بيروت – «القدس العربي»: يتواصل عرض مسرحية «مفروكة» على خشبة مسرح مونو منذ افتتاحها في العاشر من الشهر الجاري. والجمهور اللبناني يُظهر بعد التحرر من إجراءات كورونا حماسة للمسرح.
ويبدو أنه منجذب لمشاهدة الموضوعات التي تمسّ حياته مباشرة كما «مفروكة» وغيرها من العروض السابقة التي لاقت اقبالاً.
والملاحظ غلبة النساء على الرجال في ارتياد المسرح. «مفروكة» مسرحية سوسيولوجية كوميدية تتناول حياة النساء المطلقات في لبنان، والتجاذبات المؤلمة التي يعشنها على أكثر من جبهة. ومنها بشكل خاص مسألة الأولاد الذين يلدون كثمرة للزواج السعيد، الذي يتحول مع الأيام إلى عِشرة لا تطاق. على الخشبة ممثلات ثلاث هنّ مروى خليل، ووفاء حلاوي وسيرينا الشامي، في ديكور يقدِّمهن وكأنهنّ جارات، لكنهنّ موحدات الملابس، دلالة على وحدة الحال. معهنّ تنطلق سيرة المُطلّقة والحياة التي تواجهها منفردة، وجميعها مسارات لا تمتُ بصلة لقاموس الإنسانية، والأخلاق، والحضارة والأمومة. تحاول المطلقات الثلاث جاهدات التخفف من توترهن، لكنه يبقى سعياً منشوداً لا يتحقق.
فهنّ تشعرن بأنهن محاصرات بعيون محدّقة بهن من كل حدب وصوب. هذا الترصّد الشرقي المُنْهِك للمرأة المطلّقة جسّدة عرض «مفروكة» بالحوار من بعيد مع الجارة غير المرئية. وبالحوار مع ناطور المبنى غير المرئي أيضاً، والذي لا ينفك عن ترصدّ إحداهنّ، وصولاً لعرض خدماته الجنسية.
كما أن الجارة لا تتوانى عن الغمز واللمز في محاولة لتجريد المطلّقة من الأخلاقيات، وتجريمها عندما يحاول أحدهم التودد لها، فهي المسؤولة «إنت عطيتي وج». بقالب كوميدي ساخر يتواصل عرض «مفروكة» يعرّج على التفاصيل المؤلمة، ولا يغيب عن النوستالجيا. تعصره المرارة عندما يقترب من الأطفال. نموذج مختار بعناية لتجسيد تلك الحالة القمعية للنفس. عيد ميلاد احد الأبناء، والأم مدعوة لتكون إلى جانب طفلها، وخطيبة طليقها وحماتها وطليقها حتماً. وتبقى الصورة التذكارية هي المعضلة. أين تقف الأم ـ المطلّقة؟ وهل يحق لها الظهور في هذا الكادر العائلي. هل هي محسوبة عليه أم مطرودة منه؟ صادق تعبير «عصفورية التّرِك» الذي ورد في النص المسرحي. خاصة عندما يدخل إلى المحاكم الدينية، التي لها وحدها دور الفصل في الخلافات الزوجية والطلاق والحضانة.
مضحكة ومؤلمة اسئلة رجال الدين للزوجات. كيف لرجل دين أن يفتي بصلاحية أم لتربية أطفالها؟ وكيف لدين أو مذهب أن يحرم الأم من ابنها في عمر السنتين، وابنتها في عمر الخمس سنوات؟ هذه المقاربة للطوائف وعلاقتها بحقوق الأطفال والأمهات بعد الطلاق لامست في لحظات جانب المطالعة المباشرة، ذكرتنا بالامهات اللواتي يكررن اعتصاماتهن أمام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى طلباً لحضانة اطفالهن أو لمشاهدتهم. في «مفروكة» صار تعريف المطلقة «الشتلة».
المطلقات الثلاث لم يكابرن على جراحهن. اعترفنّ بها جميعها، وكأن الطلاق وصمة عار تتلبسهنّ طوال العمر. بخلاف حال المطلق، فما من أحد يشعر بأزمته.. إن كانت لديه أزمة. «مفروكة» وجهة نظر ثلاثية الأبعاد للحياة الزوجية والطلاق. لكنها ابعاد مقتصرة على طرف واحد خاصة في مقاربة اشكالية الفشل في الزواج ومن يتحمّل المسؤولية. نص سردي، والمتلقي هي الجارة المتخلية. إنها رسالة عن الحياة الزوجية وصلت بأسلوب فكاهي ضاحك أحياناً. ومهما حاولت المطلّقات الثلاث أن يكّن «كول وسوبرومنز» لكنهن بدَيْن مختزنات لكمٍّ من التوتر الداخلي عالي الوتيرة. حضر الجانب النفسي في «مفروكة» وفيه كانت المُطلّقة مفروكة حقيقة. لم تستسلم، وظلت في سعي لترميم التصدعات النفسية، التي لحقت بها بعد التفكك العائلي الذي أصابها. وبالتالي إيجاد سبل الصمود في ظل نظام طائفي وذكوري بامتياز. وحيث قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث محكومة ب15 محكمة روحية مختلفة، في بلد الإشعاع والنور لبنان. «مفروكة» من انتاج وتأليف وفاء حلاوي ومروى خليل، اخراج وسينوغرافيا رياض شيرازي. تمثيل مروى خليل، ووفاء حلاوي وسيرينا شامي. يُذكر أن مروى خليل ووفاء حلاوي قدمتا قبل خمس سنوات مسرحية «زنود الست» وفيها الحلم الجميل الذي تحقق بالرباط الزوجي. لكنهما أختارتا في التجربة المسرحية الثانية الخاصة بهما عنوان «مفروكة»، ولا ندري إن كانتا بصدد ثلاثية مسرحية عن المرأة والحياة الزوجية ربما تكون على سبيل المثال بعنوان «عيش السرايا».
والعناوين الثلاثة تحملها حلوى عربية طيبة ولذيذة بما فيها «المفروكة»، التي نزّت مسرحياً ألماً داخلياً بدل السكر المُذاب، اللذيذ والمؤذي معاً.