لهم بصوته الرخيم الذي يأسر قلوبهم، لكن فاجأه أحد الأعضاء بقوله «صوتك رديء»؛ وهي الحقيقة التي لم يسمعها من أحد من قبل. فقرر نيرون الانتحار، وبحث عن أحد يقتله، لكن رفض الجميع، فصاح: «ألا أجد صديقا أو عدوا؟» فقرر قتل نفسه خشية أن يجلد عاريا حتى الموت، وذلك بأن طعن رقبته بخنجرين كانا معه في مشهد مسرحي، وكانت آخر كلماته: «أي فنان عظيم تخسرون بموتي!».
المفارقة، أن «نيرون» كان على إيمان راسخ بأنه ذاك الفنان والرياضي الذي لا مثيل له؛ لقد كذب إلى أن صدّق كذبه.
وليس نيرون وحده الطاغية النرجسي المهووس، فالتاريخ الحديث يعج بنماذج شبيهة وأكثر جدلا. فعلى سبيل المثال، سيرة عيدي أمين رئيس أوغندا، الذي حكمها في سبعينيات القرن الماضي (1971- 1979) بطغيان وفاشية قاسية، تشابه كثيرا مسيرة نيرون الرياضي. فعلى الرغم من كونه يعاني من أمراض صدرية، لكنه كان يروِّج لنفسه بأنه أعظم سبَّاحي الأمة. ولم يكتفِ عند ذاك الحد، بل زعم بأنه أعظم ملاكم في أوغندا، وقام بتنظيم مباراة ملاكمة كبرى عام 1974 يتحدى فيها المدرب الوطني، وصرعه بالضربة القاضية في أول جولة من المباراة. بالطبع فوز زائف.
أما الطاغية والأديب والرياضي الشامل جوزيف ستالين، الذي حكم الاتحاد السوفييتي السابق من 1922 إلى 1953 بالقهر والتعذيب، وزجّ الأبرياء في سجن الجولاج في سيبريا، كان في شبابه شاعرا ينظم قصائد رومانسية رقيقة المشاعر باللغة الجورجية. وجميع قصائده ثورية النزعة، تتحدث عن العدالة، خاصة السياسية، وتذرف الدمع على مآسي البائسين والمحرومين. ولمَّا اعتلى السلطة، كان يهتم بالرياضة بشدّة، لدرجة جعلت الخوف يلازم الرياضيين في المباريات؛ فمغبَّة الخسارة قاسية. فكان ستالين يملي عليهم حتمية الفوز، وإلا كان السجن والتعذيب في انتظارهم؛ لأن التفوُّق الرياضي دليل على شجاعة شعبه، فالرياضة منبر من خلاله يتمكن من توجيه تصريحات قاسية للغرب الديمقراطي. ومنافس ستالين في الفن والرياضة الزعيم النازي أدولف هتلر – طاغية ألمانيا من 1933 وحتى موته عام 1945- الذي ابتغى في مقتبل عمره أن يصير رساما مشهورا. ولما فشل في تحقيق حلمه، التحق بالجيش وكان الأكثر دموية. ومع اعتلائه السلطة، حرص أيضا على تعزيز التفوُّق الرياضي الألماني، بل حرص على استضافة دورة 1936 للألعاب الأولمبية لترسيخ أركان حكمه، ولإثبات تفوُّق الجنس الآري على باقي شعوب العالم.
ويقف على قدم المساواة معهما رئيس جهاز المخابرات الروسي يوري أندروبوف الذي لم يتوقف عن نظم قصائد رومانسية وكتابة الروايات، في الوقت نفسه الذي يضطلع فيه بأبشع عمليات التعذيب؛ فقد كان عقله الماكر قادرا على الفصل ما بين الأدب والطغيان. ولما تهكَّم على ازدواجيته أحد الشعراء، كان ردّ أندروبوف قصيدة جمّدت الدم في أوصال الشاعر. وتفوَّق على الجميع أبو مصعب الزرقاوي ببساطة أدائه، الذي حيَّر العالم بذرفه الدموع قبل تنفيذ حكم الإعدام في ضحاياه؛ دموعه هي لفنان وممثل يحاكي نيرون في مشهد انتحاره.
يزخر التاريخ القديم والحديث بقوائم طويلة لطغاة سفاكي دماء جعلوا من الأدب والفن هالتهم. ونسجوا من الرياضة الهالة التي تغلِّف شرورهم، وترهب أعداءهم. الغريب أنهم لا ينتحرون مثلما فعل نيرون، أذلك لأنهم طامعون في الخلود؟

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية