يستمر القصف الروسي على العديد من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وسط إقرار الكرملين، ولأول مرة منذ بدء الهجوم على أوكرانيا، بـ «خسائر كبيرة» في صفوف جيشها.
بروكسل ـ «القدس العربي»: يدخل الهجوم الروسي على أوكرانيا يومه الـ 46 على وقع تحركات الغربيين لتشديد موقفهم حيال روسيا على خلفية اكتشاف مئات الجثث في بلدات بضاحية العاصمة الأوكرانية كييف في مقدمتها بوتشا، ثم القصف الصاروخي الذي استهدف محطة للقطارات في كراماتورسك شرق أوكرانيا وأدى إلى مقتل العشرات بينهم أطفال، وفي ظل تزايد المخاوف من هجوم روسي وشيك في منطقة دونباس، والذي حذرت كييف وباريس من عواقبه المحتملة.
بين اتهام كييف وعواصم غربية لروسيا بالوقوف خلف «الفظائع» في بوتشا وغيرها بعد انسحاب القوات الروسية وقصف محطة القطارات في كراماتورسك، من جهة، ونَفْي روسيا لهذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، من جهة أخرى، طرد أكثر من 145 دبلوماسيًا روسيًا من أوروبا في غضون ثمان وأربعين ساعة، بما في ذلك من فرنسا وألمانيا والبرتغال ودول أخرى. كما تبنى الاتحاد الأوروبي رسميا خامس حزمه من العقوبات على روسيا منذ بدء هجومها على أوكرانيا في 24 شباط/فبراير الماضي، شملت هذه المرة حظر واردات الفحم والخشب والكيميائيات ومنتجات أخرى. وأيضا، تمنع هذه الإجراءات العديد من السفن والشاحنات الروسية من دخول الاتحاد الأوروبي، ما يزيد من تقويض التجارة. بالإضافة إلى حظر المعاملات مع أربعة بنوك روسية من بينها «في.تي. بي».
تعليق عضوية روسيا
في مجلس حقوق الإنسان
كما أعلن الاتحاد الأوروبي عن فرض عقوبات على ابنتي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جانب أكثر من مئتي شخص آخرين. ويواجه المدرجون على القائمة الأوروبية التي تتضمن أيضا 18 شركة، مصادرة أصولهم وحظر سفرهم إلى البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وأكدت المفوضية الأوروبية إن حكومات الاتحاد الأوروبي جمد أصولا قيمتها 29.5 مليار يورو ترتبط بالنخبة وشخصيات أخرى خاضعة للعقوبات بسبب علاقتها بالكرملين. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أن روسيا مهددة بـ«التفكك» بسبب هذه العقوبات التي تفرض عليها، في حين أن لأوكرانيا «مستقبلا أوروبيا». وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الجمعة في كييف.
وفي واشنطن، وقع الرئيس الأمريكي جو بايدن يوم الجمعة على قانون إنهاء استيراد النفط الروسي، متوعداً بـ«خنق التنمية الاقتصادية لروسيا لسنوات» ومعتبراً أن «ما يحدث لا يصنف أقل من جرائم حرب كبيرة». كما أعلنت الولايات المتحدة عن فرض عقوبات على البنوك الروسية الكبرى «سبيربنك» وبنك «ألفا»وابنتي فلاديمير بوتين، على غرار الاتحاد الأوروبي. وحذت بريطانيا هي الأخرى حذوهما.
وفي خطوة هي الثانية من نوعها في تاريخ الأمم المتحدة بعد قرار حول ليبيا في عام 2011 تم تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، رغم معارضة 24 دولة في المجلس وامتناع 58 دولة عن التصويت، لكن هذه الأصوات الممتنعة لم تؤخذ في الاعتبار ضمن غالبية الثلثين المطلوبة والمحصورة بين الأصوات المؤيدة والمعارضة فقط.
موسكو تنفي الانتهاكات وتقر بخسائر عسكرية
وحذرت روسيا بعد تصويت الأمم المتحدة الذي وصفته بأنه إجراء «غير قانوني» من أنها «ستستمر في الدفاع عن مصالحها بكل الوسائل القانونية». كما اعتبرت أن العقوبات الجديدة ضدها، بما في ذلك طرد الدبلوماسيين الروس، تنبع من «نقص البصيرة» لدى الأوروبيين، الأمر الذي «يقوض التواصل على المستوى الدبلوماسي».
كما نفت روسيا ارتكاب جيشها لأي جرائم ضد المدنيين خلال وجوده في مدينة بوتشا بضاحية كييف، مشددة على أن «الانتهاكات قد ارتكبت بعد مغادرة الروس المدينة في الأول من الشهر الجاري». واتهم رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف الغرب بإثارة «هستيريا» حول بوتشا بهدف عرقلة المفاوضات الروسية الأوكرانية، التي أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلوا أن صور بوتشا وإيربين قرب كييف «طغت» عليها.
في غضون ذلك، يستمر القصف الروسي في العديد من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وسط إقرار الكرملين، هذا الأسبوع، ولأول مرة منذ بدء الهجوم على أوكرانيا، بـ «خسائر كبيرة» في صفوف جيشها المنتشر في أوكرانيا، وفق ما أعلن الناطق باسمه دميتري بيسكوف، وذلك في مقابلة خص بها قناة «سكاي نيوز» البريطانية، لم يحدد فيها هذه الخسائر. يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه مخاوف وقلق الأوكرانيين من أن يتحول السيناريو في شرق بلدهم إلى سيناريو مشابه لذلك الذي يحدث في مدينة ماريوبول الساحلية الاستراتيجية في جنوب البلاد حيث ما يزال آلاف الأشخاص محاصرين تحت وطأة القصف الروسي، إذ باتت المنطقة الشرقية الأوكرانية الهدف الرئيسي الجديد للقصف الطيران الروسي.
مخاوف من هجوم
وشيك في دونباس
واستبعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توقف الحرب في الأيام المقبلة، متوقعاً أن تشهد منطقة دونباس «مشاهد صعبة للغاية» قريبا. وهذا ما حذر منه وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا عقب اجتماع مع وزراء خارجية الناتو في بروكسل، مشدداً على أن معركة دونباس التي يتم الحديث عنها الآن مستمرة وإن كانت لم تصل إلى ذروتها. وناشد رئيس الدبلوماسية الأوكرانية وزراء خارجية الدول الأعضاء في حلف الناتو المساعدة العاجلة لبلاده عسكرياً، قائلاً: «أتحدث عن مسألة أيام وليس أسابيع، وسيموت العديد من الأشخاص ويشرد آخرون وتدمر العديد من القرى». ودعت السلطات الأوكرانية السكان إلى مغادرة شرق البلاد.
وردا على طلب كييف المساعدة استعداداً للهجوم المرتقب في دونباس، قال الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ أن دول الحلف «على دراية بحاجة أوكرانيا الملحة للدعم الكبير» لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه «من الأفضل عدم الدخول في تفاصيل بشأن الأسلحة التي سيتم توفيرها» في وقت أعلن فيه رئيس الوزراء السلوفاكي، الذي رافق رئيسة المفوضية الأوروبية إلى أوكرانيا يوم الجمعة، أن الجيش السلوفاكي سيقدم أنظمة دفاع صاروخية متحركة من نوع S300 للجيش الأوكراني، وذلك بعد المعلومات المتعلقة بتسليم الجيش الأوكراني دبابات من قبل الجيش التشيكي.
ملايين فروا من بلدهم
ومع استمرار التصعيد الميداني، أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة للشؤون اللاجئين، في تعداد لها نشرته يوم الخميس، أن أكثر من 4.3 ملايين أوكراني فروا من بلدهم، منذ بداية الهجوم الروسي عليه يوم الـ24 شباط/فبراير الماضي، وهو تدفق للاجئين لم تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. في حين، قدرت المفوضية الأممية عدد الأوكرانيين النازحين داخل بلدهم بحوالي 7.1 ملايين.