من أوكرانيا إلى سوريا: السوريون ضحايا ازدواجية المعايير وفشل المنظومة الدولية

حسام محمد
حجم الخط
5

اتحدت كبرى دول العالم، اجتمعت الكيانات الدولية على وجه السرعة، قرارات داعمة للحقوق والحريات وعقوبات ودعم عسكري مع إنساني، الحدود فُتحت والخدمات قُدمت والوساطات تكاثرت، كلها إجراءات وخطوات اتخذها الغرب والكثير من عواصم العالم على عجل لمواجهة الحرب الروسية على أوكرانيا، ودعما لحقوق الشعب الأوكراني.
سلسلة القرارات العالمية الطويلة يصفها البعض بالطبيعية، فهناك دولة معتدية ودولة يتم الاعتداء عليها، وهناك جرائم ترتكب وحقوق تنتهك، وبالتالي فإن لغة المنطق تقول: لا بد من حماية حقوق الإنسان فكل القرارات الدولية تفيد بذلك وأن المؤسسات والمجالس الدولية وضعت حول هذا الخصوص.
لكن ما آثار دهشة السوريين على وجه الخصوص، أن الجهة المعتدية على الشعب الأوكراني هي ذاتها التي أذاقتهم عذابات لا تعد ولا تحصى منذ عام 2015. إذ أن الجيش الروسي يستخدم في حربه على أوكرانيا ما كان قد جربه على أجساد السوريين من أسلحة وعتاد وذخائر طيلة السنوات التي تحرك فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لحماية النظام السوري من السقوط.
جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الروسي في أوكرانيا وأكدها العالم بدوله وجمعياته ومؤسساته الحقوقية قابلتها عقوبات صارمة من المجتمع الدولي كان آخرها تعليق عضوية موسكو في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إضافة إلى سلسلة من العقوبات الاقتصادية والتجارية لا تكاد تحصى لكثرتها من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرها من الدول، وأن العمل جار نحو تحديد كل الجهات أو المجموعات الروسية الضالعة في ارتكاب جرائم حرب بغية محاسبتها وفق المحاكم الدولية.
في حين أن روسيا ذاتها تُركت بكامل حريتها في سوريا رغم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها ضد الشعب السوري السائر تحت رايات الحرية والتغيير، ليبقى السؤال بحاجة لأجوبة شافية ومنطقية، هل حقوق الإنسان خاصة بشعوب دون أخرى؟

المعادلة واحدة

سارع رأس النظام السوري بشار الأسد إلى إعلان دعمه المباشر للحرب الروسية على أوكرانيا، إذ اعتبر «روسيا اليوم لا تدافع عن نفسها فقط وإنما عن العالم وعن مبادئ العدل والإنسانية».
الأسد اعتبر وفق وكالة «سانا» أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا «هي تصحيح للتاريخ وإعادة للتوازن إلى العالم الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفييتي» وفق تعبيره، معلنًا عن دعم نظامه لروسيا تحت ذريعة «أن العدو الذي يجابهه الجيشان السوري والروسي واحد، ففي سوريا هو تطرف وفي أوكرانيا هو نازية».
أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فكانت سوريا حاضرة في العديد من تصريحاته منذ بدء الحرب الروسية على بلاده، وربط عدة مرات ما بين ما تعيشه أوكرانيا وما عانته المدن السورية من التدخل العسكري الروسية لصالح الأسد.
المعارضة السورية من جانبها، سارعت في التنديد بالحرب الروسية على أوكرانيا وربط ما يجري هناك بما تعانيه سوريا، إذ أشار رئيس الائتلاف السوري سالم المسلط إلى أن جرائم روسيا في سوريا ما زالت قائمة رغم انشغالها بالعدوان على أوكرانيا، مشدداً على ضرورة دعم دولي حقيقي وجدي لقوى الثورة العسكرية من أجل الإسهام في انحسار الوجود العسكري الروسي في سوريا، وفي الوقت ذاته عدم السماح لإيران باستغلال ذلك للتمدد عسكرياً ونشر ميليشياتها.
ربط الحرب الروسية على أوكرانيا بالملف السوري لم يشمل الأطراف المتداخلة فحسب، بل تعداه إلى العديد من الصحف والمجلات العالمية، إلا أنه كان غائبا فعليا في مجالس صناع القرار.
في هذا الإطار، نشرت «الغارديان» البريطانية مقالا لهاميش دي بريتون غوردون، وهو خبير بالأسلحة الكيميائية، تحدث فيه عما اسماه «دروسا» كان ينبغي للغرب تعلمها حول الرئيس الروسي بوتين، إلا أنها مرت من دون أي ملاحظة، حيث تستمر جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في ظل النظام السوري الذي ترعاه روسيا، حتى مع رغبة بعض القادة في إعادة بشار الأسد إلى المجتمع الدولي، مشيرا إلى استمرار جيش النظام السوري بقصف المدارس والمستشفيات وحرق القرى في سياسة الأرض المحروقة على غرار العصور الوسطى.

اختلاف جذري

الحرب في أوكرانيا تختلف جذريا من وجهة نظر عضو هيئة القانونيين السوريين، المحامي عبد الناصر حوشان، عما يجري في سوريا، فالأولى حرب بين دولتين مستقلتين تتعدد أسبابها وأهم الأسباب المعلنة منع أوكرانيا من الانضمام إلى حلف الناتو.
في حين أن الصراع في سوريا هو نزاع داخلي «مدوّل» لم يرتق إلى درجة الحرب بين الأطراف الدولية المتواجدة في سوريا، ومن هنا نجد ان الحرب الروسية الأوكرانية هي حرب غير مباشرة من روسيا ضد أوروبا والولايات المتحدة، لذلك وجدنا وحدة الموقف الأوروبي والأمريكي والذي حشد وراءه أكثر من 145 دولة للوقوف ضد العدوان الروسي في الجمعية العامة للتصويت ضد العدوان وكذلك يتكرر الموقف اليوم في الجمعية العامة للتصويت على طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان.
حوشان، قال لـ «القدس العربي»: «هنا تظهر الازدواجية في المعايير الدولية، والتي تكيل بمكيالين لأن العلاقات الدولية تقوم على المصالح، وليس على المبادئ، وقد تبين أن النظام السوري ما زال يشكل ضرورة لضمان أمن إسرائيل لذلك نرى التهاون والتخاذل الأمريكي والأوروبي تجاه القضية السورية».
أما الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، فقد علق على المقارنة بين تهافت الغرب لدعم أوكرانيا التي تتعرض للغزو الروسي وبين الموقف العربي العام من القضية السورية بالقول: «الأنظمة العربية تفتقد للبرامج الخاصة، وغالبيتهم وكلاء، حتى هوامش تحركاتهم تبقى ضعيفة من دون الحصول على ضوء أخضر من القوى المؤثرة فيهم».
ويضيف «في حين أن أنظمة الدول الغربية لا تريد الوقوع تحت ضغط الشارع الذي يتعاطف مع الشعب الأوكراني، لذلك تحركت القيادات الغربية على اعتبار أن مشروع بوتين بات يهدد مستقبل بلادهم، ولضرورة الحفاظ على مستقبلهم السياسي».

السوريون ضحايا التمييز

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، اعتبر أن كل التحركات والقرارات التي اتخذها الغرب لدعم أوكرانيا وحقوق الشعب الأوكراني، مرحب بها، وكان عليهم واجب القيام بذلك فهو الحالة الطبيعية لمثل هذه الحالات سواء في أوكرانيا أو في أي دولة كانت.
ولكن المعالجة غير الطبيعية، هي ما فعله الغرب في سوريا، وكيفية تعاطيه مع القضية السورية، على سبيل المثال ما حصل من تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان بسبب ارتكابها انتهاكات تمس حقوق الإنسان في أوكرانيا، وشكلت جرائم حرب.
في العودة للساحة السورية، قال عبد الغني لـ «القدس العربي»: «روسيا ارتكبت انتهاكات وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، ولكن لم يتم تعليق عضويتها أو محاسبتها، بل أن موسكو ظلت تصوت في المجلس لصالح النظام السوري كل السنوات الماضية، وتشجع كل حلفاء بوتين لدعم بشار الأسد في الجامعة العربية كما تفعل الجزائر حاليا.
كل هذه الإجراءات سببها ومردها المعايير المزدوجة التي يتم التعامل فيها، على اعتبار أن الحقوق لا تُبنى على التمييز وإلا سيكون التمييز عنصريا، وهو ما فعله الغرب تجاه السوريين، فحقوق الإنسان مبنية لصالح الإنسان بغض النظر عن دينه أو عرقه أو غيرها أمام القانون».
وأضاف، لقد كان حديث بعض الدول عن تطبيع العلاقات مع النظام السوري من أشدِّ الأمور استهجاناً في عام 2021 وكان الأسوأ من ذلك عدم اعتراض الدول الديمقراطية على هذا الطرح البشع، الذي لا يقيم أي اعتبار للملايين من الشعب السوري الذين هم ضحايا قتل، تعذيب، وتشريد، من قبل النظام السوري، والذي لم يغير شيئاً من سلوكه المتوحش تجاه شعبه.
كما أنه ما زال يرفض تماماً أي حلٍّ سياسي على أسس ديمقراطية تراعي مبادئ حقوق الإنسان. كما أن بقية أطراف النزاع ما تزال منخرطة في ارتكاب انتهاكات متعددة وما زال الجميع يعتاش على أنقاض الدولة السورية المنهارة.
أما المحامي عبد الناصر حوشان، فقد رأى أن الغرب نجح بمساعدة أوكرانيا لأنه يتعامل مع دولة قائمة، بينما كانت التفرقة والشرذمة التي سادت سوريا، من أهم الأسباب في عدم اقناع الغرب بالوقوف مع القضية السورية واقناعه بأننا أفضل من آل الأسد إضافة لتعدد وتضارب المصالح وأهداف الدول التي تدخلت في النزاع السوري.
التحرك الحقوقي ضد روسيا في أوكرانيا كان قويا وفعالا استند إلى قرار الجمعية العامة لإصدار قرار باعتبار ان التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا هو «عدوان» وهو جريمة حرب، مما منح الأوكرانيين الحق باللجوء إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بدعم من الغرب.
بينما ما زال الغرب والولايات المتحدة تنظر للنزاع في سوريا على اعتباره حربا أهلية وحربا على الإرهاب، وهو ما ندفع ثمنه من دمائنا وديارنا، خاصة أن روسيا ما زالت تمتلك حق النقض الفيتو حتى اليوم، وهو كفيل بإحباط أي محاولة لتحقيق العدالة الدولية في سوريا.

فشل المنظومة الدولية

قرأ الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، تكثيف الرئيس الأوكراني تحشيد الرأي العام العالمي ضد بوتين وجرائمه، كما أنه يريد أن تكون الحرب على أوكرانيا بدعم دولي محطة بوتين الأخيرة التي تكسره، لأن بوتين في حال ربح المعركة في أوكرانيا فإن هناك دولا أخرى سيعمل على الزحف باتجاهها.
كما أنه يريد تعزيز صورته أمام الرأي العام السوري ودعوة غير مباشرة لقوى المعارضة السورية للتحرك سياسيا ضد بوتين.
وقال حوراني لـ «القدس العربي»: الحفاوة باللاجئين الأوكران عكس أمرين، الأول فشل المنظومة الدولية في تحقيق وتكريس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واقعا معاشا، وكذلك الاتفاقية الدولية الخاصة باللاجئين.
والثاني أن البعد الهوياتي أمر لا يمكن انكاره لأي فئة «مكون اجتماعي أو دولة» وإن تم تذويبه أو محاولة مسحه بأساليب ناعمة أو خشنة فإنه ينمو في الظل منتظرا فرصة أو أزمة ما تسنح له بالظهور والتعبير عن نفسه.
أما أخطر ما حل بالسوريين من العرب فهو أمر يتعلق بأن أنظمة الحكم العربية تمكنت من إعادة تكوين العقل الجمعي العربي الذي لا يعترف بصلته بالعربي الآخر، وهو أمر له مخاطره على المستوى الإنساني بشكل خاص، كون من يغمض عينه عن مصيبة أبناء جلدته فيغمضها أمام مصائب الآخرين، وله مخاطره على المستوى المتوسط والبعيد وهو ما نراه من تهافت الأنظمة العربية للتطبيع مع إسرائيل دون أي اعتراض من الشارع العربي.

المعارضة تأسف وتطالب بالمزيد

ساهمت الحرب الروسية على أوكرانيا في تحرك المياه السورية الراكدة، إذ طالبت المعارضة السورية المجتمع الدولي بالتحرك بشكل حقيقي وتفعيل آلية المحاسبة الدولية لمرتكبي جرائم الحرب في سوريا بهدف إيقاف الجرائم المستمرة.
رئيس الائتلاف الوطني السوري سالم المسلط، وفي مقال نشره موقع تلفزيون «سوريا» بمناسبة إعلان الخارجية الأمريكية أن شهر آذار/مارس 2022 شهر محاسبة للأسد، أكد المسلط على أنها مبادرة إيجابية ولها رمزية لدى السوريين، مضيفاً أنها تحتاج لتحويلها لخطوات عملية تبدأ بطرد نظام الأسد من منظومة الأمم وإسقاط كل شرعية عنه في المنظمات الدولية، تمهيداً لمحاسبته في محكمة دولية، بالترافق مع برامج تعزل النظام أكثر، ويمكن أن تعيد للشعب السوري الحرية.
وعبّر المسلط عن أسفه لعدم قدرة عقوبات قيصر حتى الآن على سَوق نظام الأسد نحو العدالة، مؤكداً على أن سلاح العقوبات الاقتصادية قد يسهم في تقويض آلة الإجرام، لكنه قد يكون غير كافٍ لتحقيق مطالب الشعب السوري.
وشدد على أن محاسبة الأسد محكٌ حقيقي يختبر منظومة الأمم المتحدة، ويختبر آلياتها وأدواتها من مجلس أمنٍ إلى محكمة جنايات دولية، مضيفاً أنه جديرٌ بالمجتمع الدولي ألا يدع مجرماً كالأسد يزعزع ما تمخضت عنه الحضارة الإنسانية من أدوات.
كما وجّه رئيس الائتلاف الوطني السوري سالم المسلط، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، طالب فيها بطرد النظام السوري من الأمم المتحدة وجميع المنظمات الدولية، وأعرب عن تأييده لقرار الجمعية بخصوص إدانة العدوان الروسي على أوكرانيا.
وأكد على أن الشعبين السوري والأوكراني يواجهان عدواً مشتركاً هو نظام بوتين، وعلى عدم قبول الشعب السوري أن يكون جزءاً من الجرائم الروسية بحق الشعب الأوكراني.
وأضاف المسلط أنه و«بصفتنا الممثل الشرعي للشعب السوري، نؤكد على أن الشعب يرفض بشكل قاطع الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا يقبل على الإطلاق المشاركة بالمعارك الروسية على الأراضي الأوكرانية» وأكد على عدم مشاركة أي سوري من أبناء الثورة السورية في الحرب ضد أوكرانيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية