يحيلنا فيلم «يد الله» إنتاج إيطالي 2021 للمخرج باولو سورنتينو إلى أفلام السيرة الذاتية التي كانت حاضرة منذ بدايات الفن السينمائي في مطلع القرن العشرين، وفي هذا الشريط يتواصل سورنتينو مع حيز زمني محدود جدا من ماضيه الشخصي في مدينته نابولي، لا يتجاوز بضعة أشهر قبل ان يغادرها إلى روما، وفي حينه لم يكن يتجاوز السادسة عشرة من عمره وقد استعار لشخصيته في الفيلم اسم فابيتو.
عزف المخرج سورنتينو على وتر شفاف من العشق إزاء مدينة نابولي ويُستَشف ذلك في خلفية عديد اللقطات التي دوَّن فيها علائق جمالية تتسم بالغرابة والدهشة رغم انها لا تستغرق سوى ثوان معدودة على الشاشة، وكأنَّه يطالبنا ان نكون يقظين، ولكن من غير ان يوجِّهنا بشكل مباشر لاكتشاف ما تختزنه طبيعة مدينته من مفردات متنافرة لكنها تتجاور إلى بعضها البعض، لتبدو مثل صور منزاحة عن نص شعري مؤثث بدلالات مفتوحة. فما بين الهدوء الذي تفيض به ضفافها وبيوتها المطلة على البحر تترأى أمامنا في خلفية بعض اللقطات حمم بركانية وهي تندفع من باطن أحد الجبال، لنكون أمام لوحة غريبة ومدهشة تعكس في غرابتها مزاج الشخوص الذين يتم سرد حكاياتهم بشغف واضح.
بانتظار مارادونا
رغم أن جانبا من سيرة المخرج الذاتية كانت نقطة ارتكازه في صياغة المتن الحكائي، إلاّ انه رسم خطوطا ثانوية نثرها على مسار الفيلم، كشف من خلالها عن مجموعة شخصيات تنتمي إلى محيطه العائلي وإلى المناخ العام الذي كانت تعيشه نابولي خلال منتصف ثمانينات القرن الماضي، بعد ان شاعت في الصحافة الإيطالية أخبار تشير إلى ان هناك محاولات حثيثة لإجراء صفقة بموجبها يستغني نادي برشلونة عن اللاعب مارادونا مقابل مبلغ مالي ضخم لينضم إلى صفوف فريق نابولي. وهنا يرصد الفيلم الأحاسيس المتوهجة لجميع الشخصيات بفعل ما تشحنه كرة القدم من انفعالات وآمال، وهي تتطلع إلى اللحظة التي يتم فيها عقد الصفقة ليجدوا مارادونا وهو يلعب لفريق مدينتهم.
ولتعميق الإحساس بما كان يعلق عليه سكان نابولي من رجاء بهذه الصفقة، يقدم لنا الفيلم في واحد من مشاهده جميع أفراد عائلة المخرج (الأب والأم والأولاد والجدة والخالة وزوجها والأعمام) وهم يجتمعون أمام شاشة التلفزيون داخل البيت لمتابعة أحداث مباراة كرة القدم تجري بين فريق الأرجنتين الذي يقوده مارادونا والفريق الإنكليزي، فإذا بالمخرج يضعنا أمام مشهد معبأ بفرح طاغ يسري تياره إلى خارج البيت لترصد الكاميرا بعض سكان نابولي وهم يرقصون في الشرفات وآخرون يرفعون الأعلام في الشوارع، بعد ان سجل مارادونا بيده اليسرى هدفه الشهير قبل ان يسجل هدفه الثاني الذي أطاح بالفريق الإنكليزي، حينها يصرخ العم الشيوعي العجوز: «انه ينتقم لشعب الأرجنتين العظيم، المقموع من قبل الامبرياليين الحقراء في جزر مالفيناس. انه عبقري، انه عمل سياسي، ثورة» ثم يلتفت إلى الشاب فابيتو ويخاطبه بحماس «لقد أهانهم، هل تفهم، لقد أهانهم».
رصد العواطف
نجح الفيلم في ان يلامس أعماق شخصياته رغم تعددها وتنوعها من دون ان يكون مشغولا بكتابة التاريخ، مثلما اعتدنا ان نجد ذلك في مثل هذه الأفلام، وكانت الكاميرا ترصد من وجهة نظر فابيتو كيف تتأجج العواطف وتتماسك الأيادي مع ظهور مارادونا في الملعب، وما يتعالى في داخلهم من شعور بالفخر إزاء مدينتهم الفقيرة مقارنة بالمدن الإيطالية الشمالية، حيث يجد سكان تلك المدن أنفسهم في مرتبة اجتماعية أعلى من أهالي نابولي الجنوبيين لأنهم أقرب إلى الحدود الألمانية وهذا ما يشعرهم بأن الدماء الجرمانية تجري في عروقهم.
استند السيناريو في صياغة الحبكة على حدث مجيء مارادونا إلى نابولي، ومن خلاله نسج بنية درامية محورها سيرته الذاتية أيام كان شابا مراهقا، وإلى جانبه رسم مجموعة شخصيات وثيقة الصلة به.
بدت شخصية فابيتو ضائعة ومتأرجحة بين رغبات مختلفة، فمن ناحية كان ينوي دراسة الفلسفة لكنه أبدى جهله بها عندما تسأله والدته عنها، ومن ناحية أخرى بدا مهتما بدراسة السينما بعد ان جاء فريق عمل سينمائي لواحد من المخرجين الإيطاليين المشهورين إلى نابولي لإنجاز فيلم تدور أحداثه فيها، كما ان حياته العاطفية لم تكن على الصورة التي كانت عليها حياة بقية الشباب، إذ كان خجولا ومفتقرا إلى القدرة على إقامة علاقة مع أي فتاة على العكس من شقيقه، ومن جانب آخر كانت تنتابه أحاسيس مضطربة إزاء خالته الجميلة والمثيرة.
المفارقة في الكوميديا
طيلة زمن الفيلم احتكمت العلاقات بين الشخصيات إلى الكوميديا القائمة على التنافر، فالجدة مثلا كانت تحرص على ارتداء سترة من الفرو رغم حرارة الصيف، ولأجل ان يتسلى جميع أفراد العائلة حال اجتماعهم كانوا يحرصون على استفزازها لكي ترد عليهم بالفأظ بذيئة تدفعهم إلى الدخول في نوبة من الضحك. أما شقيقة فابيتو فقد كانت طيلة زمن الفيلم تحتكر الجلوس في الحمّام بينما أفراد العائلة ينتظرونها ان تخرج، وهناك البارونة العجوز التي لم تعد تُحسب على طبقة الأثرياء ولهذا تشعر بالغيرة من جارتها لانها ستنتقل إلى فيللا جديدة بعد ان يكتمل بناؤها.
وباجتماع هذه التفاصيل اغتنى سيناريو الفيلم بمفارقات كانت باعثة على السخرية والابتسام، ما أضفى مسحة من الطرافة على الشخصيات قبل ان ينحرف مسار الفيلم في نصفه الثاني إلى الميلودراما بعد وفات الأم والأب نتيجة اختناقهما بغاز ثاني أوكسيد الكاربون المنبعث من المدفأة الجدارية.
من أجل تأكيد المفارقة المضحكة في بنية الفيلم اعتمد المخرج على المبالغة في تقديم أفراد عائلته، فهناك تضخيم لعيوبهم وسلوكياتهم الغريبة لإضفاء مسحة من الكوميديا. فالأم تعشق ابتكار المقالب، والجدة تجلس منفردة وبعيدة عن الجميع وهي تلقي بالشتائم، وتتعرض للضرب الشديد في أحد المشاهد من قبل نساء العائلة من بعد ان تحملهم مسؤولية تورط أحد أبنائها بتجارة المخدرات لأنهن لم يقدمن النصيحة له طمعا بالمال الذي يغدقه عليهن، والخالة الحسناء الأربعينية ما تنفك تمارس الجنس عبر علاقات خارج إطار الزواج لعلها تحبل ويكون لديها طفل ويصل بها تمردها إلى الحد الذي لا تتردد في ان تتشمس عارية أمام جميع أفراد العائلة بينما كانوا على القارب في رحلة وسط البحر، والعمة البدينة ترتبط برجل عجوز مريض وثرثار يبلغ من العمر 70 عاما ولا يستطيع الحديث إلا عبر جهاز خاص يضعه على عنقه فيصدر عنه صوت أشبه بالصوت الذي ينبعث من الروبوت، كل هذه المنمنمات تحيلنا إلى مجموعة شخصيات تشيع جوا من المرح والابتسام.
أفلام السيرة
مشاهدة أفلام السيرة الذاتية، غالبا ما تثير أسئلة حول مدى واقعية ما يتم سرده من أحداث خاصة ما يتعلق بالشخصية المحورية، وإلى أي مدى يمكن ان تكون حقيقية وليست متخيلة، ورغم ذلك فإن الكثير مما تم سرده في هذا الفيلم يتطابق مع سيرة المخرج الذي سبق ان فقد والديه في مرحلة مبكرة من حياته، وكان غيابهما سببا رئيسيا في ان تنعطف تطلعاته بعد موتهما إلى ان يدرس السينما لأجل ان يحقق على الشاشة حياة خيالية وجميلة مثل التي عاشها قبل ان يفقد والديه.
عنوان الفيلم للوهلة الأولى يحيلنا إلى مسألة دينية، لكننا سنكتشف ان لا صلة تجمعه بهذا المعنى، إنما يشير إلى اللحظة التي حوصر فيها مارادونا بأسئلة الصحافيين حول الهدف الذي سجله بيده، حينها كانت إجابته المختزلة والمعبرة بأن «يد الله هي التي أحرزت الهدف» ومن هنا جاء عنوان الفيلم.
سبق للفيلم أن نال جائزة مهرجان فينيسيا عام 2021 وجائزة مارسيلو ماستورياني، كما ترشح لنيل جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي.