لم يكن شامانا أصلياً، أو ربما كان نسخةً باهتةً لـ(ثعلب أبيض) كما سمَّتْهٌ الممثلة بوليت غودارد (مُلهِمة شابلن) أو حتى ابناً غير شرعي لتاريخ نؤمن في بعض تفاصيله أنه كان شرعياً. اسمه الفني نسخة عن اسمه الأصلي الذي أسقط من ألف تفريق الفقرعن سلطة المال والشهرة.
في أول يوم في المدرسة الابتدائية أخذه أخوه الأكبر بول وارهولا إلى المدرسة، فعاد باكياً مرتجفاً بعدما صفعتْهُ زميلته في الصف، الأمر الذي أدى إلى إصابته بمرض نفسي لازَمَ خلاله الفِراش حتى سن الثامنة. خلال تلك الفترة اشترت له أمه علبة ألوان وصار يلوِّن صناديق الكرتون، بينما كان يتصفح أعداداً قديمة من مجلات المشاهير.
يعود بعدها إلى المدرسة وينهي تعليمه بعد ثلاثة عشر عاما دراسيا، ليقرر مغادرة بيتسبرغ المدينة العمالية (غيتو الفولاذ) للعيش في نيويورك. وصل وارهول إلى المدينة العملاقة، بعدما قرأ عنواناً في إحدى المجلات: «النجاح: هو الحصول على وظيفة في نيويورك» لم يكن في جيبه سوى مئتي دولار وهو مبلغ لا يكفي لتناول وجبتين جيدتين في المدينة الكبيرة. تردَّدَ بعدها بشكل يومي على (سيرينديبيتي) مقهى المشاهير في نيويورك، الذي حجزَتْ فيه مارلين مونرو طاولةً وغرفةً دائمة. هناك أقام أول معرض كرسام وباع لوحة واحدة فقط، وبسعر خمسة وعشرين دولاراً، تقاسمها مناصفةً مع صاحب المقهى الشهير.
في أعماله الفنية التالية، التي عبَّرت عنها تصاميم فريدة بَصمَتْ عليها مخيلة آندي القادم من البلاد الباردة إلى بلاد العم سام، قال وارهول كل شيء، لأنه كان موجوداً في الكثير من الأمكنة: على أغطية الوسائد، في التلفزيون، قسم الشرطة، المستشفى، أغلفة الصحف، بل في الروايات البسيطة والروايات الغامضة، على علبة الكوكا كولا، لوحة مفاتيح البيوت، في الألبسة الداخلية وعلى العلب المعدنية لِحساء كامبل، ولأن حساء كامبل كان بنكهات، فقد رسم وجه مارلين مونرو أيضاً بألوان مليئة بالبهجة، فمرةً كان الوجه وردياً وجفنا العينين ملونين بالأزرق بينما لوَّن الشفتين بلون الكرز الغامق، وبنُسَخ أخرى لَوَّنَ شعرها بالأخضر العشبي المتداخل بتدرُّجات الأصفر الجميل، وأخرى بالأزرق السماوي المتداخل مع الأبيض الثلجي، وغيرها كثير فقد طبع أكثر من عشرين نسخة لصورتها المُغوية بألوان جميلة متدرِّجة وصولاً إلى الأبيض والأسود (النسخة التي طبعها بعد وفاتها تعبيراً عن رحيلها).
ذلك الأسلوب هو ذاته الذي اتبعه وارهول في طباعة صور مُلَوَّنة للزعيم الصيني ماو تسي تونغ ولينين وجاكلين كينيدي وجوزيف بويس ومايكل جاكسون، والكثير الكثير من المشاهير والشخصيات العامة.
كان يريد ان يسرق النار من معبد الشهرة ويعكسها في فنه كيلا تذهب بلا رجعة، وهكذا أسر اللحظة الحقيقية الهاربة، بلوحة يحبها الجميع.
وارهول تجريدي لواقع استهلاكي ينسخ نفسه، يستخدم القص واللصق فينتج من ثقافة (البوب) النُسخَ التي نمارسها في حياتنا اليومية، فهو لا يريد أن يبدع بل يريد تقليد كل شيء: ربطات العنق، البيجاما، الماركات التجارية المشهورة في الألبسة، الأطعمة، السيارات، الدراجات الهوائية، النظارات الشمسية، الشَعر المستعار، العطور، طراز الأبنية، الأدوات الكهربائية، الحفلات، الملاكمين المشهورين، الشخصيات المشهورة في السياسة، الاقتصاد، الفن، الثقافة إلخ.. اعتبره النقاد شخصاً استطاع أن يصور بعمق الناظم الاستهلاكي في هذا العالم، ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية وانتهاء بجزيرتي سان كيتس ونيفيس شرق الكاريبي. الشخص المختلف الذي باحت أعماله بحقيقة بشرية لا تتوانى عن تقديم نُسخها بشكل محموم بعدوى وبائية استهلاكية لا حدود لها.

في العدد الصادر بتاريخ 15/03/2022، كتب الصحافي رونو ماشار في (لوموند):
«تُقدم نتفليكس ما يقرب من سبع ساعات في ست حلقات، يوميات آندي وارهول، بقلم أندرو روسي – المدير اللامع لصحيفة «نيويورك تايمز». تأخذ هذه السلسلة الوثائقية خيطاً مشتركاً في مذكرات آندي وارهول، وهو كتاب صدر بعد وفاته ونُشرت نسخته الأصلية، التي كتبها بات هاكيت، في عام 1989 ومن ثم تُرجمت إلى الفرنسية عام 1990.
هاكيت، الذي رافق وارهول ككاتب ابتداء من عام 1968، وأصبح صديقاً مُقَرَّباً له منذ عام 1976، دوَّن ملاحظاته كل صباح بما كان يخبره عن أمسيته في الليلة السابقة. في نتفليكس تظهر بشكل لافت دقة الإنتاج والتحرير والموسيقى التصويرية، بالإضافة إلى ثراء الصور، التي تشهد على أن يوميات آندي وارهول التي أنتجها رايان مورفي، استفادت من ميزانية كبيرة. وهو ما يُعتبَر ميزة خاصة أُخرى، هذه الميزة هي صوت وارهول، الذي أعيد بناؤه بواسطة أداة ذكاء اصطناعي، عندما يقرأ مقتطفات من اليوميات. وأولئك المهتمون بعمل الرجل في الباروكات الفضية، سيجدون طعاماً للفكر والنقاش. العلاقة مع جان ميشيل باسكيا، الذي أخذه وارهول تحت جناحه، تم فحصها بعمق: فقد كانت لوحاتهما مرسومةً بأربع أياد في عام 1958 يضيف الصحافي الفرنسي: «تتمثل القوة العظيمة لـ(يوميات آندي وارهول) في التحقيق، قدر الإمكان، في العلاقة السرية والمتناقضة لشخصية وصلت الوسائط فائقة السرعة (الإعلانات، البرامج، المسلسلات التلفزيونية، إلخ) بالإضافة إلى المتكلمين العديدين بصياغات مختلفة، وهكذا، فإن علاقته مع شابين شاركا حياته (جيد جونسون، ثم جون غولد) يتم تحليلها وتوضيحها وإعادة تقديمها.
الحلقة الأخيرة تأخذ نغمةَ رثاء مميتةً: استراحة ودّية وفنية مع باسكيا صديق بداياته في الشهرة (الذي سوف ينفجر بجرعة زائدة من الهيروين في عام 1988)؛ وفاة جون غولد عام 1986(وكثيرين آخرين).. اختفاء جيد جونسون في حادث تحطم طائرة TWA Flight 800 في تموز/يوليو 1996. وبالطبع وفاة وارهول عن عمر يناهز ثمانية وخمسين عاماً. خاتمة مؤثرة لرحلة واسعة تُعمِّق وتُجَدِّد الموضوع الوارهولي».
يعتَبَرُ آندي وارهول حتى اليوم نسخةً كاملة منّا بحالتنا الجمعية، فقد طلب منا الاستماع إلى درس ما بعد الحرب العالمية الثانية، بكل ما فيه من مفاهيم استهلاكية. المثال الأوضح على ذلك يظهر بعمله المميز والمثير للجدل والأكثر شهرةً والأقرب إليه (عُلَب حساء كامبل) حيث علبة حساء الطماطم، التي تناولها أثناء طفولته المبكرة في (مدينة الفولاذ) وقدَّمَتْها أمه للعائلة ساخنةً مع الخبز بشكل شبه يومي.. عرض لوحته لمجموعة من علب كامبل الفارغة والمتطابقة بالشكل والمختلفة بالنكهة، ثم قدم بعدها ذات العلب بمنظور آخر بانزياحات مختلفة اللون والشكل، ودون حتى إظهار اسم الماركة التجارية الأمريكية الشهيرة بشكل واضح لتناول وجبات رخيصة، فقط بـ15 سنتاً (سعر عبوة واحدة من الحساء الشعبي). هذا الطابع السهل والممل، عكسَ عقدة المال التي عانت منه عائلته سنين طويلة.

إلا أن شهرة وارهول أتت من تغطيته للأحداث المهمة في الستينيات، وأهمها اغتيال جون كينيدي ووصول الإنسان إلى القمر والتطورات السريعة في التكنولوجيا، وهو ما انعكس أيضاً على إعادة بلورة مفاهيم جديدة في الفن والأدب، وكسْر الحواجز بين اللوحة الفنية والصورة الفوتوغرافية، وتوظيف الموسيقى في المشهد. لقد انتقل من اللوحة الفنية إلى الحياة الفعلية والقيم الاستهلاكية، حيث وقف على برجها العاجي لأنها ببساطة حقيقة أمريكا.
زار وارهول، المصمم المشهور لكثير من العلامات التجارية في أمريكا، كثيراً من البلدان والعواصم العالمية، ليبحث عن نُسخ مبتكرة لأعماله الكثيرة بما فيها الكويت، التي زارها في الفترة ما بين السبت 15 كانون الثاني/يناير 1977 والخميس 20 يناير حيث غادرها متوجهاً إلى روما. المثير للفضول، أن وارهول كان يحسب كل سنت يدفعه ويوثقه في يومياته، وهو ما فعله مثلا أثناء زيارته للكويت (حسبما ورد في كتاب يوميات آندي وارهول للكاتب الأمريكي بات هاكي).
السؤال الأخير الذي يتبادر إلى الذهن هنا: هل كان وارهول بحاجة لتوثيق مبالغ صغيرة في يومياته (بعدما أنجز أعمالاً كثيرة جنت ثروةً قُدِّرتْ بمجملها بستمئة مليون دولار؟) أم أنه كان يصنع بهذه الطريقة أيضاً نسخةً مصغَّرةً عن الأغنياء الذين يهتمون بتفاصيل صغيرة في مصاريفهم؟ الجواب كان بتوقيعه على العملة الورقية ذات الدولارين!
كاتب سوري