كيف ستنتهي حرب السيطرة على الإعلام في تونس؟

نزار بولحية
حجم الخط
1

في كانون الأول/ديسمبر الماضي لفت الرئيس التونسي الأنظار حين عقد مع رئيس السلطة الفلسطينية في قصر قرطاج ما سمي لاحقا بالمؤتمر الصحافي، وذلك من دون حضور أي صحافي. وعلق كثيرون حينها على ذلك المشهد قائلين إن قيس سعيد لا يفضل سوى «المونولوج» ولا يطيق الأخذ والرد مع الصحافيين. وبالفعل فباستثناء لقاء واحد أجراه معه التلفزيون الرسمي بعد مئة يوم من انتخابه لم يتمكن الإعلاميون التونسيون من إجراء أي مقابلات أو حوارات مع سعيد. كما انه لم يعين أسوة بما فعله أسلافه أي ناطق رسمي باسم الرئاسة يكون همزة الوصل بين القصر والصحافيين. ومع كل ذلك فقد ظل يلقي دائما بالكرة في المرمى الآخر وهو لا يبدو راضيا أو سعيدا عن أداء الإعلام في بلاده. وفي أحدث ظهور له قبل ثلاثة أيام حين زار الأربعاء الماضي حضيرة أشغال لقنوات نقل مياه الشرب إلى ضواحي العاصمة التونسية بعد أيام قليلة من حدوث انقطاع في شبكة المياه في بعض المناطق، لم يتورع عن القول بأن «المواطنون واعون بقطع الماء عكس ما تروج له وسائل الإعلام» قبل ان يضيف بعدها بأن «هناك في بعض الأحيان فرحة في صفوف المواطنين بخصوص قطع الماء لأنهم يعلمون ان الأمر يتعلق بمصلحتهم». لكن مثل ذلك الاتهام المباشر للإعلام بالمغالطة وبقلب الحقائق لم يكن حدثا معزولا ولم يكن متعلقا بظرف أو بمسألة بعينها. فلطالما تعددت فصول قصة الرئيس مع الإعلام وتنوعت. ولربما تسائل البعض بعد الاتهام الأخير الذي تزامن مع تزايد الاحتجاجات من جانب الصحافيين عما كان على الإعلام ان يفعله بالضبط حتى يتجنب انتقاد الرئيس وأحيانا غضبه وسخطه؟ فهل كان عليه ان يدعو المواطنين مثلا لمزيد من الصبر والسلوان على انقطاع مياه الشرب عنهم لمدة جاوزت الثلاثة أيام؟ أم انه كان عليه ان يشرح لهم ما وصفها سعيد بـ«المصلحة العليا» التي اقتضت من السلطات ان تقدم على أخذ مثل ذلك القرار؟
لن يصعب على أي متابع ان يلاحظ ان الإعلام كان وفي كل الإشكالات والصعوبات التي واجهها النظام بعد الخامس والعشرين من تموز/يوليو الماضي تاريخ إعلان الرئيس التونسي عن تدابيره الاستثنائية التي عدت في نظر معارضيه انقلابا واضحا وصريحا على الدستور، واحدا من المتهمين الأساسيين بعرقلة المشروع الرئاسي ووضع العصي في دواليب ما وصفها من بات يطلق عليه خصومه الحاكم بأمره، وفي أكثر من مناسبة بالمرحلة التاريخية الجديدة التي دخلتها تونس. ولعل كثيرين يذكرون جيدا كيف علق سعيد خلال واحدة من لقاءاته مطلع هذا العام بنجلاء بودن في مكتبه بقصر قرطاج على أداء بعض وسائل الإعلام حين قال عنها انها تتعمد في نشراتها الإخبارية تشويه الحقائق، مضيفا في ذلك الصدد انهم الإعلاميون والصحافيون العاملون في تلك الوسائل يتحدثون عن بعض المسائل التافهة ثم بعد ذلك يتحدثون عن جملة من القضايا الأساسية والجوهرية وانهم «يعتبرون الحرية في تونس عملية ثلب وشتم وقذف عن طريق وسائل الإعلام» وان «هؤلاء تقف ورائهم لوبيات مالية» ثم كيف تحدث بسلبية عن تناول الإعلام المحلي للإستشارة الإلكترونية التي أطلقها قائلا: «كل يوم يضعون على أعمدة الصحف الإستفتاء الإلكتروني بين معقفين لو وضعوا أنفسهم بين المعقفين لكان أفضل» وكيف تابع بأن «هؤلاء ينطبق عليهم قول مظفر النواب يكذب يكذب يكذب كنشرة الأخبار».

أهل المهنة

لقد كان الرئيس التونسي واضحا ومنسجما مع مواقفه وأفكاره ومع ما ظل يردده باستمرار. فهو يرى ان الإعلام التونسي لم يفهم الحرية بالشكل المطلوب ولم يكن للقائمين عليه وللعاملين فيه الوعي الكافي بما تفرضه عليهم تلك الحرية من واجبات والتزامات إذ في الوقت الذي ظن فيه هؤلاء انهم قد تخلصوا من كل القيود والمكبلات وباتوا أحرارا فانهم رهنوا أنفسهم في الواقع لما وصفها باللوبيات المالية بل وباتوا خاضعين لسيطرة ما قال عنه في إحدى المرات بـ«النظام الخفي الذي لا يزال يحكم تونس». لكن مالذي كان على الرئيس ان يفعله في تلك الحالة وهو الذي كرر في أكثر من مناسبة ان الشعب يريد تطهير البلاد أي تنظيف كل القطاعات والسلطات والمؤسسات وبلا استثناء مما استشرى فيها من فساد. فهل كان ممكنا بالفعل ان يحصل شيء من ذلك فيما يبقى الإعلام على حاله؟ وكيف كان مفترضا ان تتم العملية؟ ثم هل ان التدخل الرئاسي المباشر من خلال الإشراف مثلا على المؤسسات الإعلامية العمومية أو الرسمية كان هو الحل؟ ان هناك طرفا آخر في المعادلة وهو أهل المهنة. وهؤلاء لا ينكرون أو ينفون وجود المشكل بل وربما يتفقون حتى في تشخيصه مع الرئيس لكنهم يختلفون معه في شيء واحد وهو تحديد الجهة التي ستتولى عملية استئصال الأمراض والعلل التي أصابت الإعلام وتشرف على علاجه منها. انهم يرون انهم وحدهم من ينبغي ان تناط بهم تلك المهمة وانهم هم من سيقومون بالإصلاحات الجذرية والعميقة لقطاعهم وان أي محاولة قد تقدم عليها السلطات تحت ذلك العنوان لن تهدف إلا إلى وضع اليد على الإعلام سعيا لتركيعه وتطويعه وتحويله إلى بوق دعاية بيد النظام. ولاشك ان نقيب الصحافيين كان يعلم جيدا وهو يصرح بأنه يرفض تلك المحاولات واعدا بعدم السكوت عليها ان المرجل يغلي بشدة وان الإعلاميين والصحافيين ليسوا سعداء أو راضين بدورهم على الإطلاق مثلهم مثل الرئيس عن حال الإعلام لكنهم يبدون غاضبين ومتوجسين من عدم استجابة السلطات لما يرونها مطالب إصلاحية عاجلة لا تحتمل المماطلة والتسويف.
وفي أقوى مظهر من مظاهر الاحتجاج على ما باتوا يعتبرونه تعديا على حق التعبير الذي حصلوا عليه منذ سنوات قليلة يدخل العاملون في قطاع الإعلام العمومي السبت المقبل في «اضراب عام حضوري بيوم واحد» بحسب ما أعلنته الأربعاء الماضي نقابة الصحافيين التونسيين لمطالبة السلطات بالاستجابة لمجموعة من المطالب تخص بالأساس مسألة التعيينات في مؤسسات الإعلام العمومي والتدخل في الخط التحريري لتلك المؤسسات وضمان الحق النقابي فيها. غير ان خطوات أخرى سبقت ذلك. فقد حمل العاملون في الإذاعة الرسمية الاثنين الماضي الشارة الحمراء للاحتجاج على ما وصفه بيان سابق للنقابة بـ«سياسة اللامبالاة التي تنتهجها الحكومة في تعاملها مع ملف الإذاعة التونسية» وتجاهلها لجملة من المطالب السابقة وعلى رأسها تعيين رئيس مدير عام لها والقيام بتدقيق إداري ومالي لها. فيما سبق للعاملين بقسم الأخبار بالتلفزيون الرسمي ان حملوا بدورهم الشارة الحمراء في الثامن من الشهر الماضي «بسبب تعطل التفاوض وغياب رؤية أو مشروع إصلاحي جدي خصوصا بقسم الأخبار» حسب ما أعلن في ذلك الوقت، ونظموا بعدها بأيام قليلة وقفة أمام مبنى التلفزيون للاحتجاج على «ما تقوم به المكلفة بتسيير المؤسسة من انحراف بالخط التحريري وضرب للحق النقابي وهرسلة للصحافيين والمصورين الصحافيين لترهيبهم ومنعهم من المطالبة بحقوقهم وإقصاء ممنهج لكل الأصوات المخالفة لتوجه المكلفة بالتسيير» وفقا لما جاء أيضا في أحد بيانات النقابة. ولم يكن من قبيل الصدفة ان تتوالى مظاهر الاحتجاج وتتعدد في ظرف زمني وجيز. إذ بات ثابتا ان العلاقة بين الهياكل المهنية الممثلة للإعلاميين والصحافيين في المؤسسات العمومية مثل الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الرسمية وبين السلطات ليست في هذه الفترة بالذات في أفضل حالتها. وما جعلها تبدو على ذلك النحو هو جملة من التراكمات التي بدأت قبل الخامس والعشرين من تموز/يوليو الماضي تاريخ إعلان الرئيس قيس سعيد عن تدابيره الاستثنائية ثم استمرت في المرحلة التي تلته.

مظاهر الخلل

ولم تكن مظاهر الخلل في الإعلام العمومي في تونس أمرا حديثا أو طارئا بقدرما كانت مشكلا بنيويا ضاربا في جذور عميقة. كما ان الإعلام الخاص الذي انتعش بعد سقوط نظام بن علي لم يشكل نموذجا مشرقا لإعلام مفتوح ومتعدد وحر يعكس تنوع الساحة الفكرية والسياسية في تونس، بل سقط غالبا في فخ التجاذبات السياسية ووقع تحت نفوذ قوى رأس المال. لكن الحسم في الاتجاه الذي ستمضي فيه معركة السيطرة على الإعلام العمومي وحتى الخاص يبدو صعبا. ففيما يملك الرئيس سعيد سلاحين مهمين قد يخدمانه ويجعلان الكفة تميل لصالح مشاريعه ورؤاه للصورة التي سيكون عليها ذلك الإعلام وهما ضعف حماسة التونسيين للوقوف مع الصحافيين والإعلاميين في صورة حشد هؤلاء أو دعوتهم لاحتجاجات أقوى وأكبر للتصدي لأي محاولة للهيمنة على القطاع ثم تشتت الساحة الإعلامية وصعوبة تحقيق إجماع كامل بين المشتغلين فيه والمشرفين عليه على برنامج أو خطة تسمح بمواجهة تلك المحاولات، لا تبدو إعادة عقارب الساعة بالشكل الذي حصل في تموز/يوليو الماضي في التلفزيون الرسمي حين تحول إلى جهاز للبث في اتجاه واحد وهو قصر قرطاج سهلة، بعد الهامش الكبير من الحرية الذي اتيح للصحافيين في العشرية الأخيرة رغم كل ما قيل وما زال يقال عن سوءات تلك الفترة ونقائصها. ومع ان قيس سعيد لا يزال يردد بأن لا مشكل له على الإطلاق مع الصحافة وانه لن يستهدف الحريات بأي حال من الأحوال مشيرا بشكل ضمني أو صريح إلى انه لا يحارب سوى فساد الطبقة السياسية والاقتصادية والإعلامية في بلاده، إلا ان اجماع كل التقارير التي أصدرتها نقابة الصحافيين والهيئة العليا للإعلام السمعي البصري على ان وسائل الإعلام العمومية قد ابتعدت منذ تموز/يوليو الماضي عن «التوازن» في تغطيتها للمستجدات السياسية في تونس يطرح أكثر من سؤال عن طبيعة نوايا الرئيس وعن قدرة الصحافيين والإعلاميين التونسيين على الحفاظ على استقلاليتهم في الوقت الذي ينخر فيه الفساد والمحسوبية جزءا كبيرا من مؤسساتهم ويعطي لأصحاب رؤوس الأموال فيها السلطة والنفوذ على خطها التحريري. ان المؤكد هو ان المعركة لن تكون سهلة ولن تحسم أيضا لا في هذا الاتجاه أو ذاك بشكل سريع وخاطف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية