تكاد تكون المرة الأولى التي يتم فيها تناول سيرة الداعية الإسلامي الراحل الشيخ عبد الحميد كشك عبر وسيلة إعلامية مسموعة أو مرئية. فطوال مشواره وحياته كان الحديث عنه أمراً يستوجب المساءلة الأمنية، لذا بقيت سيرة الرجل مجرد تاريخ شفاهي في ذاكرة مريديه ومحبيه ومن عاصروه وأدركوا قيمته الدينية والفقهية وحرصوا على الصلاة خلفه والاستماع إلى خُطبه التي كانت بمثابة تحول جذري في مجال الدعوة المنبرية بعيداً عن كافة الأشكال التقليدية المُتبعة.
لقد قدمت قناة «الجزيرة» الوثائقية بانوراما كاملة عن حياة الإمام والفقيه، بادئة شريطها السينمائي الوثائقي من حادثة فقدان البصر وتاريخ حصول الطالب النابغة على الثانوية الأزهرية بتفوق، حيث كان ترتيبه الأول على زملائه. وبموجب هذا النجاح الباهر التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر ومارس الخطابة وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمرة، مُعطياً إشارة واضحة لتميزه ونبوغه المُبكر وشجاعته النادرة في الخروج بخطبة الجمعة عن الحيز المحدود للوعظ والإرشاد بمد خيوط التوعية والتنبيه عن آخرها لتتطرق الخُطبة إلى القضايا الاجتماعية التي تمس العصب الحساس لمختلف المُشكلات.
وقد ركز الفيلم الذي أعدته قناة «الجزيرة» على هذا الجانب الجوهري في شخصية الشيخ الجليل مُستعرضاً الكثير من أوجه صدامه مع السُلطة في مراحل مُتتالية من حُكم مصر في تضمين معلوماتي ودرامي مهم للسيرة والمسيرة. فمن بين ما اهتم الفيلم بتضمينه موقف الرئيس جمال عبد الناصر ورجاله من نبرة الهجوم الصارخ المُتجلية في الخُطب التي استحوذت على اهتمام القطاع الأكبر من المُصلين وعامة الناس، الأمر الذي استشعر معه رجال عبد الناصر الخطر وحاولوا الحد من انتشاره بالترويض تارة والسجن تارة أخرى، حيث لم يستجب كشك لوصايا رجال الأمن حينئذ بالتهدئة واستمر في هجومه ونقده اللاذع فأودع السجن عدة مرات وواجه الاتهامات الموجهة إليه بصلابة وثبات.
وبعبور هذه المرحلة انتقلت الرؤية السينمائية التسجيلية إلى حقبة أخرى من المُعاناة في عصر الرئيس السادات الذي لم يكن بالنسبة للشيخ عبد الحميد كشك أحسن حالاً، إذ حدث الصدام نفسه مع ظهور التيارات الدينية وبداية فقدان الثقة بينها وبين الرئيس المؤمن.
وعلى هذه الخلفية أوضحت شهادات بعض الوعاظ ورجال الدين والباحثين الإسلاميين أن الشيخ كشك لم يكن يوماً عضواً في جماعة الإخوان المسلمين ولا أي جماعة دينية أخرى، ولكنه كان على مسافة واحدة من كل التيارات والجماعات، إلا أن ذلك لم يعفه من المسؤولية ولم يجنبه الملاحقة الأمنية حتى بعد انتهاء فترة حكم السادات وبداية حُكم مبارك، غير أن الأخير حدد إقامته في منزله ومنعه من صعود المنبر فاكتفى بمراقبة ما يجري عن بُعد وعكف على الكتابة والتأليف لفترة قليلة.
وحول التأثير القوي لخطب الإمام وبراعة تصويره الدرامي للمواقف والمشاهد والأحداث التاريخية والمُعاصرة في حينها، جرت عمليات تحليلية لبعض خُطبه الشهيرة وأسلوبه الممزوج بالكوميديا والسخرية في وصف الظواهر الاجتماعية المُلفتة كظاهرة الغلاء وارتفاع الأسعار وظاهرة الأغنيات الهابطة وانشغال الجماهير بسير النجوم والنجمات من أهل الفن والرياضة، وهي طريقة تهكمية كان يتبعها الشيخ في كشف التناقضات الاجتماعية وتسليط الضوء على الهوة السحيقة بين المستوى المعيشي للسواد الأعظم من الناس وطبقة الأثرياء والمشاهير.
كما تم رصد أسباب انتشار خُطب الشيخ المُجابه من خلال تسجيلها على أشرطة الكاسيت في ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أفسح المجال لتوزيعها على نطاق واسع برغم الحصار والمُراقبة نتيجة تأثيرها الشديد وتفاعل الناس مع الصوت الجهوري لصاحب البصيرة، الرجل الذي لم يعتمد إلا على مقوماته العلمية وقدراته الشخصية فقط في تبليغ ما كان يؤمن به وما يعتقد في صحته، حيث المسجد عنده هو المدرسة المنوط بها التعليم والتفقيه والتصحيح، وخُطبة الجمعة ليست إلا مناسبة للتذكير والحوار والنقاش والوقوف على آخر الأحداث والحوادث.
لقد تم تقديم الرؤية البانورامية الوثائقية على مستويين، مستوى رأسي استعرض مشوار الداعية الكبير من البداية للنهاية ومستوى أفقي أوضح خلفيات وهوامش الوقائع والأحداث التي صاحبت المشوار الطويل والشاق لبطل الحكاية المُثيرة، لكن جانباً مهماً بدا ناقصاً في الرؤية الحياتية والتاريخية والإنسانية للشخصية المُثيرة للجدل تمثل في غياب الشهادات الأهم لأهل الإمام وذويه، حيث شهاداتهم كانت بالقطع ستُضيف الكثير من المعلومات المُتعلقة بحياته الخاصة فتُزيد الإضاءة حول الشخصية فتتعمق الرؤية وتزداد ثراءً.
وباستثناء هذه الملاحظة العابرة يبقى الفيلم عملاً تسجيلياً ووثائقياً مهماً ومُنصفاً لمن ترفع عن الممالأة والنفاق وابتعد عن زخرف الحياة وعاش حياته قاطعاً كالسيف.