بيروت ـ «القدس العربي»: لم تكن بيروت تشبه نفسها حين أنطلقت مبادرة دعم الموسيقى في المدينة. كان الحزن يعصر ناسها بعد انفجار المرفأ. والقلق يسكن الجميع من الآتي، بعد انهيار اقتصادي غير مسبوق جعل الأجور تتدنى بنسبة مأساوية. وتلاشى كلياً أي أمل معقود على طبقة حاكمة ليس للشعب حضور في أجندتها.
انطلقت مبادرة دعم الموسيقى في بيروت في نيسان/ابريل من العام 2021 بهدف إعادة وصل الناس بالموسيقى، وإعادة الموسيقيين إلى المساحات التي كانوا يمضون فيها أجمل الأوقات مع جمهور اعتادهم. وكان من مفاعيلها تغيير نمط حياة فرضته جائحة كورونا والانهيار حيث كانت أكثرية الناس تعود إلى منازلها باكراً.
عشرات الموسيقيين استفادوا من تلك المبادرة التي دعمتهم مادياً بعد أن كانوا عاجزين عن سداد بدلات الإيجار لمنازلهم. وحفّزت الجمهور للعودة إلى المساحات الثقافية والفنية التي أحبها، مدفوعاً بالحضور المجاني. فالجمهور بدوره تراجعت قدرته الشرائية في ظل الإنهيار.
مبادرة دعم الموسيقى أطلقتها «أونوماتوبيا» بدعم من منظمة طفل الحرب الهولندية، وطالت الموسيقيين الذين يعيشون في المدينة، ولم تكن مقتصره على اللبنانيين فقط. كان لها أثرها الفعّال في إعادة استنهاض هذا القطاع، لكنها للأسف ستتوقف مع نهاية شهر آذار/مارس الحالي. فالدعم الذي كان خجولاً… انتهى.
مع منسق مبادرة دعم الموسيقى يوسف نعيم هذا الحوار:
○ لماذا مبادرة دعم الموسيقى في بيروت؟
•وجدت المبادرة لدعم القطاع الموسيقي، بهدف تحفيزه ودعمه للإقلاع مجدداً بعد جائحة كورونا. بدأت المبادرة في نيسان/ابريل 2021 بحفلات أونلاين، ومن ثم الحفلات الحية في حزيران/يونيو. تتمثّل المبادرة بتأمين قيمة مادية محددة تساعد الفنانين على تأمين المصاريف الضرورية، من بدل إيجار السكن إلى غيره من الحاجات الأساسية. أكثرية الموسيقيين يعيشون من دخل العروض الحية التي يحيونها. الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا ومن ثمّ التضخّم الهائل في بلدنا أدى لتضاؤل دخل الموسيقي أكثر من عشر مرات. وبالمقابل تراجع حضور الجمهور، لأنه بات عاجزاً عن دفع تكاليف الحفلات. كما أن المساحات التي كانت تحيي الحفلات لم تعد قادرة على دفع أجور الموسيقيين. ولهذا كان البحث عن مبادرة لمساعدة الموسيقيين والمساحات التي كانت تنظّم الحفلات معاً، ومحاولة تحفيز الجمهور للعودة لحضور حفلات الموسيقى مجدداً. إذاً المبادرة استهدفت الموسيقيين، والمساحات التي كانت تستقبلهم والجمهور. عملياً ساعدت المبادرة الموسيقيين وتقنيي الصوت مادياً. فقد أحيا كل موسيقي خلال شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو عرضين شهرياً مدفوعي الأجر بالدولار الأمريكي، وكان كافياً لتغطية الحاجات الأساسية. كما استفاد من هذه الحفلات الجمهور غير القادر على دفع بدل الحفلات الحية، بحيث تابع حفلات المبادرة مجاناً.
○ وهل كانت المبادرة مفتوحة لكافة أنواع الموسيقى؟
•صحيح. جمعت الحفلات بين الموسيقى الأجنبية والشرقي واستجابت لأذواق متعددة لدى الجمهور. ويُذكر كذلك أن تلك الحفلات ساهمت بعودة الحياة لعدة مساحات موسيقية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وتلك المساحات قبل الانهيار الاقتصادي ساعدت الموسيقيين على الاستمرار في الإنتاج، لكنها لم تعد تملك امكانية تلبية أجورهم، والأهم أيضاً أن الجمهور لم يعد يقصد تلك المساحات لتناقص قدراته المادية. مع مبادرة دعم الموسيقى والحفلات المجّانية تحمّس الجمهور للعودة إلى تلك المساحات، وبالتالي دعمها لاستهلاكه منتوجاتها مما رفع من دخلها وحافظ عليها.
○ من تطال وما هي الشروط التي سارت وفقها المبادرة؟
•مبادرة الدعم مخصصة للفنانين والموسيقيين المقيمين في لبنان جميعهم وليست للبنانيين فقط. هؤلاء جميعهم مساهمون في تطوير القطاع الموسيقي، وتالياً هم جزء من لبنان. وفي شهر أيار/مايو من العام الماضي أقمنا حفلاً خاصاً عنوانه «لفلسطين» تزامن مع العدوان الإسرائيلي، جمع فنانين لبنانيين وفلسطينيين مقيمين. فنحن نهدف كذلك لأن تشكل المبادرة دعماً لقضايانا.
○ من أطلق المبادرة؟
•أطلق المبادرة الملتقى الموسيقي «أونوماتوبيا» مع «منظمة طفل الحرب» وهي منظمة هولندية. وقد جرى نقاش مطول بين الجمعيتين حول سبل دعم هذا القطاع، فتم تبني المبادرة ودعمها من قبل «منظمة طفل الحرب» ونفذها الملتقى الموسيقي «أونوماتوبيا». ومن ثم أمّنت آفاق الدعم المالي في الأشهر الثلاثة الأخيرة.
○ هل هي الموسيقى كردة فعل مسالمة على الحرب؟
•فعلياً هي نوع من المقاومة للوضع الحالي في بلدنا. وزارة الثقافة في غياب دائم، وتاريخياً لم تلق الموسيقى أي دعم من الدولة. لهذا قمنا بهذه المبادرة كناشطين في القطاع الثقافي، لمساعدة القطاع من أجل النهوض مجدداً، ومد أهله بالأمل، لمعاودة الإنتاج والاستمرار. فتأمين أساسيات الحياة يريح ويحفز الموسيقيين ويساعدهم للتفرغ لأعمالهم. وقد نكون وبطريقة غير مباشرة ساعدنا في تخفيف الهجرة السريعة للموسيقيين.
○ هل لبت المبادرة حتى الآن الآمال المعقودة عليها؟
• نوعاً ما. في شهر أيلول/سبتمبر الماضي بدأنا نلمس ثمار المبادرة. في حين أن شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو كان متوقعاً ان يكونا سيئين جداً بالنسبة للموسيقيين، إلا انه وعبر المبادرة بات دخلهم ثابتاً. والآن بات دخلهم من الحفلات من خارج المبادرة مقبولاً. وأصبح قسم من الجمهور قادرا على دفع تكاليف الحفلات، وبات الإقبال ملحوظاً أكثر على الحفلات الموسيقية. وربما نستطيع ان نقول إننا نجحنا في إعادة خلق الحاجة للموسيقى خاصة في بيروت. باتت الموسيقى ملاذاً مع الانهيار الاقتصادي والأجواء البشعة. وقد يجد البعض في الموسيقى داعماً نفسياً ينسيهم كافة المشاكل التي يمرون بها وإن لساعات محدودة. يمكن القول إن الموسيقى عادت إلى بيروت.
○ وهل ساهمت في مساعدة الموسيقيين للبقاء في لبنان؟
•يمكننا القول انها ساعدت مؤقتاً. كنا نتمنى المتابعة في المبادرة لكنّ كافة التبرعات تنتهي في أواخر هذا الشهر، والدعم توقف. نحن مطمئنون بأن دخل الموسيقيين بات أفضل مقارنة بالسنة الماضية، وهذا جيد.
○ ما هو عدد المستفيدين من هذه المبادرة؟
•أكثر من 250 موسيقيا وتقني صوت استفادوا من المبادرة إلى الآن. واقمنا ما يزيد عن 220 حفلا موسيقيا مجّانيا في بيروت في ثماني مساحات موسيقية.
○ هل تعرفون عدد الموسيقيين الذين هاجروا؟
•لا نملك أي إحصاء، ولكن حتى الآن ليس العدد كبيراً، وربما يشكلون 20 في المئة من الموسيقيين. أما المقيمون فمدخولهم من الحفلات والتعليم مع بعض السفرات إلى الخارج للمشاركة بحفلات مختلفة يساعدهم على البقاء في لبنان.
○ دعمتم الموسيقى في بيروت وماذا عن المدن والمناطق الأخرى؟
•انطلقت المبادرة بعد انفجار بيروت، ولهذا كان التركيز على العاصمة. عملياً كانت التبرعات محدودة وخجولة، ومنظمة أطفال الحرب شكلت الداعم الأساسي لنا. لم نتمكن من التوسع خارج بيروت، إنما من المؤكد أن موسيقيين كثر من الشمال والجنوب والبقاع أتوا للعزف في بيروت. بطريقة غير مباشرة ساعدت المبادرة الفنانين خارج المدينة، إنما ليس المساحات الموسيقية الواقعة خارج العاصمة.
○ كون الحفلات مجانية فهل وجدت اقبالاً مربكاً للصالات مع جائحة كورونا؟
•الإقبال كبير جداً والحفلات جميعها «مفولة» رغم وجود جائحة كورونا. وكانت بعض المساحات تطلب حجزاً مسبقاً من الجمهور. من حزيران/يونيو إلى ايلول/سبتمبر الماضي كانت أجواء بيروت جميلة لجهة الموسيقى رغم كورونا والانهيار. حفلات مدّت الناس ببعض النفس المختلف.
○ هل تعدّون لمبادرات جديدة؟
•كما سبق القول المبادرة ستتوقف مع نهاية هذا الشهر لعدم وجود الدعم الكافي. كأفراد وكمجموعات نحن في بحث دائم عن أفكار لمساعدة الموسيقيين والقطاع الثقافي عامة. وهناك الكثير من الأفكار ولكن تحتاج لتمويل. مع العلم ان أولويات الجمعيات العالمية والمتبرعين الآن ليست في القطاع الثقافي، انما دعم العائلات المحتاجة، وترميم بعض ما دمّره الانفجار والانهيار.