القنّاص الأمريكي و«الفنّاص» الفرنسي

حجم الخط
10

تعيش الثقافة المعاصرة لحظة تداخل مريبة بين الإعلام والنتاج الفني والثقافي، الى درجة بدأت تلتبس فيها الأمور بشكل لا سابق له. فالحدود بين المتخيّل والمتحقق صارت شبه منعدمة، والمسافة بين «التسلية الخفيفة» التي تصنعها الثقافة الهوليوودية والتلفزيونية، وبين النتاج الثقافي والأدبي الجاد، باتت شبه منعدمة. انه زمن العنف، «داعش» تتحول الى منتج لأفلام الرعب والقتل، والسينما تتدعوش بحجة محاربة الارهاب، كما هو الحال مع فيلم كلينت ايستوود «القناص الأمريكي». أما الأدب فيتحول مع الروائي الفرنسي ميشال ويلبيك في روايته «خضوع»، الى مساحة لفنتازيا الخوف من الاسلام، والى ساحة لتأمل المنحدر الذي تستطيع الرواية السقوط فيه.
«وحش الرمادي»، او كريس كابل، نشر كتاب «بطولاته» بعنوان «القنّاص الأمريكي»، عام 2012، وفيه يروي انه قتل بواسطة القنص 255 عراقيا، ممجدا بطولاته، التي رشّ عليها الكثير من بهارات «الحلم الأمريكي». نص عُصابي يستحق تحليلا نفسياً لمآلات الوحشية التي تصنعها الحروب، ويتفنن فيها الغزاة. غير أن المخرج الأمريكي كلينت ايستوود قرر تحويل هذا السفّاح الى بطل، ورسم باتقان سينمائي بطولات القنّاص، وجعلنا نحزن مع زوجته الحامل عليه وعلى جروحه النفسية بسبب الحرب، قبل أن يأخذنا الى نهاية البطل المأسوية حين قُتل على يد أحد زملائه، بعد عودته من مهماته في العراق.
قد يكون الفيلم شهادة على التورط الأمريكي في حرب العراق، لما خلّفه من آثار نفسية مدمرة على الجنود الامريكيين، لكنه في المقابل فيلم يمجّد بطولات مزعومة، انتهت كما يعلم الجميع بهرولة الانسحاب الأمريكي من العراق، بعد فشل المهمة «الحضارية» بسبب همجية العرب ووحشيتهم!
يقدّم الفيلم وصفة جاهزة للحرب، انها حرب ضد الهمج والبرابرة، الأمريكي يقتل كي يحمي حياة زملائه الجنود، الذين يحاربون دفاعا عن «الديموقراطية»، اما العرب فإنهم يقتلون لأنهم يحبون القتل، فهم عصابات من الارهابيين، ومن جنود القاعدة وجماعة الزرقاوي. أما لماذا جاء الجنود الامريكيون الى العراق؟ ولماذا دمروا بلاد الرافدين؟ وما هي اهداف غزوهم؟ فهذه أسئلة لا وجود لها في قاموس مخرج الفيلم أو في قاموس بطله.
لا مكان للأسئلة في هذا العالم الخرافي المصنوع بتقنيات الأجوبة الهوليوودية المتقنة، وهي بالمناسبة، وعلى رغم كل ما قيل عن تقنيات «داعش» السينمائية، تتفوق بما لا يقاس على تقنيات المشهد الوحشي لاحراق الطيار الأردني الذي تقشعر له الأبدان. على عكس افلام «داعش»، التي صنعت على هدي «فقه الدم»، و»ادارة التوحش»، بهدف بث الرعب، فإن القنّاص الأمريكي يغطي الرعب بنكهة انسانوية، ويحوّل مشاهد القتل الى وحشية رومانسية. القنّاص يحدد اهدافه من خلال منظار بندقيته وهو يتكلم مع زوجته الحامل! يا للروعة! تحار هل تتعاطف مع الزوجة المسكينة الخائفة على حياة زوجها «البطل»، ام تتشنج مع المشهد الذي يراه منظار البندقية، وتتحفّز مستعجلا الرصاصة القاتلة؟
هذه هي اللعبة، انه فيلم عن العلاقة بين الرومانسية والوحشية وامتزاجهما في شخصية قاتل محترف، يعمل في جهاز قتل يمتلك تفوقا تكنولوجيا ساحقاً على خصومه.
القنّاص جندي يخدم بلاده، أما القتلى فهم مجموعات من القتلة والارهابيين، نساء يخبئن القنابل في اثوابهن ويحتمين بالأطفال، رجال مهووسون بالجريمة، وبلاد لا حكاية لها. مشهد الطفل الذي كان برفقة «ارهابي» يحمل قاذف الأر بي جي يستحق التوقف أمامه. البطل الامريكي قنص الارهابي وأرداه، وحين يحاول الطفل أن يحمل السلاح ويتابع المهمة ترتفع همهمة القنّاص وهو يتمتم راجيا الفتى ان لا يتابع كي لا يضطر الى قتله هو أيضاً. قمة الابتذال العاطفي، الذي يخبئ الهمجية في بطن الحنان!
لم يكن القنّاص ولا مخرجه معنيين بالسؤال عن البلاد التي حوّلاها الى حقول للموت. فالعراق لا معنى له سوى انه اسم غامض لبلاد غامضة الملامح يحتلها الارهاب. هكذا يصير الأمريكي مدافعا عن حياته، ويتحوّل العراقي الى محتلّ يجب القضاء عليه!
قد يقال ان الفيلم يمتلك حيثية القتال ضد القاعدة وضد الايديولوجية التكفيرية التي بلور قواها ابو مصعب الزرقاوي قبل ان تتحول الى وعاء دولة البغدادي الداعشية، وهذا ما حاول الفيلم أن يوحي به. الحرب هي بين الجنود الأمريكيين وبين الارهاب! ولكن المخرج قال نصف الحقيقة الفارغ ولم يقل نصفها الممتلئ. لم يقل لنا متى جاءت القاعدة الى العراق؟ ولم يشر الى مفارقة ان القاعدة لم تستوطن العراق الا بعد الاحتلال الأمريكي!
اما لماذا لم يصوّر العربي الا بهذه الطريقة المبتسرة والجاهزة، فهنا يقع السؤال.
قد نجد للمخرج اسبابه، فهو صنع فيلما امريكيا عن بطل امريكي، وهو ليس معنيا سوى بتصوير أثر الحرب على المجتمع الذي يخاطبه. وهذا حقه، ولكنه تناسى أن الحرب تدور في بلاد أخرى، وأن هذه البلاد لا تختصر بعبارة واحدة هي الهمجية، وأن الصورة التي قدمها ناقصة، لكن محاولته الايحاء بأنها مكتملة أوقعه في فخ اختصار العراق الى أرض للهمجية، ونزع أي صفة انسانية عن اناس يقاتلون احتلالا اجنبياً.
ولعل احد اكثر المشاهد التي اثارت اعجاب الجمهور وتصفيقه هي نجاح «البطل» في قنص غريمه، وهو قناص سوري يدعى مصطفى يقاتل الى جانب جماعة القاعدة. صوّر المشهد وكأنه مبارزة، وجرى تمجيد الرصاصة بلقطة بطيئة خرجت من فوهة بندقية «وحش الرمادي»، وقطعت مسافة شاسعة قبل أن تخترق هدفها، وسط تصفيق جمهور المشاهدين! ابتذال لا يوازيه سوى ابتذال تصوير بطولة جنود مدججين بتكنولوجيا تحميهم من اعدائهم لكنها عاجزة عن حمايتهم من خوفهم ورعبهم في ميدان القتال.
كتاب كريس كابل لا يخلو من «التفنيص» (التفنيص كلمة يستخدمها العامة في لبنان للدلالة على كذب هدفه ابهار المستمع من دون الاهتمام بقدرة هذا الكذب على الظهور بمظهر الصدق. وأنا اعتقد انها كلمة ممتازة تسمح لنا بالتمييز بين الفنّاص والكذّاب، لذا من الضروري ادخالها في قاموسنا الحديث). من المؤكد أن رقم رصيده من القتلى قد جرى تضخيمه من 166 الى 255، وأن اجرامية الرجل والمؤسسة العسكرية التي يعمل فيها تمّ اخفاؤها في مناخ بطولي لا يخلو من اللحظات العاطفية. غير أن «التفنيص» الملتبس والمراوغ والذي يخفي سمّ العنصرية بدسم الثقافة من اختصاص الكاتب الفرنسي ميشال ويلبيك الذي اتحفنا برواية رعب عن نجاح الاسلاميين في الوصول الى الحكم في فرنسا. كتاب سفيه مليء بالذكورية العاجزة واحتقار المرأة وكراهية الأقليات، يتصدر اليوم ارقام المبيعات في فرنسا، ويتحوّل الى حجاب أدبي يضمر العنصرية ويدعو لها.
«الفنّاص» الفرنسي يحتاج الى وقفة خاصة سوف تتبع هذه القراءة لبطولات القنّاص الأمريكي.

الياس خوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية